بركة النساء: من طرد المرأة من محراب القداسة؟

بركة النساء: من طرد المرأة من محراب القداسة؟
صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
3358
عدد القراءات

2020-02-06

في ظلّ تصاعد التيارات النسائية الإسلامية في مختلف البلدان، التي يرى العديد من الباحثين في هذا المجال، أنّها تحمل الطابع الإصلاحي لمجال حقوق النساء، وما تزال متشحة برداء ذكوري، يتكشّف عند أول احتكاك فعلي بها، ويظل أكبر ملمح بارز في تلك القضية، هو التهميش الثقافي والحضور التاريخي للنساء في كتب التاريخ، ومساهمات المرأة في الحقول الدينية والروحية، الذي لم ينل قدره من البحث والتنقيب بالقدر الذي ناله الحضور الذكوري.

على الصعيد الإسلامي الفروق بين الرجال والنساء تكاد تنمحي في الطريق إلى الله تعالى

إلى جانب قداسة النساء التي تم تغييبها في الكتابة حول "تاريخ الولايات الصوفية"، الذي بقي كغيره من الكتابات التي احتكرها الرجال، فالمناقب ترصد لنا قداسة يهيمن عليها الأولياء والصلحاء الذكور، أما النساء فيبقين على الهامش من الذكر، رغم ما لهنّ من مساهمات كبيرة في هذا الحقل المهمّ من التراث الديني؛ بل إنّ الخصوصية العاطفية للنساء، والتي غالباً ما تمّ استخدامها ضدّهن، تجعلهن في إطار متفوق على الرجال، في مسألة الولايات الصوفية.
في هذا السياق يأتي كتاب "بركة النساء"، للباحث المغربي وأستاذ الأنثربولوجيا بجامعة ابن طفيل في القنيطرة بالمغرب، رحال بوبريك، ليناقش قضية القداسة المؤنثة في الحقل الصوفي، وما نالته المرأة من تهميش في هذا الإطار، لأسباب استطرد في سردها والردّ عليها.
التصوف كان الملجأ الوحيد للنساء المطرودات من حقل التدين السلفي المفعم بالذكور

التكوين الفيسيولوجي ونفي الطهارة
يستهل بوبريك رحلته حول التأصيل الجذري لهذا الشكل من التهميش الثقافي، المبتعد كلّ البعد عن النصّ الإلهي، معوّلاً على كلّ العوائق التي تعترض طريق المرأة نحو الحضور التاريخي والديني، إلّا أنّ إصرارها الذي ظهر حتى في الدين المسيحي، في القرن الثالث عشر، كان أكبر الأدلة على نجاحها؛ حيث ستظهر نساء باعتراف العامة، متبوعات بالكنيسة، بدور الوساطة مع المسيح، عبر الرؤيا والتنبؤ والتجربة الوجدانية، بل الحلول في جسد المسيح.

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية: حضور متزايد يُقيّد أفق المرأة
ومثّلت هذه التجربة إلحاحاً وعزيمة من المرأة، على المطالبة بمكانة لها في الحقل المقدس، ورفضها إقصاءها من المشاركة في الحقل الديني إلى جانب الرجل، معتبرة أنّه في الحقل الديني، للمرأة مثل الرجل في القرب من الله والتقوى.
وعلى الصعيد الإسلامي؛ فإنّ الفروق بين الرجال والنساء، تكاد تنمحي في الطريق إلى الله تعالى، بالنظر إلى ما كُتب في سير الأولين، كما أورد كتاب فريد الدين العطار "سير الأولياء"، متحدثاً عن رابعة العدوية، كأحد أعلام الولاية النسائية في التاريخ الديني، استخدم العطار النصّ الديني في الحديث النبوي: "إنّ الله لا ينظر إلى صوركم"، تعليلاً على تلاشي الذكورة والأنوثة في طريق الحبّ الإلهي.

يناقش الكتاب قضية القداسة المؤنثة في الحقل الصوفي وما نالته المرأة من تهميش في هذا الإطار

ورغم المساواة التي أقرّها النصّ الديني بين الرجال والنساء في الإيمان، والتي تجلّت في الآية الكريمة من سورة النحل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، إلا أنّ الواقع الاجتماعي فرض سطوته على النصّ، وموازين القوى التي آلت إلى أيدي الرجال، حالت دون تلك المساواة، فضلاً عن الإرث التاريخي والاجتماعي الذي حملته المرأة عبر قرون من الزمان، والذي ما يزال حائلاً بينها وبين اختراق هذا الحقل من الولاية والقداسة الدينية، ليظلّ الاختلاف الجنسي حاضراً وبقوة في حقل الولاية الصوفية، ومحددات التكوين الفيسيولوجي للمرأة مكانتها كجنس أقل من الرجل.
بذلك، كان من الطبيعي، وفق بوبريك، أن تحاول المرأة نفي أنوثتها وإخفاء دم حيضها، الذي يعدّ أحد أسباب تدنيها وتقليل قداستها، في كلّ الديانات، فحيضها نجاسة، وطهارتها هي الشرط الأول من شروط الولاية، وتمّ استخدام النصّ الديني لتبرير نقصان عقل المرأة بسبب حيضها، رغم أنّ الأوائل كانوا يرون أنّ هذا الدّم ميزة اقتنصتها المرأة من الطبيعة، لتملك هي لغز الحياة الذي يتحقق بالولادة.
غلاف الكتاب

مقومات الإقصاء والتهميش
  يواصل المؤلف رحلته في البحث، مستعرضاً مقومات الإقصاء والتهميش من حقل القداسة الدينية، فنجد الجسد الأنثوي بطبيعته معرّضاً للهجوم الذي يطرد المرأة من الحقّ في الولاية، فتحوّلت زينة المرأة وجمالها إلى رمز الغواية، ومنبت للفساد في نفوس الرجال، وأصبحت المرأة في التصور الديني جسداً جميلاً يسكنه الشيطان، ليوقع الرجال في الخطيئة، فهنّ فتنة الأنبياء والمرسلين، فما بالنا بالرجال العاديين! فالتراث الديني، بما فيه النصّ، إنما يضع الرجل في موقف سلبي تجاه الأنثى، التي تفرض عليه الخطئية، فبجمالها يمتنع الرجل عن العبادة، ويخضع لغواية تحول بينه وبين طريق الله تعالى.

الجسد الأنثوي بطبيعته معرّض للهجوم الذي يطرد المرأة من الحقّ في الولاية

لذا، وبحسب ما يرى الباحث، فإنّ إخضاع أداة الفتنة المتمثلة في الجسد لضوابط دينية تعمل على تدجينه وتنميطه، وإخضاعه للمراقبة، والعمل على إخفائه قدر الممكن، بات لزاماً على المجتمع، سواء بإخفاء المرأة، ومنعها نهائياً، مثل المرأة المحجبة، أو فرض حجاب يسترها، إن هي أرادت الخروج مؤقتاً للمجال العام، فيما عمِل النصّ الديني، وفق بوبريك، على ترسيخ مفهوم إغواء المرأة، وهو ما يجعلها مستبعدة من معترك المكانة الدينية، ولا يرقى جسد المرأة لمكانة أعلى، إلا حين تؤدي دورها الطبيعي في الإنجاب، الذي يختزل وجودها في الحياة، باعتبارها مصنعاً لإنتاج الخام البشري، فيرتقي جسد المرأة حد القداسة، كونها واهبة الحياة، ومصدر الخصوبة، وهو السبب نفسه الذي رفع من مكانة النساء في الحضارات القديمة.

اقرأ أيضاً: فاطمة حافظ: ما يقدمه السلفيون من نسوية يسيء للإسلام

على اختلاف الديانات الإبراهيمية في تشريعاتها، اتفقت جميعها في نجاسة المرأة الحائض، مع اختلاف درجات المعاملة، فنجد مثلاً؛ أنّ المرأة في الشريعة اليهودية، في فترة النفاس، تعدّ نجساً لمدة أربعين يوماً، إذا كان المولود ذكراً، وثمانين يوماً إذا كانت المولودة أنثى، وهو ضمنياً يعني نجاستها حتى وهي تخرج إلى العالم من رحم الأم، فقد اجتمعت اليهودية والمسيحية، على اعتبار الحيض والنفاس أصل الشرور والمفاسد، وسرّ نقصان المرأة، أمّا الإسلام فكان أكثر إنصافاً، خاصّة بعد نزول الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ) (سورة البقرة: آية 222)، فقد اقتصرت نجاسة الحيض في الإسلام على العبادات والمعاشرة الزوجية.
موازين القوى التي آلت إلى أيدي الرجال حالت دون المساواة فضلاً عن الإرث التاريخي والاجتماعي

القداسة الشعبية تحقّق تطلعات النساء
بعد أن استعرض الكاتب عوامل إعاقة النساء عن دخولهنّ حقل القداسة الدينية، يستفيض في دراسة حول تحقيق القداسة الشعبية التي منحت المرأة نصيبها المهدور؛ حيث تشترك هؤلاء النساء في كونهنّ لم يكنّ من صنف العابدات أو المصطفيات أو الصالحات، اللواتي وردت سيرهنّ في كتب المناقب، دون أن يكون لذلك تأثير كبير على رأسمالهن الديني في حقل القداسة، بل نجدهنّ أكثر حضوراً وشهرة وزيارة من اللواتي وردت سيرهنّ في المتون المناقبية، بل ظلّت السيرة شفهياً متداولة عبر الأجيال، مؤسسة لقداستهم، في بعدها الزمني.

تحوّلت زينة المرأة وجمالها إلى رمز الغواية ومنبت للفساد في نفوس الرجال

وفي هذا الصدد نجد دراسة مهمّة، للباحثة صوفي فرشيو، حول زيارة الأضرحة، ومن وجهة نظرها؛ أنّ زيارة الأضرحة وارتياد الزوايا، ظاهرة لها علاقة بالتصوف، والممارسات الإحيائية، ولا تشبع احتياجاً دينياً فقط؛ بل نفسياً واجتماعياً، فالمسجد الذي أغلق أبوابه أمام النساء، جعلهنّ يبحثن عن فضاءات دينية لممارسة شعائرهن والبحث عن الخلاص الدنيوي والديني؛ حيث تفتح الزاوية ومكان الولي أبوابهما أمام النساء دون ضوابط شرعية مقننة.

