تركيا ترحّل لاجئين سوريين لإثبات روايتها بمحاربة الإرهاب!

تركيا وسوريا

تركيا ترحّل لاجئين سوريين لإثبات روايتها بمحاربة الإرهاب!

مشاهدة

24/01/2019

قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، في 16 تموز (يوليو) 2018 ، إنّ السلطات التركية أوقفت إجراءات تسجيل اللاجئين السوريين الجدد "كلياً باستثناء قلة" مما يحرمهم من خدمات ضرورية ويعرّضهم لخطر الترحيل، بحسب المنظمة الدولية.

اعتبرت "هيومن رايتس ووتش" أنّ الحدود مغلقة فعلياً والكثير من السوريين يُمنعون من التنقل بين المحافظات التركية

واعتبرت المنظمة أنّ الحدود مغلقة فعلياً والكثير من السوريين يُمنعون من التنقل بين المحافظات التركية، وقال المدير المساعد في الوكالة لبرنامج اللاجئين، جيري سيمبسون، إنّ الاتحاد الأوروبي الحريص على وقف تدفق اللاجئين الى أوروبا "يتغاضى عن خطوات تركيا الأخيرة لمنع وثني الأشخاص الفارين من سوريا".
من جهتها، كشفت مصادر إعلامية بداية آب (أغسطس) الماضي، أنّ عائلات سورية بينها مجموعة عائلات كُردية من عفرين، مُقيمة في تركيا تلقت اتصالات هاتفية من دائرة الهجرة التركية، لتبليغهم بإمكانية العودة إلى مدينة عفرين وقرب موعد ترحيل السوريين.
وأكدت بعض العائلات أنّها تلقت اتصالات مماثلة تفيد أنّ المنطقة أصبحت آمنة ويمكنهم العودة إليها، كما أعلمتهم بأنّ الحكومة التركية ستقوم بترحيل السوريين المتواجدين على أراضيها خلال ثلاثة أشهر.
وأشارت صحيفة "يني شفق" المُقربة من الحكومة التركية، إلى أنّ القوات التركية تأهبت في مناطق شمالي سوريا والخاضعة لسيطرة فصائل سورية معارضة تابعة لتركيا، تحضيراً لعودة نحو 1,6 مليون لاجئ سوري إلى بلادهم خلال عام واحد.

اقرأ أيضاً: كيف استخدمت تركيا المريدية والإخوان في اختراق المجتمعات الكردية؟
وبيّنت الصحيفة أنّ أنقرة تواصل إرسال العناصر العسكرية والعربات المدرعة والدبابات، إضافة إلى الدعم اللوجستي، إلى جبهات إدلب ومنبج وتل رفعت، بالتزامن مع إجراء محادثات دولية، من أجل ضمان عودة 400 ألف مدني سوري إلى أراضيهم، خلال النصف الثاني من 2018، ومعظم هذه النوايا تمت بالفعل؛ حيث أعلن وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، أنّ نحو 300 ألف لاجئ سوري عادوا إلى بلادهم "في أعقاب عمليتين عسكريتين تركيتين في شمال سوريا".
وحسب الصحيفة، فإنّ ذلك يأتي في إطار الخطوات التي تقوم بها تركيا بهدف تأمين الظروف في إدلب، وريف حماة، وريف حلب، وتل رفعت، ومنبج، لعودة مليون و600 ألف سوري إلى منازلهم.

حافلات تقل عوائل من عفرين تمت إعادتهم من بلديةُ "أسنيورت" بإسطنبول بحضور رئيس البلدية

إبراز العودة وكأنها طواعية
وتحاول السلطات التركية إبراز عودة اللاجئين السوريين وكأنها طواعية، من خلال الاتصال بالمواطنين السوريين وإعلامهم بضرورة العودة إلى بلادهم ضمن فترة زمنية معينة.

