تحالف الإرهاب... هل ينجح تنظيم داعش والقاعدة في إقامة "دولة خلافة" جديدة على أنقاض "مالي"؟

تحالف الإرهاب... هل ينجح تنظيم داعش والقاعدة في إقامة "دولة خلافة" جديدة على أنقاض "مالي"؟

تحالف الإرهاب... هل ينجح تنظيم داعش والقاعدة في إقامة "دولة خلافة" جديدة على أنقاض "مالي"؟


26/04/2026

شهدت جمهورية مالي أمس تحولاً دراماتيكياً في مشهدها الأمني، وُصف بأنّه "الزلزال الأمني" الأكثر خطورة منذ أعوام. فلم تكن الهجمات المنسقة التي ضربت قلب العاصمة باماكو، بالتزامن مع سقوط مدينة "كيدال" الاستراتيجية، مجرد عمليات إرهابية عابرة، بل كشفت عن تغيير بنيوي في تكتيكات الجماعات الإرهابية المسلحة وقدرتها على تهديد كيان الدولة المركزي.

خارطة القوى الإرهابية: تحالفات الضرورة وتضارب الأجندات

تتحرك في الساحة المالية ثلاث كتل رئيسية أحدثت هذا الخلل الأمني الكبير، ورغم تباين أهدافها، إلا أنّها التقت تكتيكياً لإضعاف المجلس العسكري الحاكم:

ـ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين(JNIM) ، وهي الذراع الأقوى لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وقد أثبت في الهجمات الأخيرة قدرة استخباراتية فائقة عبر استهداف مدينة "كاتي" المحصنة، مقر إقامة الرئيس الانتقالي "أسيمي غويتا" ووزير دفاعه.

وتعتمد الجماعة استراتيجية "الإرهاق الاقتصادي" عبر حصار المدن وتعطيل إمدادات الوقود، سعياً لعزل العاصمة وإظهار عجز النظام.

ـ جبهة تحرير أزواد (الطوارق)، وتمثل التيار الانفصالي الذي يطمح للاستقلال بشمال البلاد. وقد شكّل سقوط "كيدال" ـ المعقل التاريخي للطوارق ـ في أيدي الجبهة ضربة رمزية قاسية للدولة، ورغم أنّ أجندة الأزواد "قومية انفصالية" وليست "جهادية عابرة للحدود"، إلا أنّ التقارير تشير إلى تنسيق ميداني عالي المستوى مع القاعدة لتشتيت قدرات الجيش المالي.

ـ تنظيم داعش (ولاية الساحل)، وينشط بقوة في مناطق المثلث الحدودي ومناطق "سيفاري" الاستراتيجية، ويتميز بوحشية العمليات والقدرة على الحشد السريع، ويسعى لتوسيع رقعة نفوذه الجغرافي تمهيداً لإعلان "خلافة" إقليمية تتجاوز الحدود المالية نحو دول الجوار مثل بوركينا فاسو والنيجر.

تطور التكتيكات: من "حروب العصابات" إلى "العمليات المشتركة"

أظهرت هجمات أمس تحولاً نوعياً في تسليح هذه الجماعات؛ حيث رُصد استخدام واسع للطائرات المسيّرة (الدرونز) في الهجوم على قاعدة كاتي، إلى جانب السيارات المفخخة والانتحاريين. وهذا التطور يشير إلى وجود قنوات إمداد متطورة وخبراء تقنيين، وهو ما جعل ميزان القوى التسليحي يميل جزئياً لصالح الجماعات الإرهابية في مواجهة الجيوش النظامية.

اختبار "النموذج الروسي" وفراغ "مينوسما"

بعد انسحاب قوات حفظ السلام الأممية (مينوسما) في نهاية 2023 حاولت باماكو ملء الفراغ بالاعتماد على "الفيلق الروسي" (قوات فاغنر). ومع ذلك كشفت الأحداث الأخيرة حدود هذا الرهان؛ فروسيا وإن وفرت حماية للنخبة الحاكمة إلا أنّها عجزت عن تأمين الأقاليم الشاسعة أو بناء سلطة الدولة. 

ويرى مراقبون أنّ الجماعات الإرهابية استغلت هذا الفراغ لإعادة تموضعها، محولةً مالي إلى "واجهة" لاختبار فشل المقاربات الأمنية غير التقليدية.

السيناريوهات المستقبيلة: مالي نحو "الأفغنة"؟

إنّ قدرة التنظيمات الإرهابية على فتح جبهات متعددة (شمالاً ووسطاً وفي قلب العاصمة) تضع البلاد أمام سيناريوهات قاتمة، أهمها انهيار السلطة المركزية تدريجياً لتسيطر الجماعات المسلحة على المدن الكبرى، تماماً كما حدث في كابل بأفغانستان عام2021.

وقد تؤدي الإخفاقات الأمنية المتكررة إلى تنامي السخط داخل مؤسسة الجيش، وهو ما قد يمهد لانقلاب عسكري جديد يعيد ترتيب التحالفات الدولية، ربما نحو تقارب مجدد مع الولايات المتحدة أو "إيكواس".

ووفق مراقبين، فإنّ استمرار حالة "اللّاحسم" مع تعمق النعرات العرقية "خاصة ضد الطوارق"، سيحول مالي إلى منصة دائمة للحروب بالوكالة.

إنّ ما حدث في باماكو وكيدال ليس مجرد جولة قتال، بل هو إعلان صريح بأنّ الجماعات الإرهابية في مالي قد انتقلت من مرحلة "الاختباء في الصحراء" إلى مرحلة "القدرة على إسقاط العواصم"، وهو ما يهدد بانهيار أمني إقليمي قد يطال القارة الأفريقية بأكملها إذا لم يتم تدارك الفراغ السياسي والأمني الراهن.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية