تجربة الإمارات مع "الإخوان المسلمين".. معالمها وتحولاتها (3)

تجربة الإمارات مع "الإخوان المسلمين".. معالمها وتحولاتها (3)

مشاهدة

24/01/2022

لأسباب عديدة، أوضحناها في الحلقة الأولى والثانية من هذه الورقة التحليلية، برزت دولة الإمارات كواحدة من الخصوم الأساسيين لـ"الإخوان". ولدى النظر في تجربة الإمارات مع "الإخوان" لديها، يظهر أنّه مع تصاعد النمو الاقتصادي في دولة الإمارات بدءاً مع عقد التسعينيات من القرن الماضي، خلصتْ الإمارات إلى قرار نهائي بأنْ تُقيم تجربتها على تغذية النفور الوطني من التعصب والعنف والراديكالية وتسييس الدين، ورأت أنّ ذلك في غاية الأهمية على مستوى مواطنيها، وعلى مستوى إدارة التعليم والشأن الديني والمؤسسة العسكرية، وعلى مستوى المقيمين على أراضي الإمارات والعاملين فيها، وهم خليط متنوع من نحو 200 جنسية، وسيكون السماح لهم بالنشاط السياسي والحزبي، في دولة ناشئة، مدخلاً لنقل خلافات بلدانهم وإشكالاتها وانقساماتها إلى أرض الإمارات، التي تفطنت مبكراً إلى أنّ ذلك سيقوّض قوتها الناعمة، كما سيقوض تطوير تجربتها في ترسيخ بيئة عملٍ تنافسية، وبمعايير عالمية، وفي ظل مستويات عالية من الليبرالية الاجتماعية والتسامح الديني، وفتح نوافذ الترفيه والتسلية والسياحة وسهولة الخدمات وتطوير البنية التحتية واللوجستية، كاشتراطات جاذبةٍ للعمل والعيش والاستثمار، وما يتطلبه ذلك كله من مأسسةٍ في الإدارة والتشريعات، وامتثال لقوة القانون لإدارة هذا الاجتماع المتنوع، وصوناً للأمن والاستقرار، وحفظاً للمكتسبات والحقوق وتراكم تجربة العمران والتحديث والانفتاح على العالم.

 "الربيع العربي"

استطاعت هذه البيئة الطبيعية والمعتدلة تهميش نفوذ "الإخوان" في الإمارات دون أن تنهيه، حتى جاءت أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 كحدثٍ مفصلي وتاريخي ترك أثره على مجمل العلاقات الدولية والإقليمية، وأصبح ملف التطرف والإرهاب على رأس أجندة الدول والحكومات والمؤسسات والمنظمات. وفي ذلك العام أُلقيتْ خطبة في جمعية "الإخوان" في إمارة عجمان كانت بمنزلة رسالة تهديدية للسفارة الأمريكية في أبوظبي، كما ظهرت نزعات جهادية أقرب إلى فكر ومنهج "القاعدة" في صفوف قيادات "الإخوان" في الإمارات، مثل حسن الدقي، وقد اتضح ذلك في كتابه "ملامح المشروع الإسلامي" الصادر في العام 2003، وهو العام الذي بدأت فيه الحكومة الإماراتية بمحاولة بدء فصل جديد مع "الإخوان" ومنحهم فرصة ذهبية أخرى لتصحيح المسار، عبر عرضها عليهم حلّ التنظيم وترك مسألة البيعة للمرشد والانخراط في مسار ومسيرة التنمية في البلاد، وممارسة الدعوة ضمن أُطر المؤسسات الوطنية والدينية الرسمية والحكومية، ولكن من دون الوصول إلى نتيجة.