أعلن وزير الداخلية التركي في كانون الأول الماضي أنّ نحو 300 ألف لاجئ سوري عادوا إلى بلادهم

يقول جوان إبراهيم (اسم مستعار)، وهو مواطن كُردي من عفرين، ومُقيم في تركيا منذ أعوام في حديثه إلى "حفريات": "أقيم أنا وعائلتي في تركيا منذ العام 2014، حيث اضطرتني الأوضاع المأساوية في سورية للخروج باتجاه تركيا، وتعرضنا في بداية قدومنا لبعض الضغوطات من قبل الأتراك حين كانوا يعلمون أنّنا من عفرين، وكانت هذه الضغوط من باب أننا يجب أن نذهب إلى سوريا ونحارب الـ "ب ك ك" (اختصار لحزب العمال الكردستاني)، مما اضطرني أنا وعائلتي إلى تجنب الحديث عن أصلي، وحين كنت أتعرض لهكذا سؤال، كنت أجيب أني من حلب وكان الأتراك يتعاطفون معنا"!
ويضيف جوان: "أما الآن، وبعد أن سيطرت القوات التركية وقوات المعارضة السورية، سمعت عدة أنباء أنّ السلطات التركية تتصل بالعوائل من مدينة عفرين المقيمين في تركيا وتبلغهم بضرورة الرحيل فوراً إلى مدينة عفرين كونها آمنة، ولم أكن أعتقد أن الموضوع جدّي او حقيقي، حتى قاموا بالاتصال بي".

اقرأ أيضاً: العودة إلى عفرين: الأكراد أمام مُقاومة بيضاء أو استسلام بطعم الهزيمة
وحول ما دار في الاتصال، يقول جوان: "تحدث معي شخص تركي يتقن اللغة العربية وسألني عدة أسئلة حول معلوماتي الشخصية، ليتأكد من هويتي، وعرّف عن نفسه دون أن يفصح عن منصبه، وطلب مني ضرورة مغادرة الأراضي التركية باتجاه مدينة عفرين بالسرعة القصوى كون المنطقة أصبحت آمنة، وأنّهم سيتكفلون بمصاريف العودة".
أما بالنسبة لرده على ذلك، فيقول جوان: "حين أجبته بأن الأوضاع غير مستقرة في مدينة عفرين وغير جيدة، ردّ بحدة وقال: لقد كافحنا الإرهاب في المنطقة ولم يعد هناك أية مشاكل وعليكم العودة فوراً، وإلا أرجعناكم بالطريقة وإلى المكان اللذين نراهما مناسبين، وطلب مني الاستعداد لأنّهم سيحددون موعداً لاحقاً لمقابلتي أنا وعائلتي للعودة".

اقرأ أيضاً: "الغوطة وعفرين": أحلام المهجرين بالعودة إلى منازل تهدّمت وجغرافيا سُرقت
ويشير جوان إلى أنه قام بسؤال مواطنين سوريين آخرين من مناطق (اعزاز والباب والراعي وجرابلس الخاضعة لفصائل "درع الفرات" المدعومة تركياً) حول الاتصال بهم للعودة الى سوريا، لكن الجميع نفى ذلك، ويستنتج جوان أنّ تلك الاتصالات تتم فقط مع أهالي عفرين، معللاً ذلك بـ"الرغبة التركية في إيصال رسالة للرأي العام الداخلي والخارجي، أنّ عفرين أصبحت منطقة آمنة، وتتم العودة إليها طواعية". 
ويتابع جوان: "منذ عدة أيام، أُعيد 42 شخصاً إلى عفرين، من بلدية اسنيورت التابعة لإسطنبول، عدد قليل من هؤلاء عاد بشكل طوعي، أما البقية فقد توجه لهم البوليس التركي، وأخرجهم من بيوتهم، وتم وضعهم في الحافلات أمام الكاميرات لتصوير العودة على أنّها طوعية إلى عفرين".
ولا يبدي جوان أي استعداد للعودة في ظل الظروف الحالية، مؤكداً: "من المستحيل العودة إلى عفرين، لأن وضعي وزوجتي، سيكون في خطر كبير، كوننا تعرضنا سابقاً لابتزاز من أحد عناصر الجيش الحر"، مفضلاً عدم الخوض في تلك التجربة.

اقرأ أيضاً: الطعم التركي والإدارة الذاتية في عفرين: نار المقاومة تنبعث من جديد
والخيار الأسلم له في هذه الحالة،  كما يقول، هو "التوجه نحو أوروبا بأسرع وقت سواء أكان عن طريق الفيزا أو التهريب، رغم الخطورة التي تتصف بها عمليات التهريب، والتكاليف العالية التي لا يمكنني تحملها، لذلك قد اضطر إلى إرسال عائلتي وحدها مبدئياً".

خروج الأهالي من عفرين مع اقتراب فصائل غصن الزيتون من إحكام حصارها في آذار 2018

إعادة أقلية دينية مُهددة
يقول علي عيسو، مدير مؤسسة ايزدينا، وهي مؤسسة إعلامية تعنى بشؤون الأكراد من أتباع الديانة اليزيدية في شمال سوريا وإقليم كردستان العراق: "تركيا لها باع في إعادة اللاجئين السوريين قسرياً لمناطق الصراع السورية، التي هربوا منها وفقًاً لعدة تقارير حقوقية، ومنها منظمة هيومان رايتس ووتش، وفي الآونة الأخيرة اعتمدت تركيا سياسة إجبار اللاجئين الكُرد، تحديداً من أبناء عفرين، للعودة إلى مدينتهم التي تقول تركيا إنّها باتت (مُحررة)".

عيسو: تركيا لها باع بإعادة اللاجئين السوريين قسرياً لمناطق الصراع التي هربوا منها وفقًاً لعدة تقارير حقوقية

ويضيف عيسو، في حديثه إلى "حفريات": "رصدنا في مؤسسة ايزدينا تلقي حوالي 16 عائلة كُردية من عفرين، معظمها من أبناء الأقلية الدينية اليزيدية، اتصالات من الدوائر الحكومية التركية المعنية باللاجئين، وتم إخبارهم بضرورة مغادرة تركيا والعودة إلى عفرين، ولدينا حالات لعوائل أمهلتها تركيا مدة ثلاثة أشهر كحد أقصى للمغادرة، وعوائل أخرى لم يحدد لها الوقت، لكن قيل لهم (اليوم أنتم مخيّرون بين العودة والبقاء، لكن قريباً سنجبركم على الرحيل)!".
ويؤكد عيسو ما قاله جوان: "أخبرتنا عائلة كُردية أخرى، بأنّ الموظف الذي اتصل بهم وطلب منهم مغادرة تركيا، قال لهم: (لقد حررنا لكم عفرين، وهي اليوم محررة فماذا تنتظرون هنا؟)"، ويتهم عيسو تركيا بالسعي لتغيير التركيبة السكانية في المنطقة بالقول: "تركيا وبمساعدة الفصائل المتطرفة التي تُعرف باسم الجيش الحر، جلبت عشرات الآلاف من الغوطة إلى عفرين، فضلًا عن أعداد كبيرة لعوائل عشرين ألف مقاتل شاركوا في عملية غصن الزيتون، وهؤلاء جميعهم ليسوا من أبناء منطقة عفرين".

اقرأ أيضاً: تركيا تحرم 38 ألف طالب كُردي من التعلم بلغتهم الأم
ويردف عيسو: "كمؤسسة ايزدينا، نُبلغ المنظمات الدولية المعنية بحقوق الانسان بجميع هذه الانتهاكات التي تمارسها تركيا وفصائل ما تعرف بالجيش الحر، بما فيها إعادة اللاجئين قسرياً إلى عفرين وهي محتلة من قبل مجموعات إرهابية، حيث أرسلنا مخاوفنا من هذه الممارسات، كما نقلنا صورة الانتهاكات التي تحصل في عفرين إلى منظمات المجتمع الدولي، وكنا من أوائل من دق ناقوس الخطر بخصوص المحاكم الشرعية الإسلامية التي تعمل في عفرين، استناداً إلى مسودة القانون العربي المُوحّد".
ويطالب عيسو بمحاسبة تركيا على أفعالها فيقول: "ينبغي للمجتمع الدولي فرض عقوبات على تركيا، للحد من انتهاكاتها بحق السوريين، فهي لم تكتفِ باحتلال مدن سورية وتغيير هويتها السكانية والوطنية، بل وصل بها الأمر حد ممارسة استبدادها بحق اللاجئين المدنيين في تركيا، والفارين من حدة الصراع في سوريا، كما تتلاعب بقضية اللاجئين وتبتز بهم دول الاتحاد الأوروبي".

لاجئون سوريون في أحد المخيمات المقامة على الأراضي التركية

عودة اللاجئين مصلحة للنظام وروسيا
يقول الحقوقي السوري شيخو بلو، في حديثه إلى "حفريات": "تستثمر تركيا قضية اللاجئين منذ بداية الأزمة السورية، حيث فتحت حدودها أمام دخول السوريين، خاصة في أعوام 2013-2015، حيث استقبلت حوالي 3 ملايين لاجئ منهم، لتوفير عمالة رخيصة لاقتصادها المتنامي، والحصول على المساعدات من المجتمع الدولي باسمهم، وتَضمن حضورها في الملف السوري بكل تفاصيله، وبعد حصولها على مساعدات من الاتحاد الأوروبي في العام 2016، قامت بضبط حدودها وضبط الهجرة غير الشرعية باتجاه دول الاتحاد الأوروبي ابتداءً من أواخر آذار (مارس) 2016".

حقوقي سوري: تركيا تستثمر قضية اللاجئين منذ بداية الأزمة السورية وتبتز دول الاتحاد الأوروبي بشأن الهجرة

وينوّه بلو إلى أنّ "عملية ضبط الحدود مع سوريا واليونان ترافقت باستغلال اللاجئين بشكل آخر، عبر تشكيل قوات عسكرية منهم تحت قيادتها، سُمّيت بقوات درع الفرات، لتحقيق المزيد من التدخل في الأزمة السورية".
ويشدد بلو على أنّ "الاستغلال التركي لموضوع اللاجئين يبدو جلياً إذا ما دققنا في الأرقام، فمن إجمالي 3.5 مليون لاجئ سوري دخلوا تركيا، يقيم حوالي 225 ألفاً فقط منهم في المخيمات، التي تمنع السلطات التركية دخول الصحفيين إليها، أما البقية فهم خارج المخيمات، ولا تتحمل تركيا أية مسؤولية عنهم، كما لا تصرف أي موازنة مالية عليهم، رغم تلقيها مبالغ مالية كبيرة من الاتحاد الأوروبي باسمهم".

اقرأ أيضاً: الكُرد يتخلون عن حلمهم بالفيدرالية استجابة للأسد ودرءاً لأردوغان
وحول مساعي تركيا لإعادة اللاجئين السوريين، يقول بلو: "هذا الحديث مُوجّه في الواقع إلى الاتحاد الأوروبي، كرسالة بأن أنقرة لازالت مُلتزمة باتفاق الحد من الهجرة غير الشرعية باتجاه دول الاتحاد الأوروبي الموقعة العام 2016، وهي تذكير لهذه الدول بمساعدة تركيا مالياً، وتحذير لها في الوقت ذاته، بإمكانية إغراق الاتحاد الأوروبي بالمهاجرين، إن لم يدفعوا ما تحتاجه تركيا من مساعدات ومزايا اقتصادية، وهذا يصب في مصلحة النظام وروسيا في ظل السباق نحو فرض حل للأزمة بعيداً عن مسار جنيف".
ويعتقد بلو أنّ "عودة اللاجئين سابقة لأوانها، لأنّ الأسباب التي دفعتهم للهجرة لازالت قائمة، وبالتالي فإنّ عودتهم لمناطق سيطرة تركيا، ستعرض حياتهم للخطر، وتجعلهم ضحايا الابتزاز المالي والانتهاكات التي تجري بصورة واسعة في مناطق درع الفرات وعفرين".
ويختتم بلو حديثه بالقول: "قانونياً لا يجوز إجبار اللاجئ على العودة إلى أي مكان تكون حياته مهددةً فيها، ويحق لمن يعترض على إعادته لبلاده أن يتقدم بشكوى إلى محكمة حقوق الإنسان الأوروبية قبل تسفيره، إن كانت هناك أسباب جدية تهدد حياته، وكذلك الاشتكاء للمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان لممارسة الضغط على دولة اللجوء".

الصفحة الرئيسية