بعد أن ترعرع في أحضان قطر: عودة عرّاب "القاعدة" إلى موريتانيا

بعد أن ترعرع في أحضان قطر: عودة عرّاب "القاعدة" إلى موريتانيا

مشاهدة

26/10/2020

بمجرّد الإعلان عن عودة رجل الأعمال الموريتاني، مصطفى الشافعي، إلى موريتانيا، قبل أيام قليلة، وذلك بعد نحو عقد كامل، قضاه في العاصمة القطرية، الدوحة، تعدّدت التكهنات والتحليلات حول عدة أمور متباينة؛ تتّصل بتلك الشخصية الملتبسة، والتي يحفل سجلها بنشاطات وأدوار متفاوتة، على أكثر من مستوى، لا سيما ارتباطاته بالتنظيمات الجهادية في ساحل الصحراء، خاصة تنظيم القاعدة، والوساطات التي يقوم بها بين تلك التنظيمات ودول مختلفة، كما حدث مع تحرير الرهائن الأجانب المختطفين من قبل القاعدة، مقابل الحصول على فدية، وكذا وساطاته المتداولة بين تنظيمَي القاعدة وداعش، في ظلّ حالة التنافس المحتدمة بينهما.

رجل قطر في ساحل الصحراء

ثمة مشاهد عديدة في حياة الشافعي وسيرته، الذي يطلق عليه البعض "رجل قطر في الساحل"، بينما يصف هو نفسه بـ "المعارض السياسي"، تبدو وكأنّها مفاتيح لشخصيته، وتضيء على حقيقة مواقفه، وطبيعة أدواره، لكنّها، بالدرجة نفسها، تجعله أكثر غموضاً؛ إذ إنّه بعد نحو عشرة أعوام من المكوث في الدوحة، التي اتّخذها ملاذاً آمناً، بعد هروبه من الأحكام القضائية الصادرة بحقّه، على خلفية قضايا عنف وإرهاب، عاد إلى نواكشوط، على متن طائرة قطرية خاصة، بتوصية رسمية من الديوان الملكي، ما جعل بعض التحليلات ترى حدوث انعطافة في العلاقات الخارجية بين قطر وموريتانيا، بيد أنّ التحليل الأخير استدرك حديثه بمخاوف أخرى، حول تأثيرات تلك العودة على تنامي نفوذ الجماعات الراديكالية في ساحل الصحراء.

مصطفى الشافعي

ظهر الشافعي في عدة صور مع عناصر تنظيم القاعدة في الصحراء، كما أنّ له صوراً وهو يصلي خلف زعيم التنظيم السابق، مختار بلمختار، ومن بين المشاهد أو الصور المثيرة له، كانت صورة أمير قطر، تميم بن حمد، وهو يصافحه، أثناء زيارته إلى رواندا، قبل أعوام قليلة، وقد دانت إذاعة "فرانس إنفو" الفرنسية هذا الأمر، وقالت: "وجدنا أمير قطر يصافح هذا الرجل الذي له تاريخ طويل في دعم وتمويل الإرهاب في الساحل والصحراء، بحرارة شديدة في رواندا".

الشافعي وسجل نشاطه الإرهابي

ويشير موقع "العربية نت"، إلى أنّ الشافعي تقارب، باعتباره أحد الوسطاء أو "مفاوض القاعدة"، مع قادة التنظيمات الإرهابية، في منطقة الساحل والصحراء، وذلك حسبما كشفت تسريبات لمسؤول إيفواري، تضمّنت معلومات تفيد بأنّ "المصطفى ولد الشافعي، كان يتكفّل بالتنسيق بين التنظيم والرئيس البوركيني المخلوع، بليز كامباوري، كما أنّه باشر إعداد وتنفيذ عدة عمليات إرهابية؛ من ضمنها التفجيرات في كوديفوار"، ويضيف: "ثمة علاقات صداقة جمعت بين الشافعي وقادة بتنظيم القاعدة، نجم عنها الإعداد المشترك لعمليات إرهابية، بيد أنّ الرئيس البوركينبي، بليز كامباوري، كان عرّاب الحركات الإرهابية، في الشمال المالي، وكان يتسلّم فدية الرهائن الغربيين، ويحتفظ لنفسه بثلثي المبالغ المقدمة، ويسلم الإرهابيين الثلث المتبقي".

وبحسب الصحفي والباحث الموريتاني، المتخصص في شؤون الجماعات المسلحة، إياد الدميني؛ فإنّ "المصطفى ولد الإمام الشافعي هو رجل أعمال موريتاني، كان يقيم، في بوركينا فاسو؛ إذ يعدّ من أبرز الوسطاء الذين كان لهم دور فعّال وكبير في تحرير الرهائن الأوروبيين، الذين احتجزتهم القاعدة في غرب أفريقيا، وقد تعاظم دور الرجل منذ عام 2008، بعد عمليات  الاختطاف التي عرفتها المنطقة، على نحو متكرر، كما برز اسمه بصفته مستشاراً للرئيس البوركيني؛ حيث كلّف من قبله بالتفاوض لإنهاء النزاعات المسلحة في أفريقيا، قبل أزيد من عقد، ومن خلال صلاته بالرئيس البوركيني، حظي بالغطاء السياسي، ليصل إلى ما هو أبعد من مجموعة أدوار محدودة".