يستكمل الباحث رحلته حول كشف أبواب القداسة النسائية، وعن ارتباطها بالماء، وهو ما يتجلى في بعض الأسماء المشهورة للوليّات، مثل: "عائشة البحرية، وعائشة مولات المرجة (صاحبة المستنقعات)"، لنجد الماء حاضراً بقوة، كرمز للطهارة بالنسبة إلى النساء؛ فالأمواج والماء تطهّر من النجس، ويتساءل الكاتب: هل الأمر يتعلق ببقايا لطقوس إحيائية وثنية وسحرية ما قبل إسلامية، أو استمرارية لهذه الطقوس بدون انقطاع؟

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت النسوية المعاصرة ذراعاً خفياً للنظام الرأسمالي الذكوري؟
هنا يجيب بأنّ بعض منابع وعيون المياه لم تتحوّل كأماكن مقدسة وذات بركة إلا بعد دخول الإسلام بقرون، فالأمر إذاً لا يتعلق ببقايا؛ بل باستمرارية شروط وضرورية حضور الماء المقدس في الطقوس الدينية الإسلامية، وهو ما يكثر الحديث حوله في أدبيات التصوف، فيروى أنّه حين كانت تأتي الزائرات لعائشة مولات المرجة، فعلى الموجة أن تحمل هداياهن للوليّة عربوناً لقبولها زيارتهنّ، ويغتسلن كذلك بماء الحوض الذي يوجد فيه حجر ينسب لعائشة، أو ضريحها، وتتكثف صورة الماء في المتخيّل الشعبي من مادة مطهر إلى مسكن للقوى الخفية، وتعدّ الولية في هذا الموضع بالنسبة إلى مريداتها من النساء، الشفيع والوسيط بينها وبين الله تعالى.
يتمكّن الباحث في نهاية أطروحته من التأكيد على انتزاع المرأة لنفسها مكاناً في حقل القداسة الدينية، ارتفعت فيه وتفوقت على الرجال، رغم كلّ المعوقات التي وضعها النصّ والمجتمع والإرث الذكوري في طريقها، ومكّن التصوف المرأة من تجاوز المكانة السلبية التي وصمها المجتمع بها، واستطاعت اعتلاء هرم القداسة، وفرض بنات جنسها على حقل يعجّ بالذكورية، إذاً يمكننا القول: إنّ التصوف كان الملجأ الوحيد للنساء المطرودات من حقل التدين السلفي المفعم بالذكور، هناك تحقّقن، ووجدن طريقاً إلى الله تعالى.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل يمكن فصل الدين عن السياسة فعلاً؟

2020-02-12

هل يمكن النظر إلى الأعمال الجهادية والتفجيرات الانتحارية التي يقوم بها الأصوليون المتطرفون في العالم على أنّها عمل ديني يجد تفسيره في حقل الدين، أم على أنّها توظيف سياسي للدين يجد تفسيره في حقل السياسة؟ وإلى أي مدى يجري التمييز في الحس العام واللغة اليومية لعموم الناس بين حقل الدين وحقل السياسة؟ وهل ينطلق هذا التمييز، في حال وجوده، من فهم مشترك لمعنى الدين ومعنى السياسة ووعي العلاقة الشائكة بينهما، أم أنّه يتبع السياقات الاجتماعية والتاريخية للحدث نفسه والمصلحة الآنية لمن يُطلق الحكم؟

يتعمق الباحث في محاولة فهم أفضل للدين والسياسة والغوص في بحر المفاهيم الأساسية للدين والسلطة والسياسة

وما الذي يراه المراقب في صور ملالي الشيعة وحاملي لقب "آية الله" المبجلين عندما يسمع صرخات المتظاهرين الإيرانيين بعبارات "الله أكبر" و"الموت للديكتاتور" وهم يهتفون ضد الفساد والاستبداد ووحشية الباسيج، هل يرى السياسة أم الدين؟ وماذا يرى في سعي اليمين المسيحي الأمريكي لحصد الأكثرية في مجلس النواب لتجريم عمليات الإجهاض ومنع تدريس نظرية التطور الداروينية في المدارس الحكومية؟ هل يرى السياسة أم الدين أم التداخل الإشكالي بين السياسة والدين؟ وهل ثمة شيئان مختلفان تماماً اسمهما الدين والسياسة؟ وهل يمكن التمييز بينهما أكثر من إمكانية التمييز بين الدين والمعتقدات الغريبة أو المتطرفة؟
أليس من المحتمل أن يكون تمييزنا بين الدين والسياسة مجرد وسيلة للتلاعب بأحدهما، كالحال في جهود التفريق بين الدين والمعتقدات الغريبة؟

غلاف الكتاب "إشكالية الفصل بين الدين والسياسة"
ثمة من يعتقد أنّ في جعبته الفكرية أو المعتقدية أو الأيديولوجية، إجابات جاهزة وقاطعة على مثل هذه الأسئلة الإشكالية، والتي تبدو في غاية البساطة أحياناً، لكنّ الباحث الأمريكي وأستاذ علم الاجتماع والدراسات الدينية في جامعة كاليفورنيا؛ إيفان سترنيسكي، الذي يثير هذه الأسئلة وغيرها في كتابه "إشكالية الفصل بين الدين والسياسة"، الصادر عن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة في مصر بترجمة عبد الرحمن مجدي (2016)، لا يقتنع بمثل تلك الإجابات الجاهزة، بل يعتقد بعدم إمكانية الإجابة عن تلك التساؤلات قبل إعادة النظر في بديهياتنا وافتراضاتنا حولها؛ "لأن مفاهيمنا عن الدين والسياسة والسلطة متعارضة منهجياً أو غير واضحة، ويتقيد استخدامنا لهذه المصطلحات بفرضيات غير مدروسة"، وفق الكاتب.

يُصنّف الباحث الرؤى والأفكار والتعريفات التي تناولت الدين ويستعرض تاريخها ويشتبك مع آراء منظريها

ويذهب سترنيسكي في محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات والوصول إلى فهم أفضل للدين والسياسة، إلى الغوص في بحر المفاهيم الأساسية للدين والسلطة والسياسة، وإجراء غربلة شاملة لتلك المسميات في ما يسميه "الاستقصاء"؛ حيث يستقصي مفهوم الدين ومفهوم السلطة ومفهوم السياسة، وتوظيفها في الحوار المجتمعي حول إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة وإثراء التفكير المستند إلى تلك المفاهيم في تطبيق استخلاصه على مسألة الانتحاريين في الشرق الأوسط، من خلال إضاءة الكثير من الجوانب المعتمة فيها، وإزالة القشرة الأيديولوجية التي تغلف العديد من التحليلات التي تعرضت لها، دون أن يلزمنا بجواب محدد سواء بالقبول أو الإدانة؛ إذ يسعى كتاب سترنيسكي المثير والعميق، رغم بساطة لغته، إلى إثارة الأسئلة أكثر من استخلاص الأجوبة، ليس حول القضايا المطروحة فحسب، بل حول أفكارنا وافتراضاتنا ونظم تفكيرنا أيضاً، من خلال تحريك الأمواج الساكنة لمفاهيمنا حول الدين والسياسة والسلطة.

اقرأ أيضاً: العلمانية أم الإسلامية؟ عن الآفاق المثقوبة للإصلاح العربي
وفي استقصاء مفهوم "الدين"، يثير سترنيسكي التساؤل حول مدى توهمنا، أننا نعرف الدين أو نضمر فهماً مشتركاً عندما نتحدث عنه في اللغة اليومية، وحول الأفكار الشائعة الغامضة والمشوشة عن طبيعة الدين التي أفرزتها اهتمامات نظرية ولاهوتية محددة، ورسختها الحكمة التقليدية بسبب استخدامها الطويل في الغرب، حيث يُصنّف الباحث الأمريكي تلك الرؤى والأفكار والتعريفات التي تناولت الدين ويستعرض تاريخها، مُشتبكاً مع آراء منظريها، على اختلاف مواقفهم، من علاقة الدين بالسياسة، سواء كانوا من مناصري إقصاء الدين من تفسير التاريخ وتطهيره من دنس السياسة وتبرئته من التعصب وأعمال العنف والإرهاب، التي يتم استغلال الدين فيها من قبل المتطرفين لغايات سياسية لا تعكس جوهره، ولا تخدم غايته الإنسانية وطابعه السلمي ومسعاه الأخلاقي، أو كانوا ممن يرون أنّ الدين ليس دعوة سلمية ورسالة إنسانية لتأمين الحياة الأخلاقية والخلاص الأخروي وسلام النفس فحسب، إنما حركة سياسية ومشروع دنيوي أيضاً من قبيل؛ "دين ودولة" أو "مصحف وسيف"؛ كما ينظر بعض المجاهدين إلى دين الإسلام أو الذين يشنون الحروب الصليبية باسم المسيحية، أو كانوا ممن يرون أنّ الحياة الأخلاقية يمكن تحقيقها من دون الدين بالأصل، وأنّ الدين تجربة روحية خاصة تقوم على العلاقة بين الفرد وربه بشكل مستقل عن السياسة والشأن العام.

ويشك سترنيسكي في إمكانية تعريف أو استخدام الدين على نحو مجرد، حيث تحدد استراتيجياتنا وأهدافنا النظرية، القرارات التي نتخذها في تعريف الدين؛ سواء أقررنا بها أم لا، ويرى أنّ "السلطة الشرعية" لا "السلطة القسرية" هي الصفة الجوهرية التي تميز الدين عن السياسة.

اقرأ أيضاً: هل علينا إعادة التفكير في مفهوم العلمانية عربياً؟
ويبرّر الباحث استخدامه مفهوم السلطة الشرعية في مقابل القسرية، حسب ما ذهب دوركايم لتمييز الدين من السياسة، بأنّه يميز الملامح التي غالباً ما تُهمل أو يغُضّ الطرف عنها عند التعامل مع أحداث عالمنا التي ترتبط بالدين والسياسة، فإن كان من الممكن اقتران أي دين بالسلطة الشرعية والسلطة القسرية معاً، شأنه في ذلك شأن السياسة أو الفن، ويمكن أن نرى السياسة تقوم على السلطة القسرية بدون السلطة الشرعية، لكنه لا يمكن تصور أي دين من دون السلطة الشرعية، وأن مفاهيمنا الشائعة عن "الدين" لا تصلح لكل الاستخدامات، وأننا عندما نرجح بعض التعريفات على غيرها من الناحية العملية فإننا نختار ونقرر ونميز، سواء على مستوى الوعي أو اللاوعي التركيز على جوانب معينة من التعريف القائم على الحس العام أكثر من غيرها.

يهدف الباحث من خلال نقد فكرة فوكو حول السلطة إلى نقد الفكر الغربي القائم على تضخيم فكرة القوة

ويخلص سترنيسكي من استقصاء مفهوم الدين، إلى أنّ الدين ما يزال الاسم المناسب لعدد من الأهداف والاستراتيجيات الحياتية، لكنه اسم يحتاج إلى قدر كبير من الإصلاح.
لا يختلف استخدام سترنيسكي لمفهومي السلطة الشرعية والسلطة القسرية، في استقصاء مفهوم الدين عن استخدامه في استقصاء مفهوم السلطة مقابل مفهوم القوة، الذي استخدمه المفكر الفرنسي ميشيل فوكو لينفذ من خلال هذا الاستقصاء إلى مفهوم السياسية، باعتبار أنّ السلطة هي الجسر الرابط بين الدين والسياسة، ويهدف سترنيسكي من خلال استعراض ونقد فكرة  فوكو حول السلطة، باعتبارها مجموعة علاقات القوة في المجتمع، إلى نقد الفكر الغربي القائم على تضخيم فكرة القوة، والذي شكل فكر فوكو مرتكزاً ومرجعاً أساسياً له في العصر الحديث، حيث اعتاد هذا الفكر لأسباب تاريخية خاصة بالغرب، كما يقول الباحث، على النظر للسلطة من منظور واحد يوحد بين القوة السياسية والقسر والعنف وما شابه؛ أي بالمعنى القسري فقط، في حين يمكن مقاومة ما فرضه التاريخ بالنظر إلى السلطة بالمفهوم الشرعي كذلك.

ويمكن من خلال البعد الآخر لامتيازات السلطة؛ أي البعد الشرعي أو الديني أو الأخلاقي، ومن خلال التمييز بين هذين البعدين أن ننفذ لاستكشاف وفهم العلاقة بين الدين والسلطة، وبالتالي إلى فهم العلاقة بين الدين والسياسة، من خلال تتبع الفرق بين السلطة الشرعية والسلطة القسرية، كما يمكن فهم العلاقة بين الدين والدولة الحديثة أو الدولة القومية "ككنيسة متحولة" أو ككيان مقدس أو "سماء الشعب" التي نشأت في الغرب بعد صراع تاريخي طويل، بين الكاهن والإمبراطور بوصفهما رمزين للسياسة والدين، وأدت في المطاف الأخير إلى ترسيم العلاقة بين السلطتين وإرساء مفهوم السياسة، كمجال مستقل نسبياً على أساس المبادئ الدستورية.

يخلص الباحث إلى أنّ الدين ما زال حاضراً بقوة في السياسة وإن بشكل غير مباشر حتى في أكثر الأنظمة علمانية

واللافت والمثير للجدل في كتاب سترنيسكي، الذي يرصد التحولات التاريخية لعلاقة الدين بالسياسة، أنّ صاحبه لا يتوقف عن إثارة الأسئلة التي تصدم القارئ، وكلما اعتقد أنّه قد قارب الحصول على الجواب الذي يعزز قناعته، أو اكتشف الثغرة التي يمكن الدخول من خلالها لرفض ما يخالف تلك القناعة، يدفعه سترنيسكي من جديد للدخول في دوامة الأسئلة؛ فلماذا سار التاريخ على هذا الوجه ولم يسر على الوجه المعاكس؟ وكيف خرج "دين الدولة" من رحم الكنيسة وحل محله؟ وكيف عاد الدين للظهور من جديد تحت اسم السياسة رغم محاولات مفكري العصر السياسيين المقصودة لتطهير المجال العام من الدين؟ وكيف آلت محاولتهم الرامية إلى عزل الدين في نطاق الضمير الفردي والخاص إلى تقديس السياسة بعكس ما أرادوا؟ وكيف انتقلت هالة القدسية مما هو إكليريكي إلى "السيادة الدنيوية"؟ وكيف أصبحت الدولة تستحق "الفداء" أكثر من الدين؟ ولماذا صارت سلطتها الشرعية على الحياة والموت غير قابلة للنقاش مثل أي بيان صادر عن الفاتيكان بمقتضى السلطة المطلقة؟ وكيف احتكرت الدولة القومية استخدام السلطة المطلقة دون وجه حق؟ ألم يستمد ميكافيلي الشهير بكتابه "الأمير" نماذجه للاستبداد من الأنظمة الاستبدادية القائمة سلفاً؟ وهل من غير المنطقي ألا نظن أن ميكافيلي ربما ألهمته الكنيسة المستبدة ذاتها؟ وهل تتعدى النخب الدينية أو الثيوقراطية كونها مشروعات ينطوي فيها الدين على اعتبارات سياسية بحتة كما هو الحال في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ أين يبدأ وينتهي النطاق المتعلق بالمجال الخاص، وأين يبدأ وينتهي النطاق المتعلق بالمصلحة العامة للدولة؟ وهل يتوفر لدينا بالتالي فهم مشترك لمفهوم السياسة أفضل أو أقل التباساً عن مفهومنا للدين؟

اقرأ أيضاً: علمانيون ضد الديمقراطية... ديمقراطيون ضد العلمانية
يختم سترينسكي كتابه بفصل يختبر فيه استقصاءات الدين والسلطة والسياسة في محاولة إيجاد تفسير للأعمال الانتحارية، في الشرق الأوسط ودراستها دراسة سوسيولوجية من خلال اختبار مفهومي السلطة الشرعية، والسلطة القسرية، اللذان اتكأ عليهما في تحليله لعلاقة الدين بالسياسة، والقراءة النقدية لما كتبه الآخرون حولها، سواء من يلقون اللوم على الإسلام في ذلك؛ أي ما بات يعرف "بالإسلاموفوبيا"، أو من يصنفونها في حقل السياسة ولا يرون أي دور للإسلام في هذه الظاهرة.

اقرأ أيضاً: مأزق العلمانية الكندية بعد منع الرموز الدينية في كيبيك
ويخلص الباحث إلى أنّ الدين ما زال حاضراً بقوة في السياسة، وإن كان بشكل خفي أو غير مباشر، حتى في أكثر الأنظمة علمانية، وأنّه ما زال يضفي القيمة على الأعمال أو يمنحها السلطة الشرعية، لكنّ طابع هذا الحضور يختلف بين الدول الحديثة التي ترسخ فيها مفهوم السياسية، واتسع فيها المجال العام وحق المشاركة والاختلاف، فاستطاعت أن تحل صراعاتها بمنطق العقل والحوار والمشاركة، وصارت السياسة فيها امتداداً للحرب بوسائل أخرى، وبين الدول الشمولية التي لا سياسة فيها غير سياسة الحرب.

للمشاركة:

"الجهادي الهادئ".. ماذا تعرف عن الأب الروحي لأبي مصعب الزرقاوي؟

2020-01-30

هناك شبه إجماع بين خبراء ومتابعي تطورات السلفية الحديثة، والسلفية الجهادية، خاصة في الأردن والعالم العربي، بأنّ عصام طاهر البرقاوي، الملقب بـ "أبو محمد المقدسي"، وهو أردني من أصل فلسطيني، يعتبر من أبرز منظري تيار السلفية الجهادية المعاصرة، وقد بدأت شهرته بعد نشره كتاب "ملة إبراهيم"، الذي كفّر فيه السعودية.
المقدسي و"جماعة التوحيد"
اعتقلت السلطات الأردنية المقدسي لأسباب أمنية تتعلق بالإرهاب مرات عديدة؛ من أشهرها عام 1994 عندما تمّ اعتقال أعضاء "تنظيم بيعة الإمام"، أو ما يسميه أعضاؤه "جماعة التوحيد"، الذي كان يضم أبو مصعب الزرقاوي، وعبد المجيد إبراهيم المجالي المُلقّب بـ "أبو قتيبة الأردني"، إلى جانب  14 عضواً آخر.

وأفتى المقدسي للجماعة بجواز القيام بعملية ضد قوات الاحتلال الصهيوني في فلسطين، على إثر مذبحة المسجد الإبراهيمي في الخليل، التي نفذها المتطرف الصهيوني باروخ غولدشتاين، 25 شباط (فبراير) 1994، وقتل فيها 29 مصلياً، وخلّفت 150 جريحاً، قبل أن ينقض عليه مصلون آخرون ويقتلوه، كما أمدّ المقدسي التنظيم بالقنابل والأسلحة، التي كان قد جلبها معه من الكويت بعد انسحاب الجيش العراقي عام 1992، وهرّبها ضمن أثاث بيته، وكانت عبارة عن 4 ألغام مضادة للأفراد، و7 قنابل يدوية، ومجموعة من الصواعق، وذلك كما جاء في إفادة المقدسي لمحكمة أمن الدولة الأردنية التي وثقها الباحث الأردني فؤاد حسين في كتابه المهم "الزرقاوي الجيل الثاني للقاعدة"، الذي سبق أن قدمنا عرضاً له في حفريات.
المقدسي والزرقاوي
اعتبر المقدسي الأب الروحي لأبي مصعب الزرقاوي منذ التقاه في باكستان عام 1993، ثم عندما جمعهما السجن 1994، حتى انتهت تلك العلاقة بطريقة عنيفة نتيجة لاختلاف الاجتهادات بين الطرفين، خاصة بعد الإفراج عنهم بعفو ملكي عام في آذار (مارس) 1999.   
الجهادي الهادئ
بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية ضد أمريكا، أفتى المقدسي بمشروعية هذه العمليات ودافع عن المهاجمين، وألف رسالة بعنوان "هذا ما أدين الله به"، ثم اعتقل على إثر ذلك لعدة أشهر، ويمكن القول بأنّه منذ هذا التاريخ بدأت مرحلة أخرى في سيرة المقدسي، حيث أصبح محط أنظار الغرب وأجهزته الاستخبارية والأمنية ومثار اهتمام الباحثين أيضاً.

اقرأ أيضاً: الإرهاب.. أول الدم من الزرقاوي إلى البغدادي
ومن هنا جاء كتاب؛ "الجهادي الهادئ: أيديولوجية وتأثير أبو محمد المقدسي" للباحث الهولندي يواس فجيمكرز "Joas Wagemakers"، الأستاذ المساعد للدراسات الإسلامية والعربية في جامعة أوترخت في هولندا.
وصدرت الطبعة الأولى من الكتاب، الذي يتكون من 312 صفحة، عام 2012 باللغة الإنجليزية؛ حيث استند المؤلف إلى أطروحته لنيل الدكتوراه في كتابة الكتاب.

غلاف الكتاب
ويتألف الكتاب من مقدمة و4 أجزاء مقسمة إلى مراحل تاريخية ومباحث، إضافة الى قائمة مفيدة جداً من معاني المصطلحات الإسلامية الواردة في الكتاب؛ الذي تناول حياة المقدسي منذ الطفولة وتنقله من السلفية المحافظة إلى الجهادية وعلاقته مع "أبو مصعب الزرقاوي" وتنظيم القاعدة والجهاد العالمي، ثم تأثيره في المعارضين الإسلاميين السعوديين، خاصة بعد حرب الخليج الأولى وظهور تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وصولاً إلى طروحات المقدسي في مسائل الجهاد والولاء والبراء والاستعانة بالكفار، وهي المسائل الرئيسة التي وسّعت الطريق للسلفية الجهادية المقاتلة، وفي الجزء الرابع يتحدث المؤلف عن تأثير المقدسي كشخص صاحب رؤية "مُبصر في أرض العميان"، كما يصفه المؤلف (ص208)، وكزعيم للسلفيين في الأردن، فضلاً عن حديثه عن تجربة السجن في الأردن. 

يقدم المؤلف منظوراً بديلاً وداخلياً عن صعود الإسلام الراديكالي مع التركيز على حركات المعارضة السلفية

بشكل عام يقول المؤلف، إنّ الأردني أبو محمد المقدسي المولود في قرية برقة في مدينة نابلس الفلسطينية، عام 1959، برز بعد 11 أيلول (سبتمبر) 2001 كأحد أهم المفكرين المسلمين الراديكاليين الأحياء، وفي حين أنه قد لا يكون اسماً معروفاً في الغرب، إلّا أنّ تأثيره بين المسلمين المتشابهين في التفكير يمتد عبر العالم من الأردن، حيث يعيش اليوم، إلى جنوب شرق آسيا، وقد ألهمت كتاباته وتعاليمه بشأن الإسلام السلفي الإرهابيين من أوروبا إلى الشرق الأوسط، بمن فيهم أبو مصعب الزرقاوي، وأيمن الظواهري، زعيم القاعدة الحالي، والتيار المتشدد في تنظيم "حراس الدين" الممثل لتنظيم القاعدة في سوريا.

