تحقيقات المرفأ: هل تسعى الحكومة لحل لا يغضب حزب الله؟

تحقيقات المرفأ: هل تسعى الحكومة لحل لا يغضب حزب الله؟

مشاهدة

18/10/2021

المعطيات تشير إلى مسؤولية حزب الله عن شحنة نترات الأمونيا التي انفجرت في مرفأ بيروت، في الرابع من آب (أغسطس) العام الماضي، فلا قوى أخرى في حاجة إلى تخزين مثل هذه الكميات الكبيرة، فضلاً عن وجود نفوذ كبير للحزب على الموانئ والمطارات والحدود، يستغلّها في نشاطاته العسكرية وتجارة التهريب التي تدرّ أرباحاً كبيرة.

اقرأ أيضاً: حزب الله وأمل يهددان بالانسحاب من الحكومة اللبنانية... ما علاقة مرفأ بيروت؟

لكنّ الحزب القابض على الدولة بسطوة السلاح والتحالفات السياسية والعلاقات الاقتصادية والدعم الإيراني لن يسمح للتحقيق بالمضي قدماً تحت أيّ ظرف، رغم أنّ أيّ تحقيق لن يستطيع ربط الشحنة بالحزب مباشرةً، فضلاً عن ذلك يدرك الحزب المآرب السياسية لفريق رئيس الجمهورية من دعم التحقيق، وغيره من القوى السياسية من خارج الحكومة، مثلما هو حال كلّ صغيرة وكبيرة في بلد أُسِّس على الطائفية والمحاصصة، وفي يد الحزب وشركائه، من حركة أمل وتيار المردة، القدرة على إسقاط الحكومة التي وُلدت بشقّ الأنفس، ما يجعل استمرار التحقيق في كفّة، وبقاء الحكومة في الأخرى.

مسيرة داعمة للقاضي طارق البيطار

الملمح الأبرز، خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، ما صدر أمس الأحد رئيس الوزراء نجيب ميقاتي الذي قال لموقع "المدن" إنّ "الوضع الأمني مستتب ولا تخوف. ولكن سياسياً أنا لن أدعو إلى جلسة لمجلس الوزراء، قبل إيجاد حلّ للمشكلة. ولا أريد استفزاز أي طرف".

 السلاح غير الشرعي بيد معظم الفرقاء اللبنانيين، وعلى رأسهم حزب الله، يجعل القوى الأمنية عاجزة عن تنفيذ أوامر قاضي التحقيق بتوقيف أياً من المُدعى عليهم

ولدى سؤاله عن كيفية حلّ المعضلة القضائية قال ميقاتي: "لن أتدخل بعمل القضاء، ولا يمكن لي أن أنقض التزاماتي. أبلغت الجميع أنني لن أتدخل في عمل القضاء، ولا في عمل المحقق العدلي طارق البيطار. وعلى القضاء أن يصلح نفسه بنفسه. وهناك قانون ودستور لا يمكن القفز فوقهما. والنزاع القائم القضاء هو القادر على حلّ مشكلته".

وهل يمكن لمجلس القضاء الأعلى أن يطلب من البيطار التنحي؟ يجيب ميقاتي أنه لا يمكن للمجلس الطلب من البيطار التنحي، وليس له الحق بذلك. "المسألة تحتاج إلى وقت لإيجاد الحلّ".

النظام الطائفي

ولطبيعة النظام الطائفي في لبنان؛ فالحديث عن العدالة بشكل مجرّد لا مكان له؛ لأنّ التعيينات القضائية، شأن جميع التعيينات، تقوم على أسس طائفية؛ لهذا وُجدت نصوص دستورية وُضعت لإرضاء الفرقاء، وتعدّ بمثابة حصانة للنافذين سياسياً، مثل المواد الدستورية التي تمنع محاكمة الرئيس ورئيس الحكومة والوزراء، حال التقصير في عملهم أمام القضاء العادي، وتمنع بتاتاً محاكمة رئيس الجمهورية عن أيّ تقصير في عمله، وتحيل محاكمتهم إلى مجلس خاصّ يتطلب انعقاده ورفع الدعاوى إليه موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب؛ لهذا فالحديث عن استقلال القضاء في لبنان، ومحاولة تجاوز التحصينات الطائفية، لن تؤدي إلا إلى تفجير الأوضاع، وجلب مآسٍ أكبر، وما حدث من إطلاق النار في منطقة الطيونة، بدارو، الخميس الماضي، ليس سوى مؤشر أول عمّا ينتظر البلاد في حال استمرار التصعيد السياسي الداخلي، وتحويل قضية مأساوية مثل انفجار مرفأ بيروت إلى ساحة لتصفية الحسابات العالقة.

شبح الحرب الأهلية

وصفت الصحف اللبنانية الاشتباكات التي شهدتها منطقة الطيونة، بدارو في بيروت، بالقرب من قصر العدل، بأنّها "بروفة" للحرب الأهلية التي دارت رحاها بين أعوام (1975 - 1990) في البلاد، وأعادت مشاهد الرعب التي عاشها تلاميذ المدارس والسكان في منازلهم، وسط إطلاق نار وسقوط قتلى وجرحى، ذكرت من عايشوا الحرب الأهلية بما سبق من مآسي.

مسيرة داعمة لحزب الله وحركة أمل ضد تحقيقات انفجار المرفأ

واندلعت الاشتباكات بعد إطلاق نيران من مصادر مجهولة على مسيرة دعت إليها حركة أمل وحزب الله للتجمع أمام قصر العدل في بيروت، احتجاجاً على ما وصفوه بتسييس التحقيقات في انفجار مرفأ بيروت، على يد قاضي التحقيق العدلي، طارق البيطار، وردّت عناصر الحزب والحركة على مصادر النيران، ودام الاشتباك قرابة الأربع ساعات، وانتهى بتدخل الجيش، وارتفعت حصيلة الضحايا إلى ستة قتلى، بينهم سيدة أصابتها رصاصة داخل منزلها، وأكثر من 30 جريحاً.

اقرأ أيضاً: حزب الله يفتح النار على قاضي التحقيق بقضية المرفأ.. ما الجديد؟

واتّهم الحزب وحركة أمل القوات اللبنانية بالمسؤولية عن استهداف المسيرة، بينما نفت القوات ذلك، ولم يعلن الجيش بعد نتائج التحقيقات مع الموقوفين التسعة، ومن بينهم أحد القناصة، الذين استهدفوا المسيرة بطلقات مباشرة من أعلى أسطح عدة بنايات، وسواء نفت القوات اللبنانية مسؤوليتها أم لا، فما حدث يعدّ تحوّلاً خطيراً، يدفع نحو تنامي العنف كلغة لحلّ الخلافات بين الفرقاء، بعد عدّة سنوات من انخفاض العنف السياسي، في بلد لا يتحمّل انهيار ما تبقى من السلم الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: حزب الله يدين نفسه في تفجيرات مرفأ بيروت... ما الجديد؟

ومن المؤكد أنّ الاشتباكات ستعزز التفاف القواعد الشعبية لحزب الله وحركة أمل خلفهما في مواجهة القاضي البيطار، وستزيدهم، إلى جانب تيار المردة، قوةً في مواجهته، والضغط على الحكومة للبحث عن مخرج، وهو ما صرّح رئيس الحكومة، نجيب ميقاتي، بأنّه يعمل عليه، ويتواصل مع الأطراف في ذلك، ومن بين الخيارات المطروحة تنحية البيطار عن مهام التحقيق بمرسوم من مجلس الوزراء، على الرغم مما يعنيه ذلك من تدخل السلطة التنفيذية في القضاء، ورفض رئيس الجمهورية لذلك، ومطالبة فريقه السياسي بإيكال المهمة إلى مجلس القضاء الأعلى.

عوائق قانونية

وكان قاضي التحقيق العدلي قد أصدر مذكرة توقيف بحقّ النائب البرلماني من حركة أمل، وزير المالية السابق، علي حسن خليل (2014 - 2019)، بعد رفض الأخير المثول أمام القاضي بعد استدعائه، ورداً على ذلك هدد الوزير المحسوب على الحركة، وزير الثقافة، محمد مرتضى، بخطوات تصعيدية، من بينها تعطيل الحكومة، وبحسب تسريبات نشرتها صحف لبنانية عن حديثه في اجتماع مجلس الوزراء للتباحث حول الأزمة، حذّر مرتضى وزير الداخلية من محاولة تنفيذ مذكرة توقيف خليل.

الكاتب والباحث السياسي، عاصم عبد الرحمن

وتتمحور أزمة الثنائي الشيعي وتيار المردة مع التحقيق بسبب الادعاء على ثلاثة وزراء، هم: النائب في البرلمان، وزير الزراعة الأسبق، غازي زعيتر (2016 - 2018)، والوزير السابق علي حسن خليل، وهما من حركة أمل، ووزير الأشغال العامة والنقل السابق، يوسف فنيانوس (2016 - 2020)، وهو من تيار المردة، حليف الثنائي الشيعي.

وفي السياق ذاته، رفض وزير الداخلية السابق، محمد فهمي، والوزير الحالي، بسام مولوي، إعطاء إذن بملاحقة المدير العام للأمن العام، اللواء عباس ابراهيم، وردّه شكلاً بحجة عدم وجود أيّة معطيات موضوعية تبيّن تبدلها بين الطلب في عهد الوزير السابق، والطلب في عهده.

ويستند الثنائي الشيعي وتيار المردة على المادّتين الدستوريتَين، (60 و71)، بشأن محاكمة رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزراء عن مهام عملهم، والتي تحدّد المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء كجهة وحيدة منوطة بالتحقيق معهم، فيما غيّر القضايا الجنائية، ولهذا يرى الثلاثي السياسي أنّ القاضي البيطار تجاوز صلاحياته في الادعاء على وزراء سابقين ونواب حاليين، وكان عليه اللجوء لمجلس النواب وطلب عقد اجتماع مجلس محاكمة الرؤساء، بينما يردّ آخرون بأنّ قرار القاضي في نهاية التحقيق هو قرار ظنّي، تتبعه خطوات إجرائية قانونية، قبل الوصول إلى صدور قرار الاتّهام عن النائب العام.

اقرأ أيضاً: كيف أحيا اللبنانيون الذكرى الأولى لانفجار مرفأ بيروت؟

ويقول الكاتب والباحث السياسي، عاصم عبد الرحمن؛ إنّ عمل المحقّق العدلي، طارق البيطار، دونه معوقات قانونية عدة؛ إذ تبلّغ دعوى تقدّم بها وزيران سابقان طلبا فيها نقل القضية إلى قاضٍ آخر، ما أدّى إلى توقف التحقيق للمرة الثالثة، وكذلك تبلّغ من محكمة التمييز المدنية دعوى جديدة مقدمة من وزير المالية السابق ووزير الأشغال السابق ما استدعى تعليق التحقيق ووقف كلّ الجلسات لحين بتّ المحكمة بالدعوى لناحية قبولها أو رفضها، وكذلك تعلّق التحقيق لعدم حضور الوزير السابق خليل.

وأضاف لـ "حفريات": رفضت محكمتا استئناف بيروت والتمييز المدنية، الشهر الحالي، طلبات المدّعى عليهم بكفّ يد بيطار عن التحقيق، وإثر ذلك، حدّد مواعيد لاستجواب خليل وزعيتر ونهاد المشنوق، وهم نواب حاليون، يومي الثلاثاء والأربعاء، مستغلاً عدم تمتعهم بالحصانة النيابية قبل انعقاد الدورة العادية الثانية للبرلمان في 19 من الشهر الحالي، لكن من غير المرجّح مثولهم.

صورة لانفجار مرفأ بيروت

وأشار عبد الرحمن إلى أنّ رئيس تيار المستقبل، سعد الحريري، سبق أن تقدّم بمشروع قانون يقضي بتعليق كلّ المواد الدستورية والقانونية التي تمنح حصانة لرئيس الجمهورية، ولرئيس الحكومة والوزراء والنواب والقضاة والموظفين (بالقطاع الرسمي) وحتى المحامين، وذلك إفساحاً للمجال أمام المحقق العدلي كي يمضي قدماً في التحقيق دونما عوائق في السياسة والقانون؛ ذلك أنّ كثيرين يرون أنّ القضاء اللبناني مسيَّسٌ طالما أن تعيين القضاة في لبنان يتم محاصصةً، سياسياً ومذهبياً، ولمعظم هؤلاء القضاة مرجعياتهم السياسية.

عوائق سياسية

وتعدّ العوائق السياسية أشدّ خطراً من القانونية؛ فالثانية مبنية على توازنات الأولى، وفي لبنان لا يمرّ شيء دون عوائق سياسية، مثلما كانت ولادة حكومة نجيب ميقاتي، والتي باتت في مهبّ الريح بسبب تداعيات التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، بسبب تهديد الثلاثي السياسي؛ حزب الله وحركة أمل وتيار المردة، بالانسحاب من الحكومة، حال استمرار القاضي البيطار في ترؤّس التحقيق، ولهذا تحدّث رئيس الجمهورية، ميشيل عون، ونجيب ميقاتي عن مفاوضات بحثاً عن مخرج يجنب البلاد أزمة سقوط الحكومة.

