تحولات الإخوان المسلمين: تفكك الأيديولوجيا ونهاية التنظيم

الإخوان المسلمون

تحولات الإخوان المسلمين: تفكك الأيديولوجيا ونهاية التنظيم


01/11/2018

تعد اسهامات الباحث الراحل "حسام تمام" فيما يختص بدراسة وتحليل الحركات الإسلامية، من الإسهامات المهمة، التي حاول فيها إلقاء الضوء بشكل مكثف على البنى الاجتماعية لهذه الجماعات، والتي مثلت ظهيراً شعبياً حاضناً للمشروع الأيديولوجي، مع تحليل ما طرأ على هذا المشروع من متغيرات، وبشكل شديد الحيدة والموضوعية.

ويعد كتابه: "تحولات "الإخوان المسلمون"؛ تفكك الأيدولوجيا ونهاية التنظيم"، الصادر في العام 2006، من الكتابات التي حاول فيها استشراف مستقبل التنظيم، في ضوء قراءته للخطاب السياسي المعلن.

فهل نجح "تمام" في تقديم استنتاجات أثبت المستقبل صحتها؟ أم أنّ قراءته اعتمدت نوعاً من التحليل الرومانسي/ المثالي، الذي افتقد قراءة العمق الأيديولوجي لواقع التنظيم، وملاحظة الخطاب المزدوج الذي مارسته الجماعة؟

 

 

مفهوم الخلافة

ينطلق "تمام" من طرح صدَّر به كتابه، يقول فيه إنّ "من يتابع المشروع الإخواني، سيكتشف أنه شهد تحولاً بالغ الأهمية، انتقل به من أفق الخلافة وإقامة الدولة الإسلامية العالمية، إلى الاستيعاب كاملاً في مشروع الدولة الوطنية القطرية الحديثة، التي بدا أنّها استوعبت المشروع الإخواني، بعد أن ظل زمناً طويلاً يسعى إلى تجاوزها"، ومضى يؤكد أنّ الرواية الكبرى التي كانت تعيشها الجماعة، وترفعها هدفاً لمشروعها، تفككت وتم تجاوزها تلقائياً.

تمام: الإخوان غيروا إستراتيجيتهم بعد نكبتهم في عهد عبد الناصر واتبعوا سياسة قوامها بناء تنظيم هرمي محكم

بنى تمام فرضيته على أساس تراجع قضية "الخلافة" على مستوى البرنامج السياسي، ومستوى الرمزية في انتخابات 2005 التي فاز فيها الإخوان بنحو 20% من مقاعد البرلمان، مؤكداً أنّ هذا التراجع جرى نتيجة للاستغراق في العمل السياسي، وما يتعلق به من عمل عام، وهو ما يعني – في ظنه- تماهي المشروع الإخواني في حدود الدولة الوطنية، لتصير مفردات الخطاب الإخواني أقرب إلى خطاب الأحزاب والجماعات المحلية الوطنية، من حيث التركيز على القضايا الداخلية، مؤكداً أنه من خلال متابعته للخطاب الإخواني، لاحظ غياب مفردات الدولة الإسلامية، والخلافة الراشدة، لصالح حضور متصاعد لمفردات ترتبط بمشروع حزبي سياسي.

وعليه، اعتقد "تمام" أنّ الاستغراق في العمل السياسي، سوف يخلص الجماعة من ثقل الحمولة الأيديولوجية، وهو ما يعني أنّ التنظيم السري سيتحول بالضرورة إلى العمل الحزبي / المدني، حال توفر الشرط الموضوعي لذلك، وهو في رأيه المزيد من الممارسة السياسية مع انفتاح المجال العام، وهو القول الذي رد عليه تقرير "المشروع الأمريكي الاستقصائي لمكافحة الإرهاب" الصادر في العام 2008، والذي أكد أنّ الجماعة تتحرك وفقاً للأسس التي وضعها المؤسس حسن البنا، تحت مبدأ "الإسلام سوف يسود"، وأنها تقوم بشحن قواعدها الفقيرة في مصر عن طريق شعارات الخلافة الإسلامية العالمية.

اقرأ أيضاً: ما دور الأزهر والإخوان المسلمين في حرف مصر عن العلمانية؟

ويمكن القول إنّ ما حدث عقب ثورة يناير 2011، وما تسببت فيه من سيولة في المجال العام، الذي انفتح على مصراعيه أمام جماعة الإخوان المسلمين، كشف النقاب عن حقيقة الخطاب المراوغ، والشعارات الوطنية الزائفة التي رفعها التنظيم قبل صعوده إلى الحكم، فمع تأسيس حزب الحرية العدالة، كان متوقعاً أن يحل التنظيم نفسه، ويقوم بدمج كوادره في الحزب الذي حصل على الأغلبية في الانتخابات البرلمانية، لكن الجماعة أبقت على التنظيم، وتحول الحزب إلى مجرد ذراع سياسي له، ويسير مكتب الارشاد أعماله بالوكالة، ويتحكم في قراراته وتوجهاته، حتى مع وصول رئيس الحزب محمد مرسي إلى كرسي الرئاسة؛ حيث كان من الواضح أنّ رئيس الجمهورية كان ظلاً، ليس إلا، للمرشد العام للإخوان المسلمين.

ومن الملاحظ أنّ الإخوان مع وصولهم للحكم، وانخراطهم الكامل في العملية السياسية، حافظوا على نفس مفردات الخطاب الإسلاموي الكلاسيكي، وعلى رأسها شعارات الخلافة وأستاذية العالم، وليس أدل على ذلك من رسالة أحمد عبد العاطي مدير مكتب الرئيس المعزول محمد مرسي إلى شباب الإخوان: "هذه تحياتنا نرسلها لكم من عاصمة الخلافة، التي نأمل وننتظر أن تعود في القريب، من إسطنبول". وفي اعتصام رابعة الشهير، مارس الإخوان على مستوى قياداتهم مظلوميتهم الأخيرة تحت شعار عودة الخلافة الإسلامية، حيث كان المفهوم حاضراً على منصة رابعة طيلة فترة الاعتصام.

مقتضيات البناء الهرمي

يشير تمام إلى أنّ الإخوان غيروا إستراتيجيتهم بعد نكبتهم في عهد عبد الناصر، واتبعوا سياسة جديدة تقوم على بناء تنظيم هرمي محكم، خارج سيطرة الدولة ورقابة أجهزتها؛ كضمانة حقيقية ووحيدة لوجود الجماعة، ومع الزمن تأكد-بحسب تمام- أنّ رهان جماعة الإخوان على بناء التنظيم وتقويته، وليس السعي للحصول على المشروعية القانونية، كان الرهان الناجح في مقابل الرهان على النظام وعلى احتكار السياسة.

اقرأ أيضاً: "الإخوان" وأحلام حكم العالم باسم "الخلافة"

مرة أخرى، كشفت ثورة يناير عن وجود مغالطة صريحة في هذا الطرح، فتكالب الجماعة السريع على السلطة، دون وجود مشروع حقيقي للحكم، جعلها تفشل فشلاً ذريعاً في التعاطي مع سؤال الدولة، وهو الفشل الناجم عن التسرع المحموم القائم على تحالفات هشة مع مراكز السلطة القديمة، وكشفت محاولات التفاهم والتواطؤ مع بقايا النظام الذي قامت عليه الثورة، مدى نفعية الجماعة وانتهازيتها، كما كشفت مخططات التمكين، ومحاولات السيطرة على مفاصل الدولة، رغبة في احتكار ممارسة السياسة، واعتماد خطاب واحد شديد الاستبداد والضجر من المعارضة، وهو ما يمكن ملاحظته في عمليات الحشد المتتالية التي قام بها الإخوان، وتوجيه الحشود نحو بؤر المعارضة والممانعة للمشروع الإخواني، وهو ما تجسد في حصار مدينة الإنتاج الإعلامي، والمحكمة الدستورية العليا، وأحداث الاتحادية وغيرها، وهو الأمر الذي أدى في النهاية إلى السقوط السريع، تحت وطأة الغضب الشعبي العارم.

 

 

الإخوان والفن

يرى المؤلف في زواج ابنة الفنان عادل إمام من ابن القيادي الإخواني نبيل مقبل، دليلاً على قدرة الجماعة على التساهل في شروطها ومبادئها، مقابل توثيق علاقاتها بشخصيات لها مكانة اجتماعية، وأن ذلك يساعد، مع الوقت، على سقوط نموذج الدولة الإسلامية الكلاسيكي، مستعرضاً تطور علاقة الإخوان بالفن، وكيف بدأها حسن البنا، وكيف استخدم الفن كوسيلة لنشر رسائله، لدرجة إنه كان هناك مسرح يسمى "مسرح الإخوان المسلمين"، ثم ساءت هذه العلاقة في السبعينيات، بعد انتشار التيار الوهابي، وصعود السلفية، وأصبح الفن من المحرمات، لكن انخراط الجماعة في مضمار السياسة، أدى إلى استعادة الفن وجوده بين الإخوان.

جماعة الإخوان بإعدام سيد قطب، فقدت مُنَظرها الأخير، حيث لم تظهر كوادر إبداعية ومنهاجية منضبطة في الكتابة

هذا الافتراض يتطلب العودة إلى أدبيات الإخوان الأولى؛ فالمرشد الأول والمؤسس حسن البنا الأول يشير في رسائله إلى أنّ "الفن ليس سبيلًا لإصلاح أخلاق الأمة، وإنما الدين هو السبيل"، ويؤكد أنّ "تقدم الفن لم يجلب سعادة النفوس وهدوءها وطمأنينتها".

ولعلّ مسيرة البنا مع الفنان حسين صدقي، تؤكد أنّ الفن عند الإخوان مجرد أداة يمكن استخدامها لنشر ودعم المشروع الإسلاموي، وهو ما دفع "صدقي" بعد عدد من المواءمات إلى الاعتزال والتبرؤ من مسيرته الفنية.

وحتى ما أورده "تمام" من نماذج تبين تماهي الإخوان مع الفن الحديث، تؤكد في الحقيقة مدى القطيعة بين الإخوان والفنون، حيث تحولت أغنية عمرو دياب: "من كم سنة وأنا ميال ميال.. وفي حبك أنا مشغول البال"، إلى أغنية إسلامية على نفس اللحن والوزن تقول: "من كم سنة وأنا ديني الإسلام.. وشريعتي أنا سنة وقرآن"، كما تحولت أغنية الأطفال الشعبية "بابا فين" إلى أغنية إسلامية تقول: "المسلم فين"، وهو ما يؤكد أنّ الغناء يظل عندهم مقيداً بشرط الأسلمة.

تدوين تاريخ الجماعة

يطرح المؤلف سؤالاً، يحاول أن يجد له إجابة سواء من وجهة نظره، أو من وجهة نظر الإخوان وهو: "لماذا لا يكتب الإخوان المسلمون تاريخهم.؟" ويذكر المؤلف عدة أسباب أهمها من وجهة نظره عدم وجود كوادر مؤهلة للكتابة والتدوين، وكذلك الفهم الخاطئ لبعض المعاني والأخلاق الإسلامية، وهو الأمر الذي دفع قيادات الإخوان إلى عدم كتابة مذكراتهم، وكتم شهادتهم بحجة منع الفتن. ومن الأسباب أيضاً استمرار المشروع الإخواني وعدم الانتهاء منه؛ فكتابة تاريخ للأحداث يأتي غالباً – في اعتقاده- عقب نهايته، أو انتقاله إلى مرحلة جديدة، أما السبب الذي يطرحه من من وجهة نظر قيادات الجماعة؛ فهو خوفهم من تحويلها إلى وثائق تتخذ ضدهم أمنياً.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون و"الجهاد العالمي".. بدايات الدم

من الواجب القول إنّ هذا المنع أو الامتناع لم يكن صارماً، فحسن البنا نفسه نشر سيرته الذاتية في كتابه:"مذكرات الدعوة والداعية"، وزينب الغزالي كتبت مذكراتها المعنونة بـ "أيام في حياتي"، وكذلك فعل عبد المنعم عبد الرؤوف، كما نشر الدكتور عبد العزيز مذكراته، ونشر محمود الصباغ كتابه: "حقيقة التنظيم السري ودوره في دعوة الإخوان".

الجماعة بإعدام سيد قطب، فقدت مُنَظرها الأخير، حيث لم تظهر أيه كوادر لديها قدرة إبداعية، ومنهاجية منضبطة في الكتابة، ولعل ذلك يعود إلى طبيعة العقل المستقيل لأعضاء التنظيم القائم على مبدأ الولاء والبراء.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية