
بإمكان المرء أن يصنع من ظروفه الصعبة مُعجزة، ليس لنفسه فقط، بل لمن حوله كذلك. ليس هذا كلامًا إنشائيًا أو مقتبسًا من كتب تنمية بشرية، فأمامنا نموذج لإنسان فعلها، أكيد ليس هو الوحيد، لكن كلّ إنسان حكاية مختلفة، فقد استطاع "باولو فيراري" أن يخرج بتجربته الفريدة في مجال التعليم خارج حدود قريته ودولته وقارته، ليقدّم نموذجًا إنسانيًا فريدًا في علو الهمّة والتصميم على الهدف.
فيراري واحد من عظماء مهنة التربية، تستشهد بتجربته الأدبيات التربوية، ويُقتبس من أفكاره في رسائل الماجستير والدكتوراه، لأننا أمام كيان دينامكي عجيب، فهو صاحب تجربة عمقتها الممارسة، وخرجت بها إلى آفاق بعيدة.
الفقر قاطرة النجاح
فالولد الفقير والجائع الذي أعاقه الفقر عن مواصلة تعليمه، الذي أدرك بعد أن كبُر أنّه لا تعليم مع أمعاء خاوية، وأنّه لا يمكن أن تهتف باسم الوطن بينما بطنك يصرخ جوعًا، جعل من التعليم أساسًا للكرامة الإنسانية ومتطلبًا من متطلبات بناء دولة ديمقراطية، لذلك نادى بتعليم يحرر الإنسان، فقد تعطل فيراري عامًا دراسيًا كاملًا بسبب سوء التغذية الناتج عن مرحلة الكساد الكبير التي مرت بها البرازيل عام 1929، وربما هذا ما جعله يتبنّى طوال مشوار حياته فلسفة التحرر عن طريق التعليم، فقد أدرك باكرًا أنّه لا تعليم مع الفقر ولا تعليم مع هدر الكرامة الإنسانية، التعليم يجب أن يحافظ على جودة الحياة ويحافظ على الديمقراطية.
وهذا ما جعله يتبنّى الاتجاه الراديكالي الديمقراطي في التعليم، ذلك الاتجاه القائم على الحوار والمناقشة وعلى تغيير الأوضاع الحالية من جذورها، دون تقديم إيديولوجيا جاهزة، بل يشجع المتعلمين على نقد الواقع القائم، وعلى إحلال وضع جديد برؤى مشتركة. يتبنّى النظام الراديكالي النقد كمنهجية تغيير، على عكس النظام اليميني واليساري، الذي رأى أنّهما يتبنيان الوضع القائم نفسه، ويتعمدان تلقينًا حزبيًا وسياسيًا يخدم السلطة الحاكمة، ممّا يجعله يلغي كيان الفرد، مكررًا الشعارات ومفردات الثورة والتحرير نفسها دون أيّ جودة في حياة الناس المقهورين.
وإذا كان التعليم اليميني يبرر للوضع القائم والتعليم اليساري يعمد إلى الجديد، ولكن بشكل تلقيني لا يشارك في صنعه العامة، فإنّ التعليم الراديكالي هو تعليم حواري ونقاشي ومفتوح على كل الآراء، للمتعلم فيه مكانته التي تُحترم.
كانت للنشأة والظروف السياسية والاجتماعية دور كبير في تشكيل فيراري، فقد ولد في أسرة متوسطة عام 1921، في مدينة ريسفي شمال البرازيل، وكان للكساد الكبير الذي مرت به البلاد دور مهم في تشكيل وعيه حول الطبقات الاجتماعية وحقوق المهمشين، أو بلغته "المقهورين"'، وكانت فكرة العدالة الاجتماعية واحدة من ثيمات تفكيره الأساسية. بدأ حياته مدرّسًا للغة البرتغالية، وأعد برامج محو أميّة للفلاحين الفقراء، كانت مزيجًا بين محو الأميّة والتثقيف السياسي والتوعية بالحقوق، وهذا ما جعله يصطدم بالسلطة العسكرية القائمة التي رأت في نشاطه خطورة عليها فتعرّض للاعتقال السياسي فترة قصيرة لمدة (70) يومًا، ونُفي إلى بوليفيا ومنها إلى تشيلي.
التعليم عمل سياسي
خرج فيراري من هذه التجربة بقناعته الراسخة التي صاغها في كتابه "تعليم المقهورين"، وهي أنّ "التعليم عمل سياسي، ولا يوجد تربية بريئة"، وهو يعني هنا أنّ التعليم هو موقف سياسي شئنا أم أبينا، وهو إمّا أن يكون أداة للتحرر، وإمّا وسيلة للهيمنة، وهذا ما جعل فيراري يخوض كل معاركه ليحقق حرية الإنسان عن طريق التعليم، ومن أجل هذا انحاز إلى "التعليم الحواري"، في مقابل "التعليم البنكي"، وكان الأول ينحاز للنقاش والحوار، يحتل فيه المتعلم دورًا فاعلًا على عكس التعليم البنكي، الذي استمدّ فلسفته من فكرة البنك الذي يودع فيه الناس مدخراتهم، كما يفعل المعلم في التعليم التقليدي، حيث يعتمد على التلقين وعلى الكمّ المعرفي الذي يُحصّله الطالب، دون أن يكون معنيًّا بالكيف، أو بمدى ارتباط هذه المعارف بالحياة.
طرح فيراري المشكلة الرئيسية في كتابه، والتي حاول أن يجيب عنها، وهي "كيف يستطيع المقهورون المقسمون الذين لا يشعرون بوجودهم المتحقق أن يسعوا في تطوير أسلوب تعليم يستهدف تحريرهم؟".
وفي هذا أجاب وفصّل بأنّ التعليم أداة نقدية مهمة جدًا، يستجلي بها المقهور وضعه، ويحدد العلاقة التي بينه وبين الحاكم، وهو في سبيل ذلك يعيد الوضع الإنساني لكليهما. فالقاهرُ والمقهورُ كلاهما ليس في الوضع الإنساني السوي، فالمقهور حين يطالب بحقوقه ويحصل على حريته يكون قد حرر مُستعبده كذلك، شريطة ألّا يقع في الخطأ الذي يقع فيه زعماء الثورات دائمًا، وهو تحولهم إلى مستبدين جُدد، فمن الصعب على المقهور الذي ينال حريته أن يتصور الحرية خارج النموذج الذي رأى عليه سيده بكل ممارساته، لهذا يجب على المُحرر أن يقطع شوطًا إنسانيًا آخر مع نفسه، ورأى أنّ التعليم النظامي وحده ليس بقادر على التوعية بالحقوق السياسية والمواطنة، وإنّما يجب أن تصحبه برامج خاصة تؤدي إلى توعية حقيقية.
إنّ جمال فلسفة فيراري تتمثل في كونها تتبنّى نموذجًا ناعمًا وعميقًا للتحرير الإنساني، وترسم خريطة رفاه للشعوب بعيدًا عن القفز فوق الدبابة أو التخريب والعنف والمكائد، وإنّما تكون بتربية فرد إنساني مكتمل من النواحي العقلية والنفسية والاجتماعية والروحية والثقافية والبدنية والسياسية...إلخ، لا يمكن أن يحكمه أحد أقلّ تقديرًا لهذه الحقوق.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B1%D8%AC%D9%85%D8%A9_69_1_0.jpg.webp?itok=NXc2EDlL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%A3%D8%B1%D8%A8_8_0_0_2.jpg.webp?itok=-TnDaHR7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%A3%D8%B1%D8%A8_8_0_0_1.jpg.webp?itok=CL9O1akA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/twkl_krmn_0.jpg.webp?itok=j41Jarj8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AC%D8%AF_2_1.jpg.webp?itok=wHfk8ZQ7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/2025_10_18_18_31_31_0_0_1_0.jpg.webp?itok=SkXCybmu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/194-021055-the-muslim-brotherhood-america-terrorism-origins_700x400_0.jpg.webp?itok=sO7HiTyx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_17_2_0.jpg.webp?itok=OJHiLu6x)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7_3_8_4.jpg.webp?itok=6NTbdxV3)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/imkU1lEaIhWv6KjKI6A08QBTT-wkIgWNabNKMf3CoBZajwmmUf05S8CcJZ0F3cS48ZztE7bScTKicQfsJ05BheuH7W8vT-vNZtzdvfl_yfIn5Voq2MeF3YMSYBNlGqXbcZtibKq0DDDzJ3s1Om6TkgVpw_CTqwzJKG8LyWkGwMone3TNjFi4j6UBT4G2o1DC%20%281%29.jpg.webp?itok=4jHlYVhu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/research1691816762-scaled_1_0.jpg.webp?itok=zJaW43iV)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1_2.jpg.webp?itok=Eub_WwrE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4_14_0.jpg.webp?itok=87RfWcU8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%8A%D8%A8%D8%A7%D9%84%20%281%29.jpg.webp?itok=l5QIZWVA)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%AA.png.webp?itok=VbHyzx0h)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D8%A9_0_0_0.jpg.webp?itok=ZdFIrzY9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/TJyYoaIPWCb1i5d30Gjrpw7fLXt0iCSz_exnQwWgbxq2nakNU1YgtKTMSrnLWGV6oejqsbylYy6kBo9aS7uXz6CvVnoHqfbzqkKbxmBNv48pdva8BItkBRhoHzHFsEo5ZxvOtzRo1hiYjMV05u-j7a9mdc0d_lyaHWz4cAvTjyne5JUgmZKNBw6oKSbXUweF.jpg.webp?itok=lutg-h0E)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/900_0.png.webp?itok=FYTtVJ5O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_93.png.webp?itok=wop19a6T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_9_0_0.jpg.webp?itok=wQUJCmfX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%B7.jpg.webp?itok=Q8py6cl-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ZAe5ym0zeJaXSVkLxPR3jhB84LDE2UKg_36JsUj1W8M5w3iFviyx6GfyWe4yTHE9jDkz6fPXcMC652NKjzg5depVMNU2vqIp4_bNZlDw3r60sMynm9zDqwWpRIBLttdDlX1NQk0gu9oUs4Cy9-otrb0B8Ppr9U1pTezbpl3aKpEefd3SG4JwdoqLb3n0OD1f%20%281%29.jpg.webp?itok=1ofDeuzc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

