تركيا توظف موانئ ليبيا لحساب أحد أصدقاء أردوغان.. كيف؟ وما موقف الليبيين؟

تركيا توظف موانئ ليبيا لحساب أحد أصدقاء أردوغان.. كيف؟ وما موقف الليبيين؟

مشاهدة

15/02/2021

تنكشف شيئاً فشيئاً أهداف تركيا من وراء التدخل في ليبيا ودعم حكومة الوفاق عسكرياً وسياسياً، فتبعات التعاون الاقتصادي بين حكومتي أردوغان والوفاق الليبية، والعقود الحصرية التي مُنحت للشركات التركية، بدأت تتجلى على أرض الواقع وتؤثر سلباً في الحركة التجارية، عن طريق فرض ضرائب جديدة على البضائع المستوردة بشكل يضاعف أعباء المواطنين الليبيين المورّدين والمستهلكين.

اقرأ أيضاً: ليبيا.. ألغام تركية

وقد باتت الأنشطة التركية ملموسة بشكل واضح في ليبيا وملاحظة على نحو واسع، خاصة في العاصمة طرابلس، فقد استأنفت شركات الطاقة التركية أعمالها، في حين أعلنت أخرى دخولها في مفاوضات مع سلطات طرابلس للبدء في تنفيذ الاتفاقيات المبرمة مؤخراً أو البحث عن موقع لها في العقود المستقبلية، وضمان أكبر استفادة من التدخل في ليبيا.

الكثير من المراقبين أجمعوا على أنّ حقول النفط ومشاريع إعادة الإعمار هي الدافع الرئيس للتدخل التركي في ليبيا، لكنّ تلك الأهداف تسبقها أخرى أكثر أهميّة لأنقرة، من النفط والغاز ومشاريع إعادة الإعمار التي لن تكون في وقت قريب، لضمان حضور نافذ في ليبيا والمنطقة، وهي السيطرة على الموانئ البحرية الليبية وإدارتها واستغلالها.

والآن ظهرت تلك المكتسبات التي اعتبرها تجار ليبيون إتاوات، وأصبح يعارضها الكثير من الشخصيات الاقتصادية، معتبرين أنّ الاتفاقية التي أبرمت بين حكومة الوفاق وتركيا، التي تعطي الحقّ لشركة تركية بالسيطرة على الموانئ، هي اتفاقية مجحفة بحقّ ليبيا والليبيين.

 

شركة تركية تفرض إتاوات على التجار الليبيين بعد سيطرتها على الموانئ بموجب اتفاقية أبرمت بين حكومتي أردوغان والوفاق

 

وفي السياق، استغاث تجار ليبيون وشركات شحن من معاناتهم مع الجمارك في الموانئ الواقعة غربي البلاد، بسبب شركة تركية تفرض عليهم "إتاوة" من أجل إعطائهم رمز الإفراج عن بضائعهم.

وتتكدّس حاويات البضائع في موانئ طرابلس ومصراتة والخمس بسبب قرار وزير مالية حكومة الوفاق فرج بومطاري بالتعاقد مع شركة تركية مسؤولة عن مراقبة البضائع الواردة ومنح الإذن بدخولها، وفق ما أوردت "سكاي نيوز".

الاتفاق الذي عُقد بين حكومة الوفاق وشركة "إس سي كي" التركية يلزم المستوردين ووكلاء الشحن وغيرهم من مستخدمي الموانئ الليبية بالحصول على "رقم تتبع إلكتروني للشحنات (ECTN) من وكيل معتمد لتفريغ أيّ شحنة".

وحسب الاتفاق، فإنه يجب دفع "40 يورو لكلّ حاوية 20 قدماً، و50 يورو لكل حاوية 40 قدماً، ويورو واحد عن كلّ طن من البضائع العشوائية، و2 يورو عن كلّ طن للنقل الجزئي، و10 يورو على السيارات الخفيفة أقل من 5 أطنان، و20 يورو على كلّ سيارة".

اقرأ أيضاً: المرتزقة والدور التركي.. مسارات الحل السياسي في ليبيا

وحاول مدير إحدى شركات الشحن الليبية في إيطاليا، فضّل عدم ذكر اسمه، أن يتفادى تلك المشكلة عبر إصدار بوليصة الشحن لتغيير رحلات البضائع المتكدسة في إيطاليا إلى ميناء بنغازي البحري بدلاً من موانئ المنطقة الغربية، إلّا أنه لم يفلح.

 

اقتصاديون يعتبرون أنّ الاتفاقية التي أبرمت بين الوفاق وتركيا، والتي تعطي الحق لشركة تركية بالسيطرة على الموانئ، هي اتفاقية مجحفة

 

وأوضح أنّ الأمر جاء بعد أن "عمّمت الشركة التركية العقد المبرم مع حكومة الغرب على السلطات الإيطالية، وبموجبه منعت شركات الشحن الليبية من الحصول على بوليصة شحن إلى ميناء بنغازي".

وتقدّم رئيس لجنة إدارة الاتحاد الليبي العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة محمد عبد الكريم الرعيض ببلاغ إلى مكتب القائم بأعمال النائب العام في طرابلس، يطالبه بـ"التدخل العاجل لإيقاف الإجراء، وإزالة هذه الإشكالية، والتحقيق في الأمر".

ولفت في البلاغ إلى تعاقد بومطاري مع الشركة التركية "حديثة المنشأ" لتنفيذ مشروع نظام تعقب ومتابعة البضائع المورّدة عبر النظام الإلكتروني إلى ليبيا، موضحاً أنّ تلك الشركة تجني 70% من إجمالي الإيرادات التي تتمّ جبايتها، وذلك لمدة 4 أعوام كاملة، في حين يتحصل الجانب الليبي على 30% فقط، وفق ما أوردت صحيفة "بوابة الوسط".

وأضاف الرعيض: إنّ الاتحاد لاحظ أنّ هذا الإجراء "تمّ بشكل غير قانوني ويشوبه العديد من الشبهات، ويمسّ بالأمن الغذائي والاقتصادي والقومي بالبلاد، لأنّ بومطاري غير مختص قانوناً بتوقيع مثل هذا العقد، ممّا يجعل الإجراء باطلاً، ولا تنتج عنه آثار قانونية".

وأوضح أنّ "مسألة تنظيم حركة التجارة وتعزيز الخدمات الإلكترونية في مجالي التجارة هو اختصاص بعض الجهات العامة بالدولة، ومنها مشروع شبكة ليبيا للتجارة، الذي يتمتع بالشخصية الاعتبارية العامة، والذمة المالية المستقلة، والتابع لوزارة الاقتصاد والصناعة، والمنشأ بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 313 للعام 2012".

 

محمد الرعيض يتقدّم ببلاغ إلى النائب العام في طرابلس، يطالبه بالتدخل العاجل لإيقاف الإجراء والتحقيق في الأمر

 

وبحسب البلاغ، أدى هذا القرار إلى "عرقلة انسياب السلع والبضائع إلى السوق في المنطقة الغربية من البلاد، في ظلّ اكتظاظ الموانئ، وحدوث إشكاليات كبيرة في عمليات المناولة، ممّا عرقل عملية التجارة، في ظلّ غياب وزارة الاقتصاد والصناعة".

وأضاف الرعيض: إنّ هناك رسوماً مالية أخرى فُرضت نتيجة "تعاقد الشركة التركية مع متعهدين آخرين، وشركات وسيطة في دول أخرى، وبالتالي ارتفعت أسعار السلع التي يتحمل أعباءها المواطن في نهاية المطاف، في ظلّ الأزمة الاقتصادية الراهنة، إذ طُبق الإجراء على آلاف الحاويات في موانئ المنطقة الغربية، ممّا أدى إلى تعطيلها أكثر من 10 أيام، وأثر سلباً على السلع الغذائية، من حيث الجودة، وزيادة التكلفة، مقابل مصاريف التخزين وغرامات التأخير".

اقرأ أيضاً: فرنسا تدعو إلى رحيل القوات الأجنبية من ليبيا... ما علاقة تركيا؟

وفي السياق، أوضح الخبير الاقتصادي الليبي رمزي الجدي، في تصريح لـ"العربية"، أنّ السيطرة على الموانئ البحرية بليبيا تمكّن أنقرة من أن تكون مركز تجميع الغاز بالمتوسط ونقله إلى أوروبا ويحوّلها إلى مصدّر للطاقة، حيث تتركز أهمّ الموانئ النفطية شرق البلاد، ويمثل ميناء مصراتة البحري أهمّ ميناء تجاري ليبي من وإلى أفريقيا، والشريان الحيوي للتبادل التجاري في ليبيا.