معسكرات القاعدة

ويضيف الصحفي والباحث الموريتاني، لـ "حفريات": "زار ولد الشافعي خلال فترة اختطاف الأجانب المحتجزين، مجموعة من معسكرات القاعدة، على الأقل نحو عشر مرات، وفي جميعها كان يفاوض القيادي التنظيمي، مختار بلمختار، شخصياً، والذي كان يحتجز الإسبان المختطفين؛ حيث يعدّ الشافعي الوسيط الذي يثق فيه قادة التنظيم".

زار ولد الشافعي خلال فترة اختطاف الأجانب المحتجزين، مجموعة من معسكرات القاعدة، على الأقل نحو عشر مرات، وفي جميعها كان يفاوض القيادي التنظيمي مختار بلمختار

ويشير الدميني إلى وجود اعتبارات تخصّ انتماء الشافعي للطوارق؛ حيث ينتسب إليهم من جهة الأب والأم، وتحديداً قبيلة الأفوغاس (أحد فروع الطوارق في مالي والنيجر والجزائر)؛ معتبراً أنّ ذلك يصنع له وجاهة اجتماعية، ويمنحه نفوذاً هائلاً، كما أنّ والده سبق له أن هرب من قبل إلى النيجر، وذلك بعد مساهمته في محاولة انقلابية فاشلة، عندما كان مسؤولاً عن نقل المقاتلين في سيارات تابعة له، بالتالي، يمكن افتراض أنّ الابن ورث عن الأب شبكة علاقات واسعة، وأموالاً طائلة، ساهمت في تطوير علاقاته بعد ذلك.

اقرأ أيضاً: أفغانستان: مقتل قيادي كبير في تنظيم القاعدة... من هو؟

ويتابع: "لقد استغلت التنظيمات المسلحة حالة الفقر والتردي، في شمال مالي والنيجر، وغياب سلطة مركزية في هذه المناطق، لتفرض قوانينها المجحفة والمخيفة على السكان المحليين، كما استغلوا حدود الجزائر مع مالي والنيجر، وكذا لعبوا على أزمة مالي القديمة مع الطوارق، إذ سمحت البيئة لهذه العناصر المسلحة بفرض نفسها، وهي التي كانت تتحرك تجاه المغرب وليبيا للتزود بالأسلحة، والانتقال جنوباً، حيث عمق الصحراء".

يتحدث المصطفى العديد من اللغات، بحسب الدميني، فضلاً عن العربية والفرنسية؛ فهو يجيد بطلاقة اللغات المحلية المتداولة في السودان الغربي، مثل: البامبرا، والهاوسا، وتماشق التركية، وإضافة إلى ذلك لديه العديد من العلاقات الوطيدة والقوية بزعماء سياسيين كبار في مختلف دول المنطقة، وهي علاقات تمتدّ إلى مالي والنيجر، ما ساعده في الظهور كوسيط مقبول لدى حكومات الساحل، وهكذا حظي أيضاً بثقة قادة القاعدة في منطقة الصحراء الكبرى.

الصحفي الموريتناني إياد الدميني لـ"حفريات:" الشافعي يتحدث العربية والفرنسية ويجيد بطلاقة اللغات المحلية في السودان الغربي وهكذا حظي بثقة قادة القاعدة في منطقة الصحراء الكبرى

 ورغم نفوذ بعض قادة وأعيان حركات الطوارق بين قيادات تنظيم القاعدة المستقرين، يبقى الحذر دائماً سيّد الموقف في التعامل مع الوسطاء، على اختلاف مكانتهم، لدى كلّ كتيبة، وقد جرت العادة أن يكون أحد عناصر المجموعة الخاطفة هو الأول الذي يتّصل، والأخير كذلك، من أرقام هاتفية مختلفة، وفي أوقات متباينة، وهي السياسية التي اتّبعتها جماعة المختار مع الشافعي؛ فقد كانوا هم من يتصلون به، عن طريق عناوين هاتفية مختلفة، ويحدّدون إحداثيات مكان اللقاء، الذي عادة ما يكون على الحدود بين بوركينافاسو ومالي، وحين يصل إلى هناك يتكفلون بنقله إلى نقطة الاجتماع مع بلمختار، وكان الوسطاء يتولّون كذلك مهمة إيصال بعض المساعدات التي تقدّمها الحكومة للرهائن.

الصفحة الرئيسية