تاريخ الإخوان كما كتبوه: قراءة بين السطور(1)

تاريخ الإخوان كما كتبوه: قراءة بين السطور(1)

مشاهدة

02/12/2021

في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، صعد الإخوان في مصر مع ولاية الديمقراطيين في أمريكا، من خلال رؤية أمريكية عوّلت عليهم كأنظمة بديلة في شرق أوسط جديد، على أجنحة الفوضى الخلاقة. وفي هذا السياق حاول الإخوان إضفاء قدر من العلنية والانفتاح المحسوب، الذي يمهد لتعويمهم كحركة سياسية شرعية، تتجاوز سيف الحل القانوني والتاريخي للتنظيم. واتساقاً مع هذا المسعى، قرر الإخوان أن يكتبوا تاريخهم،  قبل أن يكتبه الآخرون فيظهر حقيقة مشروعهم التدميري.

اقرأ أيضاً: الإخوان.. من الرفض الشعبي إلى الملاحقة الدولية

  نحاول، عبر حلقات، قراءة تاريخ الإخوان، من خلال المصدر الرسمي الذي أعدته لجنة من منسوبي الجماعة، من أساتذة أقسام التاريخ بالجامعات المصرية، والذي حمل عنوان "أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين" والذي اختارت أن يحمل توقيع عضو مكتب الإرشاد جمعة أمين عبدالعزيز، المعروف في أوساط الإخوان بـ"حارس الأصول العشرين" في إشارة إلى إحدى رسائل حسن البنا، الكتاب  صدر عن دار نشر مملوكة للجماعة هي دار النشر والتوزيع الإسلامية في سبعة أجزاء، حمل الجزء الأول عنوان "ظروف النشأة وشخصية الإمام المؤسس".

يعتقد الإخوان أنّ حسن البنا كان مجدد القرن العشرين الذي ابتعثه الله ليجدد واقع الدين في النفوس والواقع،  وقد أضفوا على الرجل صفات القائد الإستراتيجي

في المقدمة التي كتبها مصطفى مشهور صقر الجماعة، وأحد عشرة قادوا النظام الخاص؛ أول ميليشيا عسكرية تأسست في العام 1940 لتكون الذراع العسكري لجماعة الإخوان، يقول إنّ تاريخ الإخوان ليس تاريخ مجموعة حزبية أو تيار سياسي حاول الوصول للحكم متوسلاً بالدعوة الدينية، لكنه يتماهى مع الإسلام ذاته، معتبراً أنه التجسيد الحي له هو وجماعته: "تاريخ الإخوان المسلمين ليس تاريخ أشخاص أو بلدان أو مذهب من المذاهب،  لكنه تاريخ أمة أظهرها الله على مسرح الوجود، في فترة من فترات التاريخ شديدة السواد .... وتاريخ جهاد وكفاح في سبيل الله لاسترداد ما ضاع من أمة الإسلام". ثم يردف قائلاً "لقد أذن الله لهذه الجماعة أن تحمل راية الإسلام، بعد أن عمل اليهود، وهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا، على إسقاط الخلافة".

اقرأ أيضاً: خسارة الإخوان الانتخابات المحلية في الجزائر... الأسباب والتداعيات

ووفقاً لقراءة الإخوان الخاصة للتاريخ، فإنّ اليهود هم صناع هذا التاريخ يلعبون بكل الأمم ويشكلون مصائرها، كما لو كنا بصدد عرائس ماريونيت يحركها لاعب واحد، فالشكل السياسي المعروف بالخلافة والذي كان تعبيراً عن واقع سياسي واقتصادي واجتماعي، وتغيرت طبعاته بين العديد من النسخ التي لم تعكس في معظمها حقيقة القيم الإسلامية، ولا حتى الشكل الصارم للشريعة الذي بشّرت به هذه الجماعات ودعت له، والذي كان تطوراً في واقع المجتمعات تجاوزته بقدر امتلاكها للخبرة التاريخية التي مكنتها من أن تتعرف طريقها في النهاية، عبر صيغة الدولة الوطنية كأفضل نظام عرفته البشرية لإدارة خلافات البشر ومصالحهم المتناقضة، بما يحقق للجميع حقوقهم وحرياتهم ورفاههم.

اقرأ أيضاً: سلاح التلويح بالعقوبات هل يردع الإخوان في ليبيا؟

يخلط الإخوان هنا بين قضية الإطار السياسي للدولة الخاضع لاجتهادات البشر، والمفتوح على التجربة البشرية، وبين شكل بدائي للدولة رافق بزوغ دعوة الإسلام، وظل يتغير ويتطور بالتجربة والخطأ. ولأنّ الإخوان يعتبرون التاريخ صيرورة هابطة يمضى للأسوأ دوماً، فأنهم يعتقدون أنّ العودة لهذا الشكل السياسي البدائي هو عودة لحقيقة الدين، الذي لم يحدد شكلاً خاصاً للنظام السياسي للدولة، رغم كثافة الدعاية التي مارسوها حول هذا المفهوم، المعبر عن جوهر دعوتهم. يقول مشهور في هذا السياق إنّ اليهود بعد أن أسقطوا الخلافة "عملوا على زعزعة العقيدة في نفوس أهلها، ثم جاء الاستعمار فقسّم العالم العربي والإسلامي الى دويلات، وصارت أمة الإسلام بعد أن كانت الأمة الواحدة القوية العزيزة، أمماً متعددة ضعيفة بينها من الخلاف أكثر مما بينها من الوفاق".

 جماعة ضمن دولة لم تستطع أن تبقى جماعة واحدة، رغم وحدة الغاية والهدف، ظلت تنقسم وتتشظى منذ النشأة حتى استحالت 4 جماعات، لا زالت تتبجح بالحديث عن خلافة واحدة وقيادة واحدة، وتصر على إعادة إنتاج نظام تجاوزه التاريخ بعد التجربة البشرية، لكن هذا الطرح المتهافت المجافي للواقع لا زال يجد صداه داخل هذا التنظيم، رغم كل ما أصابه من نكبات جلها من صنع يديه.

اقرأ أيضاً: استدعاء "الحيلة التاريخية"... هل ينجح التلون في إنقاذ الإخوان؟

يعتقد الإخوان أنّ واقع المسلمين المتداعي اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، هو بفعل مؤامرات اليهود والاستعمار، وأنّ هذا العداء لم تتصدَ له سوى حركات إحياء ديني كالسنوسية في ليبيا، والمهدية في السودان، والوهابية في السعودية.. والإخوان في مصر هم وحدهم من يمثلون قوى المقاومة الحية لمؤامرات التبشير والاستعمار.

الإخوان هنا يقدمون أنفسهم باعتبارهم هم من ندبوا أنفسهم لإنقاذ الأمة من الانهيار الأخلاقي الذي أصاب بنيها، لذا فالمتأمل في واقع التنظيم عليه أن يتأمل هذه القشرة الأخلاقية الرقيقة التي سريعاً ما انكشفت عن وحوش تتصارع على الأموال والمناصب.

اقرأ أيضاً: كيف رد طه حسين وآخرون على الإخوان؟

الكتاب يؤرخ لنشأة الجماعة، ما يستدعي التأمل في سيرة مؤسسها حسن البنا، الذي يصفه محب الدين الخطيب: "إنّ الأستاذ حسن البنا أمة وحده، وقوة كنت أنشدها في نفس المؤمن فلم أجدها إلا يوم أن عرفته في تلك الغرفة، وكنت ابن صنعته يوم اكتشفت بيني وبين نفسي حاجة الإسلام الى هذا الداعية القوي الصابر المثابر، الذي يعطي الدعوة من ذات نفسه ما هي في حاجة إليه من قوة ومرونة وجد وصبر وثبات الى النهاية".

 يقدم هنا محب الدين الخطيب تزكية مجانية لأحد من تبنى أفكاره في الساحة المصرية عبر تنظيم حركي كبير،  وتأتي كلماته في سياق صناعة الأسطورة؛ أسطورة حسن البنا، التي أضفى البنا عليها مسحة كبيرة من الغموض السحري عندما يقول مخاطباً الإخوان في إطار صناعة العزلة الشعورية بينهم وبين مجتمعهم، وتعزيز الشعور بدونية هذا المجتمع، في مقابل سموهم هم وارتفاعهم: "فاذكروا جيداً أيها الإخوة، أنكم الغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس، وأنكم العقل الجديد الذي يريد الله أن يفرق به للإنسانية بين الحق والباطل، وأنكم دعاة الإسلام وحملة القرآن وصلة الأرض بالسماء".

اقرأ أيضاً: ماذا يفرط الإخوان في تكوين كيانات تابعة لهم في الغرب؟

من يتأمل هذا النص جيداً، يدرك ماذا فعل الرجل بعقول أتباعه، وكيف كرس في عقولهم ونفوسهم أنهم متمايزون إلى حد أنهم هم الصالحون وغيرهم فاسد، هم العقلاء وغيرهم ليسوا كذلك، وحين يتملك هذا الشعور من الأتباع لن يسمعوا أبداً لغيرهم ما دام ليس منهم، فهم وحدهم العقلاء المتصلون بهدي السماء وهم الأقدر على قيادة البشرية وليس المسلمون فقط، فقد جعل البنا هدفه النهائي أستاذية العالم عندما تقف البشرية لتصفق للإخوان بعد تحقيق منجزهم الحضاري المتفرد، والذي عاشت البشرية بعض فصول نجاحه في باكستان والسودان ومصر وكل قُطر ابتلي بهم.

يعتقد الإخوان أنّ حسن البنا كان مجدد القرن العشرين الذي ابتعثه الله ليجدد واقع الدين في النفوس والواقع،  وقد أضفوا على الرجل الذي مات في الثانية الأربعين من عمره، صفات القائد الإستراتيجي، الذي درس تاريخ الأمم والحضارات مطوراً رؤيته الخاصة، التي أثبتت الأحداث أنها إستراتيجية عمياء عولت على التكتيك المنفصل بديلاً عن رؤية إستراتيجية يمكن تقييمها.

هو نفسه اكتشف في نهاية حياته أنه أخطأ التفكير والتدبير، حين أسرّ لخلصائه قائلاً "لا حظ لنا في السياسة، لو استقبلت من أمري ما استدبرت لعدت بالإخوان إلى زمن المأثورات"، في اعتراف نادر بجنايته بحق الدين والوطن.

اقرأ أيضاً: هل تحرم أوروبا جماعة الإخوان من مصدر تمويلها الرئيسي؟

ورغم ذلك يقول جمعة أمين في الكتاب ذاته: "لقد عرف الإمام البنا تاريخ الأمم والنهضات وتاريخ الدعوات والرسالات، وعرف من قراءة التاريخ أنّ نهضات الأمم ورسالات النبيين ودعوات المصلحين لا تنجح ولا تنتصر إلا بالرجال المؤمنين الأقوياء، الذين يكونون بمثابة البُناة والحراس، ولذلك فهو يعتبر بناء الرجال أهم ما ينبغي أن يُعنى به المصلحون، وأنّ له الأولوية على ما سواه".

الاختزال في الرؤية المتعلقة بتغيير الأمم والشعوب واضح منذ البداية، وقد اصطبغت به رؤية الإخوان لأنفسهم وللعالم ولقضية التغيير، وهو ما يشرحه سلوكهم، في الحكم كانوا أم في المعارضة.

 العنصر البشري مهم في التغيير، لكن هذا العنصر لا يعمل في الفراغ، بل يتحرك وفق سنن كونية واجتماعية وقواعد للتدافع البشري وقواعد للصراع. الأمر ليس بهذا البساطة؛ أن تجمع الرجال لتخوض عراكاً في شارع يجعلك "الفتوة" أو الحاكم بأمره الذي يفرض رؤيته على الجميع.

الاختزال في الرؤية المتعلقة بتغيير الأمم والشعوب واضح منذ البداية، وقد اصطبغت به رؤية الإخوان لأنفسهم وللعالم، وهو ما يشرحه سلوكهم، في الحكم كانوا أم في المعارضة

يواصل البنا ورجاله بسط رؤيتهم لطريق النهوض المتوهم، مؤكدين أنّ أهم ما امتازت به دعوة حسن البنا هي النظرة الشمولية للإسلام، والتي لم تنتج سوى تنظيم شمولي يجد نفسه بديلاً للدولة، أو دولة داخل الدولة ينازعها كل سلطاتها، ويجد نفسه بديلاً لها، ثم الميزة الثانية وفق ادعائهم الاتجاه إلى التجميع والتوفيق لا التنفير والتفريق. والواقع تاريخياً خير شاهد على كذب ذلك، إذ لم تنجح الجماعة عبر تاريخها أبداً في الاستمرار في تحالف، حيث بدأت بالتحالف مع الملك فاروق ثم انقلبت عليه، ثم تحالفت مع الضباط الأحرار وانقلبت عليهم، وتحالفت مع السادات ثم قتلته في النهاية، ثم هادنت مبارك في البداية حتى نظمت صفوفها ثم انقلبت عليه.. هذا سلوكها مع الأنظمة، فماذا فعلت مع الحركات السياسية والأحزاب؟ تعاملت معها تماماً كما يتعامل العقرب مع الضفدع؛ يعبر النهر على ظهره حتى الشاطئ ثم يلدغه في النهاية، سبيل سياسي يفتح طريقها ثم لا تلبث أن تتنكر له.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: ارتباك في ليبيا وأكاذيب في تونس وخطاب فارغ في الجزائر‎

  القائل بمزايا الإخوان وفكرهم يختم بالميزة الثالثة، وهي العناية بالتكوين والبناء التربوي المتكامل، وأنا أدعو الإخوان أن يتأملوا في سلوك ليس آحاد الإخوان بل قيادات الإخوان في قمة التنظيم، ليطالع ضمن آخر محطات الخلاف التنظيمي ما تراشقوه من تهم، فقط ليدرك تهافت هذا الفِرية أيضاً، فأي تكوين، وأي بناء تربوي متكامل؟!! وللحديث بقية.



الصفحة الرئيسية