وبموجب الاتفاقية التي وقعت يوم 12 آب (أغسطس) الماضي، أصبحت أنقرة تتحكّم في واردات الموانئ الليبية من خلال رجل أعمال مقرّب من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حسبما أورد موقع "أفريكا إنتلجنس" المتخصّص في الشؤون الاستخبارية والاستراتيجية.

وقال الموقع: إنه حصل على قرار صدر عن الجمارك الليبية بطرابلس في 20 تموز (يوليو) الماضي يقضي بالتعاقد مع "جهة خارجية" لإدارة مذكرات تتبع الشحنات البحرية.

 

الجدي: السيطرة على الموانئ تمكّن أنقرة من أن تكون مركز تجميع الغاز بالمتوسط ونقله إلى أوروبا

 

ولم تكن هذه الجهة الخارجية سوى شركة "إس سي كي" التركية، التي يديرها محمد كوكاباشا، أحد رجال الأعمال المقرّبين من أردوغان.

وبموجب الاتفاق، تمنح الجمارك الليبية إشرافاً غير مسبوق للشركة التركية على جميع السلع الواردة إلى ليبيا عن طريق البحر.

وفي المقابل، يثير هذا التطوّر غضب اتحاد غرف التجارة الليبية وغرفة الشحن التجاري الليبية، اللتين تشعران بالقلق تجاه هذا الوجود التجاري التركي غير العادي.

وقد أثار أيضاً هذا الاتفاق غضب مسؤولي الجمارك في ليبيا، الذين اعتبروا أنّ تمكين جهة خارجية من إدارة أعمال مصلحة الجمارك والإشراف على البضائع الواردة إلى البلاد ومراقبتها وبشروط مجحفة، فيه ضرر اقتصادي ومالي على ليبيا، وبمثابة عقد تأميم لأهمّ المرافق الحيوية الليبية لصالح تركيا.

وفي هذا السياق، عبّرت غرفة الملاحة البحرية في مراسلة وجّهتها إلى رئيسي المجلس الرئاسي، عن تفاجئها بقرار التعاقد مع شركة تركية لإدارة مصلحة الجمارك، ورأت أنّ "الإصرار على هذا العقد يثير الشكّ والريبة، ويبعث على التخوّف من الفساد المصاحب لهذه العملية".

وأشارت الغرفة إلى أنّ دخول طرف أجنبي للتحكّم في الجهات السيادية الليبية يجعل من السهولة السيطرة على قاعدة البيانات والإحصائيات التجارية الخاصة بالمخزونات الاستراتيجية للسلع والبضائع، واعتبرت أنّها معلومات يحظر تداولها إلّا من طرف الجهات السيادية ذات العلاقة.

وتابعت: إنّ الشركة التركية المتعاقد معها مجهولة، وليس لها انتشار واضح إلّا في بعض الدول الأفريقية غير المستقرّة، والتي تمرّ بمراحل تخبّط وفساد اقتصادي لغرض جباية الرسوم على السلع الواردة دون وجه حق، من أجل جني مئات الملايين سنوياً مقابل لا شيء إلّا توفير بيانات للسلع المورّدة.

 

الجمارك الليبية بطرابلس تتعاقد مع شركة "إس سي كي" التركية، التي يديرها محمد كوكاباشا، أحد المقرّبين من أردوغان

 

وتبعاً لذلك، دعت الغرفة إلى ضرورة إيقاف قرار التعاقد مع هذه الشركة إلى حين عقد وتنظيم ورشة عمل تحت إشراف الدولة، دون تدخل وسطاء وسماسرة وشركات وهمية من الخارج، وذلك لتفادي شبهات الفساد، ومنع تسرّب المعلومات الخاصة بالمخزونات الاستراتيجية للدولة إلى جهات خارجية.

ويقف العقد عقبة أمام إرادة أيّ حكومة ليبية وطنية في إنهاء عقد الشركة التركية مستقبلاً في حال إخفاقها، وسيكلّف ليبيا مبالغ ضخمة في حال قرّرت إنهاء العقد.

الصفحة الرئيسية