
في خطوة وُصفت بأنّها "قفزة في الظلام"، أو "إعادة تموضع استراتيجي"، أحدثت القرارات الأخيرة لقائد الجيش السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قبل أيام قليلة، زلزالاً في المشهدين العسكري والسياسي. شملت هذه القرارات إعادة هيكلة شاملة للمفاصل الحيوية في المؤسسة العسكرية، وتوجت بتعيين الفريق أول ياسر العطا رئيساً لهيئة الأركان؛ وهي خطوة يراها محللون تتجاوز الإصلاح الإداري لتصل إلى "شرعنة" نفوذ التيار الإخواني داخل الدولة.
أبعاد إعادة الهيكلة... لماذا الآن؟
تأتي هذه التغييرات في ظل الضغوط الدولية، حيث صنفت الإدارة الأمريكية الحركة الإسلامية السودانية "منظمة إرهابية"، ممّا جعل التحالف بين البرهان والإسلاميين "عبئاً دبلوماسياً"، وأزمة السيطرة الميدانية، إذ تنامى نفوذ الفصائل الإسلامية المسلحة (مثل كتائب البراء بن مالك) التي أصبحت تنازع الجيش في قراره الميداني وترفض الانصياع أحياناً، بالإضافة إلى الفشل القيادي وإخفاق البنية القيادية السابقة في حسم الصراع العسكري المستمر، ممّا استدعى "تطهيراً" تحت لافتة التقاعد لإحالة ضباط قد يشكلون تهديداً أو لا ينسجمون مع المرحلة القادمة.
تحالف الإخوان مع إيران
كشفت دراسة لمركز "التقدم للسياسات" أنّ إعادة هيكلة الجيش السوداني وتعيين الفريق أول ياسر العطا رئيساً للأركان تمثل تحولاً استراتيجياً لترسيخ سيطرة الإخوان على المؤسسة العسكرية وتكريس السلطة. وأوضحت الدراسة أنّ إحالة ضباط للتقاعد ارتبطت بخلفيات إيديولوجية وشبكات إسلامية تعود إلى حقبة البشير.
وأشارت التحليلات إلى أنّ هذه الخطوة تعكس صراع نفوذ وإعادة تموضع للإسلاميين داخل مفاصل الجيش والمخابرات، بعيداً عن التفكيك الحقيقي. وحذرت الدراسة من أنّ الارتباط بمحاور إقليمية، لا سيّما إيران، يهدد أمن البحر الأحمر، ويحول السودان إلى ساحة صراعات دولية، ممّا يعقد فرص الانتقال المدني الديمقراطي.
لماذا ياسر العطا؟
لم يكن اختيار العطا لهذا المنصب الحساس عفوياً، بل جاء لامتلاكه ثلاث ميزات تكتيكية تفتقر إليها القيادات الأخرى، وهي: الحاضنة الإيديولوجية والقبلية، حيث يُعّد العطا "الابن الشرعي" للنظام السابق داخل الجيش، وهو ما يوفر ضمانة للتيار الإسلامي (الإخوان) بأنّ المؤسسة العسكرية لن تنقلب عليهم في أيّ تسوية سياسية مستقبلية، ويمتاز عطا أيضاً بالقبول النسبي دولياً، فعلى الرغم من قربه من الإسلاميين، إلا أنّه لا يحمل ملفاً دموياً مكشوفاً أمام المنصات الدولية مقارنة بغيره، وهو ما يجعله "قناة تفاوضية" محتملة.
هذا بالإضافة إلى أنّ العطا يمثل صلة الوصل بين "الثكنة" و"الكتائب الإسلامية" المقاتلة، وهو الأقدر على إقناعها بالاستمرار في القتال تحت مظلة الجيش دون التمرد عليه.
عودة الإخوان... تمكين من بوابة "الحرب"
تشير القراءات إلى أنّ التغييرات الأخيرة لم تكن لتفكيك نفوذ الإسلاميين، بل لإعادة هندسته بشكل أكثر تعقيداً، وكشفت التقارير أنّ جهاز المخابرات العامة والكتائب المرتبطة به باتت "إسلامية بامتياز"، حيث يتم دمج هؤلاء العناصر ببطاقات عسكرية رسمية تابعة للمخابرات، ممّا يمنحهم غطاءً شرعياً داخل الدولة.
وتعيين العطا يمثل التزاماً من البرهان بعدم تسليم قادة النظام السابق للمحكمة الجنائية الدولية، وضمان مشاركتهم في أيّ هيكل سياسي لاحق، ففي ظل العزلة الدولية، يجد البرهان في "الإخوان" الحاضنة السياسية الوحيدة المنظمة التي توفر له الدعم الشعبي "عبر التجييش" والدعم الميداني.
سيناريوهات المستقبل... هل ينقلب السحر على الساحر؟
على الرغم من أنّ التعيين يهدف لترسيخ سلطة البرهان، إلا أنّ المحللين يطرحون سيناريوهين: الأوّل (الانقلاب الداخلي)، اذ يمكن أن يتحول العطا من "نائب تابع" إلى "بديل جاهز". فالعطا يحظى بدعم الكتائب الإخوانية التي بدأت ترى فيه "المخلص" الأكثر إخلاصاً لمشروعها مقارنة بالبرهان الذي قد يناور دولياً على حسابهم.
أمّا السيناريو الثاني، فإنّه يتعلق بـ (المواجهة الدولية)، فيمكن أن تؤدي هذه الخطوة إلى زيادة عزلة السودان الدولية، حيث سيُنظر إلى الجيش كـ "واجهة عسكرية لنظام مصنف إرهابياً"، ممّا قد يستدعي عقوبات أوسع تطال رؤوس القيادة العسكرية الجديدة.
إعادة هيكلة الجيش السوداني بقيادة العطا ليست مجرد ترتيب لصفوف المقاتلين، بل هي محاولة "لإعادة إنتاج" النظام القديم في ثوب عسكري جديد، ممّا يجعل مستقبل التحول المدني في السودان أمام طريق مسدود، ويضع الدولة في مهب صراعات النفوذ الإقليمية والإيديولوجية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA_12_0_0_0_0.jpg.webp?itok=A-z0ubez)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_0.jpg.webp?itok=TDvTeKmh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/IMG_6670_0_1_7.jpeg.webp?itok=8RV_dWnL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/hq720_1.jpg.webp?itok=K5jtD8NN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_16_0.jpg.webp?itok=cBqOpkeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B6%D8%B1%D9%85%D9%88%D8%AA_0_0_0_0.png.webp?itok=aiu3-jwk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_16.jpg.webp?itok=5xAFcRln)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%86_1_0.jpg.webp?itok=NCzTOlr5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_1.jpg.webp?itok=YFMYYJ6o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)