وفي عام 2006 أخذ الاختلاف يتصاعد؛ حيث خاض "إخوان" الإمارات حملة إعلامية ضد حكومة الإمارات، وضد نقل معلمين منتمين إلى "الإخوان"، كان قد تمّ تخييرهم بين البقاء في وظائفهم بشرط ترك التنظيم والتبرؤ من بيعة مرشد "الإخوان" والابتعاد عن التحزّب، أو الاحتفاظ بالأفكار الخاصة بهم كمعلمين بعيداً عن قاعات التدريس؛ بما يعني البقاء في سلك وزارة التربية والتعليم ولكن ليس ممارسة التدريس والاحتكاك المباشر مع الطلاب، أو الانتقال إلى وظيفة أخرى بعيداً عن سلك التعليم. و"نظراً لأن أعضاء جماعة الإخوان لم يعودوا في وضع يسمح لهم باختيار الحاصلين على المنح الدراسية، فقد حاولوا إنشاء مجالس طلابية إماراتية في بلدان بعيدة مثل أستراليا لتجنيد أعضاء جدد، وعقدت بعض الاجتماعات تحت رعاية حكومات وجمعيات غربية، ما دفع الإمارات إلى إغلاق عدد من المنظمات غير الحكومية على أراضيها ومراكز تفكير"، كما يورد تحليل نشرته مجلة "فورين بوليسي".

اقرأ أيضاً: تجربة الإمارات مع "الإخوان المسلمين".. معالمها وتحولاتها (1)

وقد بلغ الخلاف ذروته مع أحداث "الربيع العربي" في العام 2011 التي تركت أثراً جوهرياً في السياسة الخارجية الإماراتية، وأحدثت تحولاً مفصلياً فيها، وتجلّى ذلك، في جزء كبير منه، في طبيعة الاستجابة للتحديات التي أفرزها صعود الإسلام السياسي و"الإخوان المسلمين" إلى السلطة في غير بلد عربي، وكذلك في طبيعة التعاطي مع التطورات في ليبيا والبحرين ومصر وسورية واليمن، وتصاعد الظاهرة الإرهابية ممثلة أساساً في "القاعدة" و"داعش" ومن يرتبط بهما أو يسير على نهجهما مثل "حركة الشباب" في الصومال و"بوكو حرام" في نيجيريا.

اقرأ أيضاً: تجربة الإمارات مع "الإخوان المسلمين".. معالمها وتحولاتها (2)

ويمكن القول إنّ ذلك التحوّل في السياسة الخارجية الإماراتية وعدم التعويل فقط على "القوة الناعمة" الإماراتية في معالجة ومواجهة التحديات والمخاطر المستجدة منذ "الربيع العربي" استند إلى ثلاثة محددات أساسية:

الأول: رأت حكومة دولة الإمارات، على ما يبدو، أنّ دفع الأخطار خارج حدودها، وعلى رأسها الإرهاب، جزء من تحصين جبهتها الداخلية؛ لأن التأخر والتردد في فعل ذلك من شأنه تصدير تلك الأخطار إلى محيطها المحليّ. وكان التقدير الإماراتي أنّ على رأس تلك الأخطار انهيارات وتفكك الدول الوطنية في المحيط العربي بفعل أمرين: الأول، الإرهاب والإسلام السياسي، والثاني سياسة الهيمنة الإيرانية والتدخل في شؤون الدول العربية عبر دعم طهران المليشيات الطائفية والجماعات المسلحة، التي تتوسل العنف المسلح طريقاً نحو مشروعها الهادف لإضعاف السلطة المركزية في البلدان العربية عبر إشغالها بالحروب والأزمات والاقتتال الأهلي وتآكل هيبة الدولة.

وقد ذكر مسؤول إماراتي بأنّ محاولات الإمارات مع جمعية الإصلاح-تنظيم الإخوان المسلمين في الإمارات لم تنجح، وأنّ "خيار المواجهة الذي اختاره التنظيم لم يتسم بالحكمة، وكان الأولى له أن يرفض الحزبية والاستقواء بمرشده لمصلحة العودة للوطن".

رأت حكومة دولة الإمارات أنّ دفع الأخطار خارج حدودها، وعلى رأسها الإرهاب، جزء من تحصين جبهتها الداخلية؛ لأن التأخر والتردد في فعل ذلك من شأنه تصدير تلك الأخطار إلى محيطها المحليّ

والثاني: أنّ تطوّر الهُوية السياسية لدولة الإمارات، منذ أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، ونظرتها إلى نفسها كلاعب إقليمي مهم في تأمين استقرار البيئة الإقليمية، ومحاربة قوى التشدد والتطرف والعنف، دفعها إلى التصدي لمهمة ملء الفراغ الأمني والاستراتيجي الذي أحدثه تراجع الأدوار التقليدية للعواصم الكبرى: بغداد والقاهرة ودمشق، وانشغالها بظروفها الداخلية، وما عكسه ذلك من انكماشِ وزنِ النظام الإقليمي العربي في معادلات القوة في المنطقة، ما فرض على الرياض وأبوظبي أداء أدوار أوسع من الانحصار في الدائرة الخليجية فقط، وخصوصاً في أعقاب 2011 وحتى الآن.

 

اقرأ أيضاً: أين حلّت الإمارات في أصول صناديق الثروة السيادية إقليمياً وعالمياً؟

والثالث: أنّ بعض مهددات الأمن الوطني الإماراتي الداخلية (جمعية الإصلاح-الإخوان المسلمين، مثلاً) صارت مع "الربيع العربي" تستقوي بالخارج، وتعلن عن مشروعها الحزبيّ العابر للدولة الوطنية، والمهدِد للسِلم الاجتماعي استناداً إلى حالة الفوضى الإقليمية، وارتباطاتها الإيديولوجية مع الخارج. وقد تصاعد مستوى هذا الخطر، بوصول "الإخوان" إلى السلطة في 2012، واتجاههم إلى "أخوَنة" مؤسسات الدولة المصرية والاستفراد بالسلطة، وذلك ضمن مشروع إقليمي، وجدتْ السعودية والإمارات والأردن وغيرها أنه لا يصبّ في مصلحة الاستقرار العربي، بل يقوّي إيران وجماعات الإسلام السياسي والدول التي تدعمها. ويرى المسؤول الإماراتي أنور قرقاش أنه "بينما اعتقد بعض الأخوة بداية أنّ حساسياتنا تجاه تجّار الدين مفرطة، أثبت سير الأحداث لهم أنّ موقفنا وصراحتنا تجاه هذا الخطر كان في محله"، على حدّ قوله.

بوصول "الإخوان" إلى السلطة في 2012، واتجاههم إلى "أخوَنة" مؤسسات الدولة المصرية والاستفراد بالسلطة، وذلك ضمن مشروع إقليمي، وجدتْ السعودية والإمارات والأردن وغيرها أنه لا يصبّ في مصلحة الاستقرار العربي

وينوّه قرقاش إلى أنّ خطاب جمعية الإصلاح-الإخوان في الإمارات "يتجاهل في سرده محاولات عديدة بذلت لنبذ الحزبية والولاءات المزدوجة لمصلحة الوطن"، وهي برأيه "جهود لم يكتب لها النجاح لمن اختار الحزب وأصر عليه "، مشيراً إلى أن خطاب الإصلاح-الإخوان "لا يخلو من لغة وعظية وخطاب متعال أصبح سمة لمن يعتقد أنه احتكر الدين والفضيلة، ونحن نعلم أنه حزب سياسي أهدافه دنيوية".

 

اقرأ أيضاً: بأيّ أجندة تستعد الإمارات لمقعدها غير الدائم في مجلس الأمن؟

وتنتقد الإمارات تنظيم الإخوان، وترى أنّ تجاربهم في البلدان العربية قوّضت دورهم كمعارضة تسعى إلى الإصلاح والتطوير. وفي تقييمها، أنّ دور هذا التنظيم "اتصف في كل مشهد سياسي بالإقصاء والاستئثار والتعالي والحسابات الخاطئة، (ومثّلت تجاربهم في) مصر وسوريا وليبيا واليمن نماذج للحزب الانتهازي".

الحل؟

في خضم أحداث "الربيع العربي"، صرّح وزير الخارجية والتعاون الدولي الإماراتي، الشيخ عبد الله بن زايد، أنه يجب على دول الخليج التعاون لمنع جماعة الإخوان المسلمين من التآمر لتقويض الحكومات في المنطقة"، كما نقلت عنه وكالة "رويترز" للأنباء. وقد شرح الوزير أسباب موقف بلاده هذا بقوله إنّ "فكر الإخوان المسلمين لا يؤمن بالدولة الوطنية، ولا يؤمن بسيادة الدول، ولهذا السبب ليس غريباً أن يقوم التنظيم العالمي للإخوان المسلمين بالتواصل والعمل على اختراق هيبة الدول وسيادتها وقوانينها". وأضاف المسؤول الإماراتي "لا أحد ضد أي عمل يقوم به أفراد يحترمون سيادة الدول وقوانينها، ولكن هناك إشكالية عند الدول في حالة وجود تنظيم يعتقد أنّ هناك هيبة ومكانة وقدرة لدى جهات معينة (يقصد تنظيم الإخوان وقيادته الدولية) يمكنها من أن تخترق السيادة، وهذه الجهات تعترف أنها كيانات شمولية"، وفق تعبيره.

وفي تقدير السلطات الإماراتية، فإنّ "الربيع العربي وخاصة تحكم الإسلام السياسي ببعض مراحله أوجد تحالفاً غريباً خلط بين قيم أراد الغرب أن يدفع بها وانتهازية أرادت أحزاب الإسلام السياسي والحزبي أن تستغلها". وحسب هذا التقدير، كان يمكن تلمّس مثل هذا التحالف (زمن إدارة الرئيس باراك أوباما) في طيات تحليلات كتّاب أمريكيين بارزين، مثل ديفيد إغناتيوس، في صحف أمريكية عريقة، كـ"واشنطن بوست".

تنتقد الإمارات تنظيم الإخوان، وفي تقييمها، أنّ دور هذا التنظيم اتصف في كل مشهد سياسي بالإقصاء والاستئثار والتعالي والحسابات الخاطئة، ومثّلت تجاربهم في مصر وسوريا وليبيا واليمن نماذج للحزب الانتهازي

وحسب ذلك التقدير الإماراتي فإنّ عشرية "الربيع العربي" ومخاضها شهدت "هجوماً يستهدف الإمارات وسجلها، وقد أدركنا أنّ شبكتنا الدبلوماسية عليها أن تبني قدراتها في هذا الجانب أمام هجوم حزبي يؤلب ضد الإمارات لأنها تحمل راية الاستقرار والاعتدال وتبني الأساس لتجربة عربية حداثية ومتطورة، وفي مقاربتنا لا ندعي الكمال؛ فبرغم أننا قطعنا أشواطاً إلا أنه أمامنا أشواط عديدة أخرى نسعى للعمل على قطعها"، على حدّ التقدير المشار إليه.

وتشير الإمارات إلى أنّ "العالم العربي ما يزال يخوض معاركه بين دوافع الاستقرار والتنمية وضرورات تطوير مؤسسات الدولة الحديثة، والإمارات في هذا المشهد تنحاز للتنمية والاستقرار والمستقبل".

وفي رأي الإمارات، فإنّ "الحل يكمن في تقديم نماذج عملية بعيدة عن الأيديولوجيا. فثمة دول شرق آسيوية نجحت عبر سياسات وطنية وتنموية ناجحة. فالفرص والازدهار كان طريق خلاصها بعيداً عن انتهازية الأحزاب الدينية وأجنداتها الخفية".

 

 




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية