بعد مرور عام على اتفاقية السلام التاريخية.. كيف تبدو الأوضاع بين إريتريا وإثيوبيا؟

إفريقيا

بعد مرور عام على اتفاقية السلام التاريخية.. كيف تبدو الأوضاع بين إريتريا وإثيوبيا؟

مشاهدة

11/07/2019

انقلب المشهد الجيوسياسي في القرن الإفريقي على رأسه، في مثل هذا الشهر من العام الماضي، بالزيارة المفاجئة التي قام بها رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد إلى إريتريا، وتوقيعه "إعلاناً مشتركاً للسلام والصداقة" مع الجانب الإريتري، مُنهياً بذلك النزاع الحدودي الأطول والأكثر دمويّة على مستوى القارة الإفريقية.

اقرأ أيضاً: وساطة إثيوبيا.. هل تنجح في لم شمل السودانيين؟
لقد أدخل هذا الحدث روحاً من التفاؤل الإيجابي في المنطقة؛ حيث توقّع الجميع أنّ تطبيع العلاقات بين البلدين سيدخِل منطقة القرن الإفريقي إلى حقبة جديدة من السلام والازدهار، لكن، وبعد مرور عام من ذلك الاتفاق، لا يبدو أنّ الأمور تيسير على ما يرام؛ فقد باتت الحدود مغلقة رسمياً من الجانب الإريتري، ومع أنّه لم يتم تقديم أيّ تفسير رسمي لهذا القرار، فإنّه على الأرجح، يتعلق بعدم الانسحاب الإثيوبي من بلدة بادمي الحدودية، التي وقع عليها النزاع في أول الأمر.

قرار السلام
إنّ قرار رئيس الوزراء، آبي أحمد، العام الماضي، بالاعتراف بأحقية إريتريا لبلدة "بادمي"، فتح الطريق أمام زيارته إلى أسمرة، وهي البلدة التي أشعلت الحرب، وظلّ رئيس الوزراء الإثيوبي الأسبق، ميليس زيناوي، يرفض قبول خسارته لها، وتسبّب ذلك بـ 20 عاماً من العداء المعلَن، وتمركز قوات كلا البلدين عبر الحدود التي يبلغ طولها ألف كيلومتر، في حالة "لا حرب ولا سلام".

تحسّن وضع إريتريا على الساحة الدولية بشكل كبير خلال عام إذ أصحبت مؤخراً عضواً في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة

لقد كانت زيارة آبي أحمد تاريخية بكلّ المقاييس؛ حيث أنهت أعواماً طويلة من العداء، خاضت فيها إثيوبيا وإريتريا حرباً على الحدود، قُتل فيها حوالي مئة ألف شخص، وقد قوبل القرار الإثيوبي باحتفالات صاخبة من جميع أنحاء المنطقة، وشوهد الرئيس الإريتري، إسياس أفورقي، المشهور بملامحه المتجهمة، وهو يتبسم بملء فمه، وعرض التلفزيون الإريتري لقطات تظهر آبي أحمد وهو يلعب مع عائلة وأحفاد الرئيس أفورقي.
وقد تمّ تعزيز اتفاقية السلام، في أيلول (سبتمبر) من العام نفسه، من خلال التوقيع الرسمي على اتفاق سلام في جدة بالمملكة العربية السعودية، وشهده العاهل السعودي والأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، وأعلن فيه آبي أحمد وإسياس أفورقي موافقتهما على فتح الحدود الإثيوبية-الإريترية، وتطبيع العلاقات بينهما، وترك نزاعات الماضي وراءهما.

زيارة آبي أحمد التاريخية إلى أسمرة

ما الذي تغيّر بعد عام؟
شملت البنود الرئيسة لاتفاقية السلام؛ الانسحاب الإثيوبي من بلدة "بادمي"، بعد اعتراف رئيس الوزراء الإثيوبي بأحقية إريتريا بها، وإعادة فتح السفارات من كلا الجانبين، واستئناف الرحلات الجوية بين العاصمتين؛ أسمرة وأديس أبابا، واستعادة اتصالات الهاتف، وإعادة فتح المعابر الحدودية.

اقرأ أيضاً: بعد "المصالحة التاريخية".. لماذا أغلقت إريتريا حدودها مع إثيوبيا من جديد؟
وتشير التقارير اليوم إلى أنّ جميع المعابر الحدودية بين البلدين قد أُغلقتْ من الجانب الإريتري، كما ظلّ قرار التسليم الرسمي لبلدة بادمي لإريتريا حبراً على ورق، والميزة الرئيسة المتبقية من اتفاقية السلام؛ هي رحلات الخطوط الجوية الإثيوبية اليومية، التي لا تتاح إلا للإرتيريين الذين تزيد أعمارهم عن 50 عاماً، مع تصريح رسمي بمغادرة البلاد.

على عكس جميع التوقعات استمرّت جيبوتي بالاحتفاظ بمكانتها في السيطرة على مجالَي الاستيراد والتصدير الإثيوبيَّين على موانئها

ويعبّر كثير من المراقبين عن قلقهم بمصير اتفاقية السلام، التي وُصفت بأنّها "ليست مهمة للطرفين" فحسب؛ بل هي مهمة كذلك بالنسبة إلى جميع دول منطقة القرن الإفريقي، وفي هذا الصدد يؤكّد المحلل السياسي الجيبوتي، سهل علي، أنّ الاتفاق "حمل آمالاً واسعة بشراكة اقتصادية ستحصل بين إثيوبيا وإريتريا، وعلى الأخص إتاحة الموانئ الإريترية لإثيوبيا غير الساحلية، لغرض التصدير والاستيراد، بدلاً من الاعتماد شبه الكلي على جيبوتي".
ويقول سهل علي لـ "حفريات": "أثارت اتفاقية السلام مخاوف جيبوتي في حينها، التي استشعرت القلق من وصول السلام بين أكبر شريك اقتصادي لها (إثيوبيا)، وأكبر خصم لها في المنطقة (إريتريا)؛ فقد تمتعت جيبوتي، الأصغر في المنطقة، في العقود الأخيرة، باعتبارها الدولة الأكثر استقراراً في إقليم مضطرب، بمرافق متقدمة مكّنتها من الاحتكار شبه التام لنقل البضائع من وإلى إثيوبيا، وبالتالي؛ فقد توقع الجميع أنّ تطبيع العلاقات بين الجارتين يعرض مزايا جيبوتي للخطر؛ حيث ستقلّل إثيوبيا من اعتمادها على جيبوتي، على الأقل، أو تزيد من قوّتها التفاوضية لخفض الأسعار، في أسوأ الأحوال".

اقرأ أيضاً: إثيوبيا.. حكومة نسائية أقل فساداً وأكثر انضباطاً
لكن، وعلى عكس جميع تلك التوقعات؛ فقد استمرت جيبوتي بالاحتفاظ بمكانتها في السيطرة على مجالي الاستيراد والتصدير الإثيوبيَّين على موانئها؛ حيث لم تتغير نسبتها المئوية، البالغة 95%، بقيمة أرباحٍ تصل بأكثر من مليار دولار سنوياً؛ بسبب غياب شبكة طرق تربط بين إثيوبيا وإريتريا، وكذلك البنية التحية الهشة للأخيرة، فضلاً عن نزاعات الحدود العالقة لحدّ الساعة بين البلدين.

أغلقت إريتريا جميع معابرها الحدودية مع الجارة إثيوبيا من جانب واحد

الوضع في إريتريا خلال عام
بالنسبة إلى إريتريا؛ فقد تحسّن وضعها على الساحة الدولية بشكل كبير خلال عام؛ إذ أصحبت مؤخراً عضواً في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، رغم امتلاكها واحداً من أسوأ سجلات حقوق الإنسان في العالم.
ويتضح من هذا الشوط الذي قطعته إريتريا لإنهاء عزلتها المريرة، عملها الدؤوب مع شركائها الإقليميين والدوليين، لكسر عزلتها الدولية، ومع ذلك؛ لا يبدو أنّ التغيير الإيجابي الذي جلبته اتفاقية السلام، أو رفع العقوبات عن النظام، له أيّة انعكاسات إيجابية على حياة الإريتريين العاديين؛ فوفق الأمم المتحدة؛ لم يحدث أيّ تحسّن في حقوق الإنسان منذ توقيع اتفاق السلام، في حزيران (يوليو) من العام الماضي، بينما تواصل الدولة استهداف المعارضين السياسيين والصحافة الحرّة بلا هوادة.

إثيوبيا خلال عام: نفوذ دبلوماسي بارز
ومن جانبها، لعبت إثيوبيا دوراً بارزاً في جميع التطورات التي حدثت في القرن الإفريقي، خلال العام الماضي، ومنذ أن تولّى آبي أحمد السلطة، في نيسان (أبريل) من العام الماضي، فقد قاد بلاده كواحدة من القوى الإقليمية الأبرز في شرق إفريقيا، إلى إبراز نفوذها الدبلوماسي بشكل لافت، كما يتضح من مشاركته الأخيرة في التوسط في مفاوضات السلام بين الجيش السوداني وتيارات المعارضة.

جميع المعابر الحدودية بين البلدين أُغلقتْ من الجانب الإريتري كما ظلّ قرار التسليم الرسمي لبلدة بادمي لإريتريا حبراً على ورق

ورغم وصف الكثير من المراقبين للتقدم الذي أحرزه أحمد في الداخل الإثيوبي بالمذهل، ولكن بالقدر نفسه؛ كانت سياساته مثيرة للقلق كذلك في نظر البعض، خاصة فتحه للحريات السياسية للمعارضة بشتّى أصنافها، وإطلاقه سراح الآلاف من السجناء السياسيين، وترحيبه بمجموعات المتمردين على طاولة المفاوضات، ورفع القيود عن الصحافة المحلية.
ويقول المنتقدون؛ إنّه يتمّ استغلال هذه الإصلاحات من قبل المتطرفين الذين يتمتعون بحريات مطلقة، لنشر رسائل التحريض على المكونات العرقية الأخرى، كما تسبّب إطلاق جميع السجناء السياسيين بحالة من الانفلات الأمني والسياسي؛ حيث قاد واحد من العسكريين الذين أفرج عنهم آبي أحمد قبل عام محاولة انقلابية في أقليم أمهرا، الشهر الماضي، راح ضحيتها رئيس أركان الجيش العام الإيثوبي، ورئيس إقليم أمهرا، وكادت أن تهوي بالبلاد إلى حربٍ أهلية.

الشريط الحدودي بين إثيوبيا وإريتريا

بعد عام: "عدم اليقين" يخيم على المشهد الإقليمي
رغم الآمال الكبيرة التي عُقدت على اتفاقية السلام التاريخية بين إثيوبيا وإريتريا، فقد فاجأ المراقبين إغلاق جميع المعابر الحدودية الأربعة المفتوحة بين البلدين من الجانب الإرتيري دون توضيح.
ولم يعلّق الجانب الإريتري على مسألة إغلاق المعابر الحدودية، حين لمّح رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، في مقابلة أجريت معه مؤخراً مع الصحافة المحلية، إلى الحاجة إلى "تنسيق قضايا الجمارك التجارية"، و"عدم عودة المنفيين الإريتريين" كسبب لإغلاق الحدود.

اقرأ أيضاً: مَن يسعى لزعزعة الاستقرار في إثيوبيا والقرن الإفريقي؟
وبشكل عام؛ فإنّه بعد عام كامل من اتفاقية السلام التاريخية، لم يسجل الطرفان تقدماً واضحاً نحو رسم الحدود بشكل رسمي، وهي مهمّة كان من المفترض أن تتم معالجتها من قبل لجنة مشتركة من كلا البلدين، والبرلمان الإريتري.
وفي الجانب الإثيوبي؛ ترفض منطقة تيغراي الشمالية السماح بنقل الأسلحة الثقيلة بعيداً عن الحدود، خشية هجوم إريتري محتمل؛ نظراً للعداء التاريخي بين زعامات الطرفين، وفي الوقت نفسه؛ تشهد إثيوبيا نزوح أكثر من مليوني إثيوبي؛ بسبب الصراع العرقي المحتدم في البلاد، وكانت هناك في الآونة الأخيرة محاولة انقلابية لم تتوضح تفاصيلها الكاملة بعد.
وفي ظلّ الأحداث الجارية في السودان، والأسئلة المستمرة حول نظام إريتريا القمعي، والانقسامات العرقية التي تعصفُ بإثيوبيا، ينتظر الإفريقيون تغييرات إيجابية في القرن الإفريقي.

الصفحة الرئيسية