وارتباطاً بالعوائق السياسية يأتي السلاح غير الشرعي بيد معظم الفرقاء اللبنانيين، وعلى رأسهم حزب الله، ما يجعل القوى الأمنية عاجزة عن تنفيذ أوامر قاضي التحقيق بتوقيف أيّ من المُدَّعى عليهم، فضلاً عن أنّ للمحاصصة الطائفية في الوظائف الرسمية دوراً في غياب استقلالية جهات التحقيق والضبط، مما يزيد من تمسك كلّ فريق بسلاحه كضمانة لوجوده ونفوذه.

ويقول عاصم عبد الرحمن: تتهم قوى سياسية رئيسة، على رأسها حزب الله، وهو القوة العسكرية والسياسية الأبرز في لبنان والمدعوم من إيران، القاضي بيطار بـ "تسييس" التحقيق، وقد صعّد الحزب من نبرته تجاه بيطار؛ إذ اتهمه نصر الله، في إطلالته التلفزيونية الأخيرة، بخدمة أهداف سياسية، وطالب بقاض "صادق وشفاف" لاستكمال التحقيق.

اقرأ أيضاً: عام على انفجار مرفأ بيروت... وهذه مطالب المنظمات الحقوقية

وتابع الكاتب والباحث السياسي: يُنقل عن وزراء حزب الله وحركة أمل وتيار المردة تهديدهم بتعليق مشاركتهم في جلسات مجلس الوزراء ما لم تبت الحكومة بقرار كفّ يد القاضي بيطار عن قضية التحقيق في كارثة انفجار المرفأ.

ومن زاوية أخرى؛ أضاف عبد الرحمن: يؤخذ على القاضي البيطار عدم توجهه إلى رئيس الجمهورية، ميشيل عون، أقلّه بالسؤال عن المعلومات، التي قال عبر الإعلام إنّها وصلته عن وجود نيترات الأمونيوم في المرفأ، وعدم تحرّكه حيال ذلك وفق الأطر القانونية والسياسية لكشف ملابسات وجود هذه المواد الخطيرة، ولو كان فعل ذلك لما كان لأحد أن يتهمه بالتسييس.

والواقع أنّه لو كان القاضي البيطار توجه بالسؤال لميشيل عون لصبّ عليه فريقه السياسي اللعنات والغضب، وردّد حجج الثلاثي السياسية ضدّه، وهو الأمر الذي فعلته القوى السنّية. ونادى رؤساء السنّة حين وجّه قاضي التحقيق السابق، فادي صوان، استدعاء إلى رئيس الوزراء السابق، حسان دياب، ما يعني أنّ هناك وجاهة في شبهة التسييس، ليس لأنّ القاضي مسيَّس، بل لطبيعة الطائفية التي جعلت من الصعب توجيه اتّهام لأيّ فصيل سياسيّ أو حتى مسؤول.

إلى جانب ذلك، لا يخلو تشكيل مجلس القضاء الأعلى من يد السياسة؛ حيث يُعيّن خمسة أعضاء بناء على اقتراح من وزير العدل، وبتوقيع مرسوم من رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، ما يعني انتفاء الاستقلالية على رأس الهرم القضائي، فضلاً عن ذلك، فالأعضاء الآخرون من رؤساء المحاكم، وممن تنتخبهم الغرف القضائية، يواجهون إشكال تأخّر المراسيم بتعيينات لرؤساء هذه المحاكم والغرف، بسبب تأخير رئيس الجمهورية إصدار مراسيم التعيينات، والاكتفاء برؤساء بالإنابة، وهو ما وصفه كتّاب بأنّه "إبقاء من الرئيس لقضاة متوسطي الدرجة لخدمة هيمنته على رؤساء القضاة".

اقرأ أيضاً: أهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت يتظاهرون... ما مطالبهم؟

ورأت تحليلات لبنانية؛ أنّ الهوّة تتسع بين فريق رئيس الجمهورية وحزب الله، وأنّ ميشيل عون يريد مساومة الحزب في تحقيقات المرفأ مقابل دعم صهره، جبران باسيل، كمرشح لرئاسة الجمهورية، بينما هناك فريق سياسي خارج الحكومة ينفخ النار في مواجهة الحزب، تلبيةً لشروط دعم مالي أجنبي، دون مراعاة لحساسية الأوضاع في البلاد.

وفي هذا السياق يصبح من المستحيل الحديث عن العدالة، رغم وجود قضاة نزيهين، ووضوح الجناة، لكن في بلد مثل لبنان حين تكون الطائفية والمحاصصة هي العنوان، تضيع حقوق الأفراد والشعب.



الصفحة الرئيسية