ويمكن أنّ يُعد هذا الكتاب أول تقييم شامل للمقدسي وحياته وأيديولوجيته ونفوذه، يشرح ويفسر النسخة السلفية التي يمثلها المقدسّي، يستند فيه المؤلف إلى كتابات المقدسي نفسه وكتابات الجهاديين الآخرين، وكذلك إلى المقابلات التي أجراها المؤلف مع الجهاديين السابقين بمن فيهم المقدسي نفسه؛ حيث زاره في بيته أكثر من مرة وتناول عنده الطعام، إضافة إلى مقابلة بعض أهم السلفيين السابقين والخبراء الأردنيين مثل حسن أبو هنية، ومروان شحادة، والباحث فؤاد حسين.

أمدّ المقدسي تنظيم بيعة الإمام بالأسلحة التي جلبها معه من الكويت بعد انسحاب الجيش العراقي 1992 وهرّبها مع أثاث بيته

كما يقدّم المؤلف منظوراً بديلاً وداخلياً عن صعود الإسلام الراديكالي، مع التركيز بشكل خاص على حركات المعارضة السلفية في المملكة العربية السعودية والأردن.
ويتخصص المؤلف بالحركة والتيارات السلفية، وقد سبق أن قدمنا قراءة لكتابه الآخر عن السلفية في الأردن الذي كان بعنوان "السلفية في الأردن: الإسلام السياسي في مجتمع هادئ"، وقد سبق أن ذكرت بأنّ المؤلف يقصد بمفهوم "هادئ"، و"السلفية الهادئة"؛ السلفية المحافظة المعارضة للسلفية الجهادية أو المقاتلة التي يمثلها المقدسي.
في الخلاصة؛ فإنه سواء وافقنا المؤلف في تسمية المقدسي بالجهادي "الهادئ" أو "المحافظ"؛ يبدو أنّ فجيمكرز قد قام بعملية استكشاف معرفية غير مسبوقة؛ كما أنّها محايدة بالنسبة لباحث غربي.
لكنّ الهدف الرئيس من عملية البحث المضني؛ هو الوقوف على حقيقة سيرة ومواقف المقدسي باعتباره رمزاً ومنظراً لتيار ديني طوباوي عنيف وعنيد، ما يزال العالم الغربي يقف عاجزاً عن فهم محركاته الأيديولوجية، ولذلك يبحث عن الوسيلة والوصفة الأمثل لاتقاء شره ومعرفة كيفية مكافحته ومحاربته كلّما استدعت الضرورة.

للمشاركة:

هل يمكن النظر للعدوان باعتباره غريزة إنسانية؟

2020-01-19

"الدافع وراء الفكرة لا يجعلها صواباً أو خطأ، وتحليل الدوافع ليس حجة على الصواب أو الخطأ". إريك فروم

يوضح عالم النفس إريك فروم (1900 – 1980)، في كتابه؛ "تشريح التدميرية البشرية"، الصادر عن دار نينوى العام 2016، طبيعة العاطفة "النيكروفيلية" التدميرية لدى البشر، والظروف الاجتماعية التي من شأنها أن تغذيها، مُشيراً إلى أنّ ما يصيب الثوريين من استحواذ فكرة العنف والتدمير يؤشر إلى الجاذبية القوية للنيكروفيليا في العالم المعاصر.

هناك نوع خبيث من العدوان؛ أي القسوة والتدميرية وهو نوع خاص بالبشر يغيب إجمالاً عند معظم الحيوانات

ويؤكّد فروم أنّ المساعدة في مواجهة هذه الأزمة لا تكون من خلال استدعاء "القانون والنظام" ومعاقبة المجرمين؛ بل من خلال تغيرات جذرية في بنيتنا الاجتماعية والسياسية، من شأنها أن تعيد الإنسان إلى دوره الأسمى في المجتمع.
إنّ فهم النزعة التدميرية لدى الإنسان يمكن أن يفيد في فهم العنف والتطرف والإرهاب، ويضع الظاهرة في سياق سيكولوجي؛ إذ نحتاج، كما يقول فروم، إلى إنشاء الشروط التي تجعل من نموّ الإنسان، هذا الكائن الذي لم يبلغ تمامه واكتماله الفريد في الطبيعة، الهدف الأعلى لكل التدابير الاجتماعية. فالحرية الحقيقية والاستقلال وإنهاء كل أشكال السيطرة الاستغلالية، تُمثّل الشروط اللازمة لتحريك محبة الحياة؛ وهي القوة الوحيدة التي يمكن أن تهزم محبة الموت.

غلاف الكتاب
في هذا السياق، يقول ج. سي. سمتس؛ "عندما أنظر إلى التاريخ أكون متشائماً، ولكنني عندما أنظر إلى ما قبل التاريخ أكون متفائلاً"، ويقصد بذلك ما يمكن أن يلحقه الإنسان المعاصر بنفسه وبالطبيعة من دمار وضرر، حيث صاحب التدمير التطور الحضاري والتقدم العلمي والتكنولوجي والاقتصادي، ما يجعل لعلم النفس مكانة مهمة في استيعاب أزمة الحضارة وترشيدها.

اقرأ أيضاً: كتاب ينقد الأصولية فكرياً من خلال واقعها .. كيف؟
ويتراوح تفسير السلوك العدواني، بين الغريزية والسلوكية؛ أي النظر إلى العدوان باعتباره غريزة إنسانية، أو سلوكاً مكتسباً بفعل البيئة المحيطة، وقد نشر كونراد لورنتس Konrad Lorenz،  وهو باحث في السلوك الحيواني كتاب "في العدوان" عام 1966، مُقرراً أنّ السلوك العدواني للإنسان ناتج عن غريزة فطرية مبرمجة، ويتجلى ذلك في الحروب والجريمة والمشاجرات الشخصية. وفي المقابل، يرد عالم النفس السلوكي، بورهوس سكنر، هذه الظاهرة إلى السلوك الإنساني.

فهم النزعة التدميرية لدى الإنسان يمكن أن يفيد في فهم العنف والإرهاب ويضع الظاهرة في سياق سيكولوجي

ويقول فروم إنّه "يمكن ببساطة رد العدوان الدفاعي إلى سلوك غريزي، لكن هناك نوع خبيث من العدوان أي القسوة والتدميرية، وهو نوع خاص بالبشر وغائب إجمالاً عند معظم الحيوانات". 
ويُدرس كتاب فروم، على أساس التحليل النفسي للسلوك الإنساني العدواني والدوافع المُنشئة لهذا السلوك، والتي قد تكون شعورية، لكنها في أغلب الأحيان لا شعورية، كما أنّها مُتحدة، في معظم الوقت مع بنية طبع مستقرة نسبياً، وبحسب فرويد فإنّ الحياة تحكمها عاطفتان؛ الحب والتدمير، وبذلك يعطى التدميرية البشرية صفة عاطفة إنسانية أساسية.
إنّ عواطف الإنسان هي محاولته في خلق معنى للحياة، وفي أن يخبر أقصى ما يستطيع أو يظن أنّه يستطيع أن يحقق من الشدة والقوة في الظروف المعطاة، والحقيقة أنّ كل العواطف البشرية، الخيرة والشريرة على السواء، لا يمكن أن تُفهم إلا بأنّها محاولة شخص لخلق معنى لحياته؛ حيث يُنشئ الإنسان الخير والشر والجمال والقبح أثناء لحاقه لعواطفه؛ فالناس ينتحرون بسبب إخفاقهم في تحقيق عواطفهم المتعلقة بالحب والشهرة والانتقام، ولا ينتحرون بسبب الحرمان الجنسي.

عالم النفس إريك فروم (1900 – 1980)
لكن ذلك لا يعني أنّ التدميرية والقسوة ليستا مرذولتين، بل هما مدمرتان للحياة، للجسم والروح، ولا تدمران الضحية وحدها، بل تدمران من يقوم بالتدمير أيضاً، إنّهما تعبران عن انقلاب الحياة ضد ذاتها في المجاهدة لخلق معنى لها.

اقرأ أيضاً: قراءة في كتاب الليبرالية: حين تعتدي سلطة المال على الحرية
وكان ف. ت. مارتيني، قد عبّر في عام 1909، عن روح النيكروفيليا في عمله الأدبي "البيان المستقبلي"؛ حيث يمكن أن يفتتن الإنسان بكل ما هو مضمحل، غير حي، تدميري، وميكانيكي، ومثال ذلك شعار "يحيا الموت" الذي كان يطلقه حزب الكتائب الإسباني الفاشي والذي تأسس عام 1934. إنّ ذلك يهدد بأن يصبح المبدأ السري لمجتمع يشكل فيه قهر الطبيعة بالآلة المعنى الصميميّ للتقدم؛ حيث يصبح الشخص الحي ملحقاً بالآلة.

كل العواطف البشرية الخيرة والشريرة على السواء لا يمكن أن تفهم إلا بأنّها محاولة شخص لخلق معنى لحياته

لقد كان فهم الطبيعة الإنسانية شاغلاً للفلاسفة والمفكرين منذ أقدم العصور؛ أي ما الذي يجعل الإنسان إنساناً، وهكذا عرف الإنسان بأنّه كائن عاقل، أو حيوان اجتماعي، أو يستطيع أن يصنع الأدوات، أو الرموز. ويوحي تاريخ البشرية بأنّ إنسان العصر الحديث يختلف كثيراً عن إنسان الأزمنة السابقة، وتظهر الدراسات الأنثروبولوجية للشعوب تنوعاً في العادات التقاليد والقيم والأحاسيس والأفكار إلى حد أنّ كثيراً من الأنثروبولوجيين وصلوا إلى مفهوم مفاده أنّ الإنسان يولد صحيفة بيضاء تكتب عليها كل ثقافة نصها.
وممّا يشجع أيضاً على إنكار الطبيعة الإنسانية الثابتة، كيف كان الإنسان يعقل العبودية لدرجة أنّ فيلسوفاً عظيماً كأرسطو ومثله معظم، إن لم يكن جميع، المفكرين والعلماء حتى القرن الثامن عشر دافعوا عنها، وعلى العموم، يقول فروم، إنّ المرء يشير بارتياب إلى "الطبيعة الإنسانية" في قبول حتمية سلوك بشري؛ كالجشع والقتل والغش والكذب.

للمشاركة:



قوات الشرعية تكبّد الحوثيين خسائر كبيرة.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

شنّت قوات حراس الجمهورية هجوماً شرساً على مواقع الحوثيين في مدينة الدريهمي، بمحافظة الحديدة، صباح اليوم .

وقالت مصادر محلية، نقلت عنها صحيفة "المشهد" اليمنية: إنّ "الهجوم جاء من ثلاثة محاور على مواقع الميليشيا الحوثية، بعد خرقها لأكثر من مرة لاتفاقات التهدئة السابقة".

هذا وقد سقط قتلى وجرحى من ميلیشیا الحوثي الانقلابیة إثر تجدّد المواجھات مع القوات المشتركة الموالیة للحكومة الشرعیة في جبھة الساحل الغربي بمحافظة الحدیدة (غرب الیمن).

قوات حراس الجمهورية تشنّ هجوماً شرساً على مواقع الحوثيين في مدينة الدريهمي بمحافظة الحديدة

وقال المركز الإعلامي لألویة العمالقة، في بيان له؛ إنّ بقایا جیوب الحوثیین حاولوا التسلل من مزارع الحسینیة صوب منطقة الجاح الإستراتیجیة في مدیریة بیت الفقیة بعد تلقیھم تعزیزات على مدى أسبوع.

وأضاف المركز؛ القوات المشتركة تمكنت من صدّ محاولة تسلّل للحوثیین إلى مواقعھا.

وأشار المركز الإعلامي إلى أنّ القوات المشتركة كبدت ميلیشیا الحوثي خسائر فادحة، مشیراً إلى سقوط قتیلین من القوات المشتركة.

وأكد أنّ تحركات الحوثیین كانت مرصودة منذ وصول التعزیزات وبدء الانتشار بین مزارع النخیل، الأمر الذي جعل محاولتھم انتحاریة تفتقر لعنصر المباغتة.

ألوية العمالقة: القوات المشتركة تمكّنت من التصدي لمحاولة تسلّل الحوثیین إلى مواقعھا عبر المزارع

في سياق متصل بجرائم الحوثيين؛ كشفت وثائق حوثية مسربة، إقرار الميليشيات الحوثية بوجود مقاتلين صغار السن (أطفال) تمّ الاعتداء عليهم جنسياً في معسكراتهم.

وأكّدت إحدى الوثائق وجود أطفال في مراحل عمرية صغيرة في معسكر الاستقبال، يتبعون للقيادي "أبو نهم" الذي يتبع للقيادي أبو محمد القدمي.

على الصعيد نفسه؛ أشار تقرير صادر من اللجنة الثقافية في شعبة التأهيل والتدريب بوزارة الدفاع الانقلابية في بند السلبيات عن مواقع التدريب في إحدى المحاور العسكرية في المنطقة العسكرية المركزية، يذكر في رقم ٣ من السلبيات أنّ القيادي الحوثي، أبو يحيى الجريري، يوجد في مجاميعه أفراد صغار السنّ، كما يتضمن التقرير وجود انتهاكات جنسية طالت أطفالاً بهذه المعسكرات.

وثائق حوثية مسربة تؤكّد تعرض مقاتلين صغار السنّ (أطفال) لاعتداءات جنسية في معسكراتهم

إلى ذلك، ذكرت الوثيقة المرفوعة من قبل الأمن الوقائي في إحدى مواقع التدريب؛ أنّه تمّ ضبط واقعه اعتداء جنسي على طفل بموقع تدريبي تابع للمنطقة العسكرية المركزية التي يديرها عبد الخالق الحوثي.

وتذكر الوثیقة أنّ المدعو محمد مجعل، وھو أحد قیادات الميلیشیات في معسكرات التدریب، ضبط أثناء اعتدائه جنسیاً على أحد المقاتلین صغار السنّ، یوم ١١ كانون الثاني (ینایر) ٢٠١٩.

من جانبها، استنكرت وزارة التربیة والتعلیم الیمنیة، في وقت سابق، استمرار میلیشیا الحوثي في عملیات تجنید الأطفال في جمیع المحافظات الواقعة تحت سیطرتھا، ودعت المجتمع الدولي والمنظمات العاملة في حقوق الإنسان وحمایة الأطفال إلى إدانة ھذه الانتھاكات، والضغط على المیلیشیات الانقلابیة لإیقاف عملیة تجنید الأطفال والزجّ بھم في العملیات القتالیة.

للمشاركة:

حملة اعتقالات جديدة في تركيا.. من تستهدف؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

أصدرت السلطات التركية اليوم مذكرات توقيف بحقّ حوالي 700 شخص؛ للاشتباه بارتباطهم بجماعة الداعية فتح الله غولن، الذي تتهمه أنقرة بتدبير محاولة الانقلاب المزعومة، عام 2016.

وذكرت وكالة "الأناضول" الرسمية للأنباء؛ أنّ المحققين يبحثون عن 695 شخصاً، بينهم عسكريون وشرطيون وموظفون في وزارة العدل، وأوقف منهم ما لا يقل عن 159 شخصاً، صباح اليوم، وصدرت مذكرات التوقيف في إطار عدة تحقيقات عبر تركيا.

وفي أنقرة؛ طلبت النيابة العامة توقيف 467 شخصاً، يشتبه بترتيبهم عمليات تزوير خلال مسابقة للانضمام إلى الشرطة عام 2009 بهدف السماح لمؤيدين لغولن بالحصول على مناصب مسؤولية، بحسب وكالة "الأناضول".

السلطات التركية تصدر مذكرات توقيف بحقّ حوالي 700 شخص للاشتباه بارتباطهم بجماعة غولن

ويشتبه بأنّ جميع المعنيين بمذكرات التوقيف مناصرون لحركة الداعية فتح الله غولن، الذي يتهمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالوقوف خلف محاولة الانقلاب التي جرت في تموز (يوليو) 2016.

وينفي غولن، المقيم منذ حوالي عشرين عاماً في الولايات المتحدة، أيّ ضلوع له في الانقلاب الفاشل.

وتطارد السلطات منذ ذلك الحين أنصاره في حملات توقيف غير مسبوقة من حيث حجمها في تاريخ تركيا الحديث، أدت إلى توقيف أو إقالة أو تعليق مهام أكثر من 140 ألف شخص.

وتتواصل حملات التوقيف بشكل شبه أسبوعي، رغم مرور حوالي 3 أعوام على محاولة الانقلاب.

 

للمشاركة:

من الديمقراطيين.. من سينافس ترامب في انتخابات 2020؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

يخوض 9 مرشحين من الحزب الديمقراطي انتخابات للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة، لخلافة الرئيس دونالد ترامب، الذي يسعى للفوز بولاية ثانية في الانتخابات التي ستجري عام 2020.

جون بايدن

أول المرشحين؛ هو نائب الرئيس السابق والسيناتور المخضرم، جو بايدن، الذي يمثل التوجه التقليدي للحزب الديمقراطي، ويستند برنامجه الانتخابي على إعادة بناء الطبقة المتوسطة، والاستثمار في البنية التحتية الاتحادية، ومجانية التعليم الجامعي، وفق ما أزردت "البي بي سي".

ويركز في حملته على ثورة الطاقة النظيفة، التي من شأنها أن تجعل الاقتصاد الأمريكي يعتمد على طاقة نظيفة بنسبة 100%، مع انبعاثات صفرية، بحلول عام 2050، وفرض رسوم وغرامات على الأطراف المتسببة بالتلوث.

دخل جو بايدن السباق الديمقراطي بصفته مرشحاً رئيساً، إن لم يكن المرشح الأوفر حظاً للفوز بالانتخابات، ويحظى بشبه اعتراف دولي، وبمستويات عالية من القبول داخل الحزب وبين المستقلين سياسياً، واسمه مرتبط بأعوام الرخاء (على الأقل بالنسبة إلى الديمقراطيين) خلال رئاسة أوباما، ولديه فرص جيدة لجمع مبالغ هائلة خلال حملات التبرع من خلال الشبكات التقليدية للديمقراطيين.

وقدّم بايدن نفسه في فيديو التعريف بنفسه وببرنامجه الانتخابي؛ على أنّه الشخص الذي لا ينطبق عليه، إلى حدّ بعيد، ما ينطبق على دونالد ترامب وما يريد القيام به.

يشترك بايدن في بعض نقاط الضعف السياسية التي ظهرت أيضاً في حملة هيلاري كلينتون الرئاسية؛ التي أتاح الوقت الطويل الذي قضته تحت أنظار الرأي العام، فرصة سانحة لخصومها حتى ينالوا منها، ويربطوا بينها وبين مؤسسة الحكم الأمريكية الحالية، التي يشعر أمريكيون كثيرون بعدم الثقة بها.

من المتوقع أن يركز خصومه في الانتخابات التمهيدية على موقفه من قضية إلغاء الفصل العنصري في الحافلات المدرسية في السبعينيات من القرن العشرين، ورئاسة جلسات الاستماع لتثبيت القاضي كلرانس توماس في المحكمة العليا، عام 1991، وتأييده لحرب العراق، عام 2003، والقوانين الصارمة الخاصة بالجريمة والإفلاس.

ويضاف إلى ذلك؛ سنّه المتقدم، وارتكابه زلات لفظية، والمزاعم المتعلقة بالاتصال الجسدي غير اللائق وخسارته السباق إلى البيت الأبيض مرتين.

وقال ترامب عنه: "مرحباً بك، سليبي جو (اللقب الذي يطلقه الرئيس ترامب على بايدن)، في السباق الرئاسي، أرجو فقط أن يكون لديك بعض الذكاء، وطالما شككت في ذلك، كي يؤهلك لإطلاق حملة انتخابات تمهيدية ناجحة".

بيرني ساندرز

المرشح الثاني؛ بيرني ساندرز، الذي يمثل اتجاهاً سياسياً جديداً لم تعرفه الولايات المتحدة سابقاً، خاض الانتخابات عام 2016، وحلّ في مرتبة متقدمة.

ويقوم برنامجه الانتخابي على الرعاية الطبية للجميع (ميدي كير)، وزيادة الضرائب على الأمريكيين الأكثر غنى، ورفع الحدّ الأدنى من الأجور.

كما يطالب بإلغاء 1.6 ترليون دولار أمريكي بشكل كامل من الديون الحالية على الطلبة، بغضّ النظر عن الدخل، وجعل الدراسة في الكليات والجامعات والمدارس المهنية مجانية، وتمويل ذلك عبر فرض ضرائب على وول ستريت.

ويتمتع ساندرز بمزايا اكتسبها من تبرعات صغار المتبرعين، والشهرة التي يحظى بها، وتنظيم الموالين له في خمسين ولاية أمريكية، بيد أنّ وضعه كمتسابق رئاسي رئيس ستترتب عليه تكلفة معينة.

وسيحتفظ السيناتور، البالغ من العمر 77 عاماً، بقاعدته الموالية له، لكن من غير المعلوم ما إذا كان سيختار بعض أنصاره السابقين وجهاً جديداً، هذا وقد يقود إلى نشوب نزاع مع أولئك الذين يعتقدون أنّ "الثورة" التي يقودها بيرني تمثل الطريق الوحيد المتاح، الأمر الذي سيلهب الجراح التي يعاني منها الديمقراطيون، علماً بأنّها لم تندمل بعد منذ الحملة الانتخابية الأخيرة.

ووصف ترامب بيرني بالمجنون، لكنّه يملك طاقة أكبر مقارنة ببايدن، ولهذا لا يمكنك أن تعرف الحقيقة.

إليزابيث وارن

المرشح الثالث، إليزابيث وارن، وهي الأكاديمية التي تمثل التوجه التقدمي في الحزب الديمقراطي.

وارن؛ عضوة مجلس الشيوخ عن ولاية ماساشوسيتس، والتي تعد شوكة في خاصرة البنوك الكبرى، تسلط في حملتها الانتخابية على ضريبة الثروة، والرعاية الصحية، وحقوق الإجهاض، وتجريم إهمال الشركات الكبرى، كما تطرح إلغاء الديون الجامعية بناء على مستوى دخل الأسر؛ الأسرة التي تكسب أقل من 250 ألف دولار أمريكي سنوياً ستحصل على مستويات مختلفة من تخفيض الديون، بينما الأسر التي تكسب أكثر من ذلك لن تستفيد، وجعل الكليات العامة مجانية؛ إذ سيتم فرض ضرائب على أصحاب الثروات الكبيرة.

وظلت إليزابيث وارن مفضلة لدى اليسار التقدمي، منذ بروزها على المشهد السياسي، بهدف الدفع باتجاه فرض قوانين تنظيمية أكثر صرامة على القطاع المالي بعد الأزمة المالية لعام 2008، وخلال خدمتها في مجلس الشيوخ، أصبحت معروفة باستجواباتها الاستقصائية للمديرين التنفيذيين في وول ستريت، وبكونها منتقدة بصراحة للتفاوت في الدخول.

هذه القاعدة الشعبية المخلصة قد تكون كافية لصاحبتها حتى تتصدر المشهد في حقل ديمقراطي مشتت.

هذا وقد تواجه وارن تحديَ صياغة برنامجها الانتخابي؛ فهي تتعرض للنقد باستمرار من طرف دونالد ترامب، الذي سخر مراراً وتكراراً من مزاعمها السابقة بشأن أصولها؛ إذ قالت إنّ أصولها تعود إلى السكان الأصليين في أمريكا، ورغم أنّها بالكاد تذكر الرئيس في خطاباتها هذه الأيام، لكن عليها إقناع الديمقراطيين بأنّها لن تكون السياسية الأخيرة التي استهان بها الرئيس، ثم هزمها."

وقال ترامب عنها: "أظنّ أنّ بوكاهانتس (امرأة أمريكية من السكان الأصليين في إشارة إلى وارن)، قد انتهت، إنّها خارج اللعبة، لقد انتهت. عندما اكتُشِف أنّ في عروقي دماء هندية أكثر منها، وبما أنّه تبين أنّني لا أحمل دماء هندية، لكنني ما أزال أحمل المزيد منها، كانت تلك نهاية عملية نصب استمرت لمدة 32 عاماً".

 بيت بوتيجيج

أما المرشح الرابع؛ فهو بيت بوتيجيج، هو من جيل الألفية، وهو عمدة مدينة صغيرة لكنّه حقق نتائج جيدة.

أصبح رئيس بلدية مدينة ساوث بيند في ولاية إنديانا عندما كان ما يزال في العشرينيات من عمره، وخدم في القوات البحرية، وهو أول مرشح مثلي علانية.

برنامجه الانتخابي يقوم على الإصلاح السياسي، وحقوق المثليين، وتخفيف عبء الديون الدراسية.

واقترح بوتيجيج إعادة تشكيل المحكمة العليا؛ لتضمّ خمسة قضاة ديمقراطيين، وخمسة قضاة جمهوريين، وخمسة قضاة يتم اختيارهم بموجب اتفاق القضاة العشرة المعينين.

ويجيد المرشح سبع لغات، من بينها العربية، ويخطف الأضواء في ترشيحات الديمقراطيين.

دخل بوتيجيج السباق بسيرة ذاتية فريدة؛ فهو مثلي علانية، وحائز على شهادة أكاديمية من كلية رود في جامعة أكسفورد، وشارك في حرب أفغانستان بصفته مقاتلاً مخضرماً، وبصفته رئيس بلدية في منطقة الوسط الغربي، أظهر جاذبية لدى الناخبين في منطقة ساعدت في تسهيل وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة.

قال عنه ترامب: "ألفريد إي نومان (مجلة ماد للرسوم المتحركة) لا يمكنه أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية".

إيمي كلوبوشار

المرشحة الخامسة، إيمي كلوبوشار، وهي محامية وعضوة مجلس الشيوخ حالياً، لمع نجمها خلال استجواب القاضي الذي رشحه ترامب للمحكمة العليا.

برنامجها الانتخابي يقوم على الاستثمار في البنية التحتية، وبرامج الصحة العقلية، وتخفيض أسعار وصفات الأدوية.

كما تدعو كلوبوشار إلى تخصيص 100 بليون دولار أمريكي لمعالجة تعاطي المخدرات وقضايا الصحة العامة، على أن تتولى دفعها جزئياً الشركات التي تصنع مواد الأفيون من خلال توسيع نطاق التمويل والمحلي وعلى مستوى الولاية لبرامج الصحة العقلية.

قال عنها ترامب: "إيمي كلوبوشار أعلنت أنّها ترشح نفسها للرئاسة، وتحدثت بفخر عن مكافحة الاحتباس الحراري، بينما تقف عملياً في عين عاصفة ثلجية مصحوبة بالجليد وانخفاض درجات الحرارة، عند نهاية خطابها، بدت وكأنّها رجل ثلج (امرأة)!".

تولسي غابارد

المرشح السادس، تولسي غابارد، وهي من مواليد ساموا الأمريكية، تبلغ من العمر 37 عاماً، وتمثل مقاطعة هاواي في الكونغرس.

غابارد التقت رئيس النظام السوري، عام 2017، وتدعو إلى وقف التدخل الأمريكي في شؤون الدول الأخرى.

برنامجها الانتخابي يقوم على إنهاء السياسة الخارجية القائمة على التدخل، والتغير المناخي، وتقييد حيازة السلاح.

تدعو غابارد إلى تبني "قانون الاستغناء عن الوقود من أجل مستقبل أفضل" الذي طرحته، وينص على إنهاء الإعانات والتخفيضات الضريبية المتعلقة بالوقود الأحفوري، وحظر إنتاج الغاز الصخري، وإلزام شركات الكهرباء باستخدام 80% من موارد الطاقة المتجددة بحلول 2027، فضلاً عن إلزام السيارات بانبعاثات صفرية بحلول عام 2050.

وتعرضت المرأة المخضرمة التي شاركت في حرب العراق للنقد؛ بسبب لقائها بشار الأسد، في كانون الثاني (يناير) 2017، بعدما اتُّهِم الرئيس السوري باستخدام الغاز السام، بشكل متكرر، ضدّ المدنيين.

وقد تثير غابارد، وهي ابنة سياسي محافظ وناشط، غضب الناخبين الديمقراطيين أيضاً؛ بسبب انتقادها سابقاً من وصفتهم بـ "غلاة المثليين"، ومعارضتها لحقوق الإجهاض والزواج المثلي.

وعارضت أيضاً الاتفاق النووي مع إيران، ودانت "التطرف الإسلامي"، بلغة تذكرنا أكثر فأكثر بمرشح جمهوري.

 مايكل بينيت

أما المرشح السابع؛ فهو مايكل بينيت، وهو عضو مجلس الشيوخ عن كولورادو، ومدير سابق للمدارس العامة في دينفر، ويعدّ أحد اصحاب المليارات ويدعم قضايا الحريات.

برنامجه الانتخابي يقوم على الإصلاح الاقتصادي، والزراعة، وإصلاح النظام الجنائي، وهو أحد رعاة قانون الأسرة الأمريكي لعام 2019، والذي يسعى إلى توسيع الائتمان الضريبي للأطفال بناء على مستوى دخل الاسرة، على أن يُدفع شهرياً بدلاً من مُستردات الضرائب.

مايكل بلومبيرغ

المرشح الثامن: مايكل بلومبيرغ، وهو ملياردير ورئيس سابق لبلدية نيويورك، لكنّ سجلّه خلال توليه منصب عمدة نيويورك غير مشجع لدى القاعدة الديمقراطية.

برنامجه الانتخابي قائم على الاقتصاد، والهجرة، والحدّ من انتشار السلاح، والتغير المناخي.

واستهزأ ترامب ببلومبيرغ قبيل إعلان مشاركته في الانتخابات الرئاسية، قائلاً: "لا أحد أودّ خوض غمار الانتخابات ضدّه سوى مايكل الصغير".

توم ستاير

أما المرشح التاسع، توم ستاير؛ فهو ملياردير من كاليفورنيا يعمل في مجال التمويل، ويدعو إلى الحدّ من قوة الشركات الكبرى.

برنامجه الانتخابي يقوم على التغير المناخي، والرعاية الصحية، وركّز ستاير عند إطلاق حملة الرئاسية بالفيديو على "نقل السلطة إلى الشعب" وتحميل الشركات الكبرى مسؤولية معظم المشكلات "المستعصية".

ووصفه ترامب قبل أشهر قليلة من إعلانه أنّه سيخوض الانتخابات، بـ "غريب الأطوار".

 

للمشاركة:



هل فقد الفلسطينيون الحشد وعليهم أن يقبلوا بصفقة القرن؟

2020-02-18

ترجمة: إسماعيل حسن


يرى كتّاب وخبراء سياسيون إسرائيليون؛ أنّ القيادة الفلسطينية والحركات الوطنية، وبعد إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تفاصيل صفقة القرن، قد سقطت ورقتهم بعد أن فقدوا الحشد والدعم الحقيقي في محاولة التصدي لقرارات الصفقة، في حين أنّه قد آن الأوان كي تفرض إسرائيل سيطرتها الكاملة على بلاد اليهود التاريخية، دون إذن من الفلسطينيين.

إنّ معارضة الفلسطينيين لخطة القرن ليست مفاجئة؛ فقد سبق أن تلقوا اقتراحات سخية جداً ومع ذلك رفضوها

وفي هذا الإطار يقول الكاتب والمحلل السياسي، أفرايم غانور: "لقد فقدت القيادة الفلسطينية والحركات الوطنية كافة أوراقها الأخيرة، فلا داعي للرفض ومحاولة حشد الدعم العربي الرافض للخطة، الرئيس أبو مازن خلق وراءه ناراً أشعلها في خطابه الكفاحي، أقلع إلى الجمعية العمومية بالأمم المتحدة في نيويورك ليعمل ما هو جيد فيه أكثر من أيّ شيء آخر، فيخطب أمام ممثلي الأسرة الدولية، ويطلب تأييدهم الذي لم يجده حتى الآن؛ لا في الشارع الفلسطيني ولا في العالم العربي المحيط به، بالتالي ليس هناك ما يحسد أبو مازن ورفاقه في القيادة الفلسطينية عليه، لقد بقوا بلا أوراق وبلا خيارات عمل، التوجه للأسرة الدولية لن يجدي نفعاً في ضوء الوقوف الذي لا لبس فيه من إدارة ترامب إلى جانب إسرائيل، وللحقيقة؛ الحديث لا يدور فقط عن ترامب وإدارته، فمعظم دول العالم امتنعت عن رفض خطة ترامب، ولا ترى فيها سبباً لتحطيم القواعد التي يهدّد فيها أبو مازن إسرائيل، من يدّعي أنّ ترامب ونتنياهو لم يتركا أمام الفلسطينيين غير طريق واحد، وهو طريق العنف، لكنّ أبو مازن يعرف أكثر منهما أنّ هذا الطريق مآله الفشل، ولن يؤدي إلى أيّة نتائج.

ما فشل الفلسطينيون في تحقيقه
يصعب الافتراض أنّ ما فشل الفلسطينيون في تحقيقه في أيام الانتفاضة في بداية أعوام الألفين، التي خلّفت أكثر من ألف قتيل إسرائيلي، يمكنهم تحقيقه اليوم في ضوء التفاوض الأمني والاستخباري الإسرائيلي، مثلما هو الحال دوماً، تدمن القيادة الفلسطينية على الأمل العابث، وتعلّق آمالها على الأسرة الدولية، أو على تغيير يقع في إسرائيل أو الولايات المتحدة، في أعقاب الانتخابات القريبة في الدولتين، وكما هو الحال دوماً؛ يفضّل الفلسطينيون أن يعيشوا انطلاقاً من الخيار بين خطاب في الجمعية العمومية للأمم المتحدة وخطاب في جلسة مجلس الأمن، وبين انتخابات وانتخابات، ليكتشفوا وليخيب أملهم في كلّ مرة من جديد، أنّ شيئاً لن يحصل مهما يكن من أمر، وحتى حين لا يفعلون شيئاً غير الحديث والخطابة، فلعدم الفعل دينامية خاصة به، ولا يمكن إبقاء السلطة والحركة الوطنية الفلسطينية على قيد الحياة فقط، وعلى أساس الخطابات والأحلام والترقب لنتائج الانتخابات، فالسلطة كفيلة بأن تتفكك في نهاية اليوم، وستكون النتيجة اندفاعاً من الفلسطينيين نحو الإسرائيلية والمواطنة الإسرائيلية".

اقرأ أيضاً: غالبية الإسرائيليين يرفضونها: هل ستبوء "صفقة القرن" بالفشل؟
ويتابع غانور مقالته قائلاً: "الواقع الحالي يثبت أنّ عرب إسرائيل لا يفوتون أيّة فرصة لأن يثيروا ضدّهم حتى الإسرائيليين الذين يتضامنون ويؤيدون ادّعاءاتهم المحقة، والذين يقفون إلى جانبهم في المظاهرات والكفاح؛ ففي المظاهرات التي جرت في تل أبيب ضدّ خطة الضمّ، بمبادرة ومشاركة منظمات اليسار والمئات من عرب إسرائيل، رفعت أعلام فلسطين بينما هتف حاملوها هتافات لا تتوقف، فلسطين مئة في المئة من البحر حتى النهر، الرسالة معروفة ومشهود لها، وتشكل جزءاً لا يتجزأ من عقيدة كفاح منظمة الإرهاب حماس، ثمة كثير من الحقيقة والحقّ في ادّعاءات عرب إسرائيل ضدّ البند الوارد في خطة ترامب، الذي يتحدث عن نقل جزء من بلدات وادي عارة إلى السلطة الفلسطينية المستقبلية.

عرب إسرائيل
الواضح أنّ عرب إسرائيل لا يحتاجون دولة فلسطينية من البحر إلى النهر، وإذا كان هذا بالفعل هو حلمهم؛ فإنّ هذا البند بالذات في خطة ترامب سيساعدهم في تجسيد الحلم من خلال ضمّهم إلى الدولة الفلسطينية، لكن لماذا يتظاهرون؟ فالموضوع كلّه عن العلم الفلسطيني إلى جانب التطلع إلى دولة من البحر إلى النهر مكانه ليس هنا، بمعونة المظاهرات وهتافات كهذه، يقطع عرب إسرائيل الفرع اليهودي الإسرائيلي الذي يدعمهم ويحملهم، كلّ يهودي في هذه الدولة يفهم معنى هتاف يدعو إلى دولة فلسطينية من البحر إلى النهر، بفضل هتافات كهذه تطرأ على رأس كلّ يهودي صور قاسية تحت عنوان "لن تكون هناك مرة أخرى أبداً"، وإذا لم يسارع عرب إسرائيل إلى الإصلاح والاعتذار عن هذا المشهد، فسيكتشفون في الأيام القريبة المقبلة أنّ الكثير من اليهود الذين يؤيدون تلك البنود التي تضمنتها خطة ترامب وتظاهروا واحتجوا ضدّها، من غير المستبعد أن نسمع في الأيام المقبلة ادّعاءات من اتجاهات مختلفة في الوسط العربي، بأنّ هذا لا يعكس موقف كلّ عرب إسرائيل، وأنّ الأمور لم تفهم كما ينبغي، التوقعات مختلفة ومتنوعة ليس فيها ما يقلل خطورة هذه الظاهرة، لقد حان الوقت لأن يفهم كلّ عربي يعيش هنا ويحمل بطاقة هوية زرقاء ويتطلع ويحلم بدولة فلسطينية من البحر إلى النهر، أنّ مكانه ليس هنا، ليس في دولة اليهود، إلى جانب هذا؛ على قيادة عرب إسرائيل، بكلّ تركيبتها، ولا سيما لجنة المتابعة ونوابها في الكنيست؛ أن يستوعبوا أنّ المسؤولية تقع على من يطلب من المؤسسة اليهودية المساواة الكاملة لعرب إسرائيل، ملزم قبل كلّ شيء بأن يكون موالياً وملتزماً بالدولة التي يطلبون منها مطالبهم وحقوقهم، لو جرت مظاهرة لرجال اليمين من حملة أعلام إسرائيل في بلدات وادي عارة، ودعا المشاركون فيها إلى نقل جلجوليا وباقة الغربية، وأم الفحم، وعرعرة، إلى الدولة الفلسطينية المستقبلية، لانطلقت هنا صرخة رهيبة مع ادّعاءات بالعنصرية وما شابه خطاب أبو مازن في اجتماع الجامعة العربية، الذي عرض فيه حقائق كاذبة ومثيرة للحفيظة عن يهود رابطة الشعوب وأثيوبيا، تعزّز الرأي بأنّه لا يوجد مع من ووفق ماذا سيكون الحديث، لو كانت هناك حكمة في الطرف الفلسطيني لكان بوسعهم أن يصدوا ويغيروا خطة ترامب بسهولة، كان عليهم ببساطة أن يقولوا نعم للخطة ويرفقونها بعدة تحفظات لديهم، والاستعداد للبحث فيها في اللحظة نفسها؛ فإنّ عرض هذه الخطة كما عرضت كان سيتوقف أو ينزل عن جدول الأعمال، وحتى نتنياهو نفسه كان سيحرص على وقفها؛ لمعرفته أنّ شركاءه من اليمين لن يكونوا مستعدين لسماع وقبول خطة مع بند يتحدث بشكل واضح وقاطع عن دولة فلسطينية، بل وعن دولة يستعدّ الفلسطينيون لقبولها، هكذا هو الحال حين يحرص الفلسطينيون دوماً على ألا يفوتوا أيّة فرصة ليفوتوها.

أفضل الخطط السياسية الأمنية
في المقابل؛ يقول الكاتب الإسرائيلي، عاموس جلبوع: "إعلان تفاصيل خطة السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين يعدّ من أفضل الخطط السياسية الأمنية التي سبق أن طرحت على إسرائيل في الموضوع الفلسطيني، وعلى إسرائيل أن تتبناها جملة وتفصيلاً بما فيها البنود التي قد لا تكون مريحة لها، لعدة اعتبارات:

الواقع الحالي يثبت أنّ عرب إسرائيل لا يفوتون أيّة فرصة لأن يثيروا ضدّهم حتى الإسرائيليين الذين يتضامنون معهم

أولاً: هذه الخطة تحطم المنظومة الفكرية الكونية دولة فلسطينية في حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وإخلاء المستوطنات التي ترسخت في العالم منذ المحادثات التي جرت سابقاً بين باراك وياسر عرفات، وفي أوساط ما كان عليه اليسار الإسرائيلي، هذه الخطة تلقى في سلة القمامة، بحدود 67 تسمح لإسرائيل بأن تقرر حدودها على أساس اعتراف أمريكي بالاحتجاجات الأمنية لإسرائيل، تعترف بالقدس الموحدة وتعترف بشرعية المستوطنات، وهكذا يخرج من الخطاب السياسي مصطلح الاحتلال، هذه خطة لها إجماع واسع في الحياة العامة الإسرائيلية، باستثناء الأغبياء وغريبي الأطوار في الهوامش المتطرفة من اليمين واليسار.

اقرأ أيضاً: وثيقة فلسطينية ترصد 300 تجاوز قانوني في "صفقة القرن"
ثانياً: هذه الخطة تعيد الحركة الوطنية الفلسطينية إلى نقطة الصفر؛ لا حدود 67، ولا حق عودة، ولا ما تلقوه كهدايا من باراك وأولمرت، السيطرة على نحو 95% من أراضي يهودا والسامرة وإخلاء مستوطنات وعودة رمزية للاجئين وسيطرة على الحرم والحوض المقدس، صحيح أنّ الخطة تتحدث عن دولة فلسطينية بعد أربعة أعوام، عاصمتها شرق القدس، بمعنى القرى مثل أبو ديس وقلنديا، لكن من أجل نيل هذه الجائزة على الفلسطينيين أن ينفذوا سلسلة من الشروط، وعلى رأسها الاعتراف بدولة إسرائيل كدولة يهودية، من ناحية الفلسطينيين فهذا تنكر للأمر الأهم وخيانة للجوهر وللهوية الفلسطينية، فضلاً عن ذلك؛ فإنّ دولتهم ستكون محدودة جداً في سيادتها، ولن تكون لها رقابة على الحدود، وكلّ ما قلته حتى الآن يذكّرني بالإرث الذي تركه إسحق رابين في خطابه في الكنيست قبل شهر من اغتياله، لن نعود إلى حدود 67، القدس ستبقى موحدة والكتل الاستيطانية ستضمّ، وغور الأردن بالمعنى الأوسع سيكون حدودنا الأمنية، ولن تكون دولة فلسطينية، بل شيئاً ما أقلّ من دولة.

ثالثاً: قطاع غزة وحماس، تتحدث الخطة عن نزع سلاح حماس وتجريد القطاع وربطه بيهود السامرة بواسطة نفق أرضي، برأيي هذا أمر مستحيل، وأحلام لا يمكن تحقيقها، من سينزع سلاح حماس؟ هذه المحاولات وبمجرد الحديث فيها فهي تنذر بالشر للخطة، نتنياهو يساوم حماس ويفتح المطارات والمعابر لإدخال الأموال القطرية إليها، إطلاق الصواريخ ما يزال متواصلاً، وهو ما يزال قيد التفاوض، وليس بيده قرار أو حلّ لنزع السلاح.
رابعاً: لقد جاءت الخطة في وقت توجد فيه إسرائيل في موقع قوة إقليمية، والدول العربية مشغولة في مشاكل كبيرة والولايات المتحدة في موقع تأثير في المنطقة، لم يكن لها في الماضي، وفوق كلّ ذلك لا يمكن أن ننسى ولو لأيّة لحظة؛ أنّ المشكلة الحقيقية في المنطقة هي إيران.

اقرأ أيضاً: "كورونا" و"بريكست"و"صفقة القرن" والهشاشة
خامساً: أبو مازن والقيادة الفلسطينية لن يرفضا الخطة فقط، بل وسيحاولان القتال ضدّها وتهديداتهما تناطح السحاب لهم، فمن الصعب اليوم تجنيد الشارع العربي لعنف بعيد المدى، من يمكنه أن يمارس العنف هما حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة، فهل ستنتج خطة القرن عنفاً كهذا من قطاع غزة إلى أن يرفعنا هذا إلى لحظة الحقيقة بالنسبة إلى مستقبل حماس في القطاع؟ أرى خطرين آخرين محتملين؛ الأول: ألا يعرف سياسيون كيف سيتصدون للتحدي الأكبر الذي يواجه الدولة الآن، والخطر الثاني؛ ألّا ينتخب ترامب مرة أخرى في تشرين الثاني (نوفمبر)؛ لذلك ينبغي الصلاة من أجل انتخابه.

اقرأ أيضاً: "صفقة القرن"... إطار للحل أم توطئة للانفجار؟!
أما الكاتب والمراسل العسكري، يوسى هدار، فقد أشار معقباً على ما سبق إلى أنّه لا توجد هناك خطة سياسية تساوي الورق الذي كتبت عليه، إلا إذا كانت منخرطة جيداً في الواقع اليومي، ومنسقة ومتعاطية مع القوى العاملة في المنطقة نفسها، على الساحة السياسية ومدعومة من القوى العظمى، صفقة القرن، التي هي ثمرة عمل كدّ لإدارة ترامب وإنجاز سياسي لا بأس به لحكومة نتنياهو، تقترب من المقاييس العملية التي ذكرت هنا، رغم أنّها لا تحظى في هذه اللحظة بموافقة كلّ الأطراف، على السطح تبدو هذه خطة ممتازة لإسرائيل، خطة تاريخية تمنح الدولة حدوداً قابلة للدفاع وبسط السيادة على غور الأردن والمناطق المأهولة في يهودا والسامرة اعترافاً بالقدس عاصمة لإسرائيل، بما فيها البلدة القديمة في شرقها، ومزايا عديدة أخرى إضافة إلى ذلك.

الجدير بالذكر؛ أنّ إسرائيل مطالبة بأن توافق على إقامة دولة فلسطينية، وإن كانت مجردة وبشروط مقيدة، إلّا أنّها ما تزال دولة تمتد على نحو 70% من المناطق التي يحسبها كثيرون من الجمهور الإسرائيلي مناطق من الوطن، وفي نظرة تاريخية، ينبغي القول: إنّ الفلسطينيين يحصلون في خطة ترامب على أكثر بكثير مما ينبغي إعطاؤهم إياه، عليهم أن يتذكروا أنّ التطلعات القومية للعرب سبق أن تحققت في نحو 20 دولة في أرجاء الشرق الأوسط، بينما التطلعات القومية والأخلاقية والشرعية للشعب اليهودي لم تجد تعبيرها إلا في دولة قومية واحدة صغيرة ومحوطة بالأعداء، وعليه فليس هناك مكان آخر لتنازلات بعيدة الأثر.
مشروع تقسيم متجدد
إنّ خطة ترامب عملياً هي مشروع تقسيم متجدد، وينبغي أن نرى فيها الخطوة الأقرب لتحقيق العدالة التاريخية، والاعتراف بالحقوق التاريخية والقانونية للشعب اليهودي على بلاد إسرائيل، وبسبب التجمعات السكانية الفلسطينية في المدن الكبرى، وبسبب أهمية احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية، ينبغي السماح للفلسطينيين بإدارة المنطقة بأنفسهم، لكنّ الحلّ الأكثر عدلاً هو حكم ذاتي فلسطيني وكونفدرالية مع الأردن.

تدمن القيادة الفلسطينية على الأمل العابث، وتعلّق آمالها على الأسرة الدولية، أو على تغيير يقع في إسرائيل أو أمريكا

إنّ معارضة الفلسطينيين لخطة القرن ليست مفاجئة؛ فقد سبق أن تلقوا اقتراحات سخية، وسخية جداً، بعضها ليست من حكومات باراك وأولمرت، ومع ذلك رفضوها في ظلّ إصرارهم على تقاليد تفويت الفرص التي تعود إلى المشروع التقسيمي.
لا مفرّ من النظر على نحو سليم، والقول إنّ الفلسطينيين غير معنيين بالاعتراف بدولة يهودية، وعملياً هم معنيون بكلّ الأرض من النهر وحتى البحر، لم يعد ممكناً انتظار الفلسطينيين، وتحمّل رفضهم، والإرهاب الذي يمارسونه، فضلاً عن الولايات المتحدة التي تؤيد مبدئياً فرض السيادة الإسرائيلية، يحتمل أن يكون ممكناً ربط المحور السنّي بمثل هذه الخطة، كذلك الدول العربية المعتدلة، ورغم التصريحات التلقائية التي انطلقت من الاتحاد الأوروبي, يبدو أنّ بريطانيا وألمانيا وفرنسا لم يستبعدوا الخطة تماماً، وقد تؤيد أيضاً هي مثل هذه الخطوة، على إسرائيل أن تعلن الخروج من دائرة الرفض الفلسطيني، وتحدّد حدودها دون انتظار أكثر من ما مضى.


مصدر الترجمة عن العبرية: معاريف
https://www.maariv.co.il/journalists/Article-747896
https://www.maariv.co.il/journalists/Article-744152
https://www.maariv.co.il/journalists/opinions/Article-745049

للمشاركة:

"تجنيد الأطفال" وغياب المسؤولية الدولية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

حسين الشيخ
لا شيء في الحياة دون قواعد حتى الحروب التي لا مرادف لها إلا الموت والخراب والدمار لها قواعد تحكمها إلا أن هذه القواعد يتم تجاوزها من الأطراف كافة لتغليبها النصر على الأعداء على أي مطلب آخر، وبغض النظر عن النتيجة كإهمال حياة المدنيين وتدمير البنى التحتية واستخدام الأسلحة المحظورة وغيرها من التجاوزات، إلا أن الأمر الأكثر بشاعة هو تجنيد الأطفال وتدريبهم على حمل السلاح، واستخدامه في القتال.

إن تعريف "الطفل" أخذ كثيرا من الأخذ والرد على مستوى الاتفاقات الدولية والقانون الدولي بتحديده بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة من العمر، وبغض النظر عن العمر المحدد في الاتفاقات الدولية، فإن العمل على تجنيد الأطفال سواء على يد الجماعات والمليشيات أو حتى الجهات الرسمية التي تجندهم بطريقة التفافية ضمن مليشيات تابعة لها، فإن الأمر الأكثر رعباً هو تجنيد الآلاف من الأطفال ممن هم دون الخامسة عشرة من العمر.

ورغم الحظر الدولي لتجنيد الأطفال فإننا نجد المجتمع الدولي والمنظمات المسؤولة عن حماية الأطفال كمنظمة "اليونيسيف" التي تتعامل مع الموضوع بالتصريحات والانتقادات - وبازدواجية في المعايير في بعض الأحيان – دون اتخاذ خطوات جادة تفرض على المجتمع الدولي عدم التعامل مع أي جهة تسهم في تجنيد الأطفال لما له من تبعات جسيمة تنذر بدمار مجتمعات بأكملها وتحويل أجيال برمتها إلى امتهان القتل والدمار.

وفيما يلي سنرصد أبرز الجماعات المرتبطة بملف تجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال العسكرية، كما سنتعرض إلى واجبات المجتمع الدولي والمنظمات الدولية المختصة بتطبيق القانون الدولي وحماية الأطفال، وعلى رأسها منظمة "اليونيسيف":
المسألة الأولى تتعلق بأبرز الجماعات العربية المرتبطة بتجنيد الأطفال، في ظل الحروب والنزاعات الدائرة وطول أمدها على الرقعة العربية شكلت منعطفات خطيرة في فقدان الأمن وتحويل البوصلة الفكرية إلى التيارات المتشددة لغياب الحلول السياسية لأزماتها العالقة منذ سنوات طويلة، الأمر الذي ترتب عليه تدهور البنى التحتية، لا سيما قطاعات التربية والتعليم وتسرب الأطفال من مدارسهم، بالإضافة إلى الحالة الاقتصادية المزرية وفقدان أبسط سبل العيش.

الأمر الذي يشكل ظروفاً مناسبة لاستغلال الأطراف المتصارعة لها والعمل على تجنيد الأطفال الذين يحققون لها بعض المكاسب التكتيكية والاقتصادية من خلال سهولة تجنيدهم واستغلال قصورهم الفكري بإلحاقهم بمعسكرات معنوية تعمل على زرع العداوة والبغضاء تجاه الطرف الآخر، الأمر الذي يسهم في تكوين طفل متشدد لا يمكن له في يوم من الأيام أن يقبل الطرف الآخر فتحظى بمقاتل مستميت لنصرة الفكرة التي زرعتها به، عدا عن كونه سهل الحركة وأكثر طواعية في تنفيذ الأعمال العسكرية الموكلة له وبانصياع تام لمُراد مجنِّديه.

هذا الأمر عمل عليه كل من تنظيم "داعش" المهزوم في سوريا والعراق ومليشيات الحوثي في اليمن، علاوة على أن الأطفال يتم تجنيدهم بتكاليف مادية بسيطة من حيث التسليح والأجور، كما أن من لا يستطيع حمل السلاح منهم لأي سبب من الأسباب يمكن استخدامه في نقل الذخيرة أو بناء الدشم، وهو ما عملت عليه كل الجماعات والمليشيات المتصارعة على الأرض العربية، كالجماعات المتطرفة في ليبيا وجبهة النصرة في سوريا والحشد الشعبي في العراق والمليشيات التابعة للحرس الثوري الإيراني.

ولكن الجماعات الأبرز الضالعة بتجنيد الأطفال هما جماعة "بوكو حرام" في الصومال وجماعة "الحوثي" في اليمن، ففي الصومال وبحسب التقارير والإحصاءات الإعلامية يتم تجنيد ما يزيد على ألفي طفل، وفي اليمن ما يقارب الألف طفل، ما يجعلهما في مقدمة المجنِّدين للأطفال مقارنة بالمساحات الخاضعة لهما وتعداد سكانها.

المسألة الثانية تكمن في آلية تعاطي المجتمع الدولي والمنظمات الدولية مع ملف تجنيد الأطفال..

رغم أن تجنيد الأطفال محظور دولياً وباتفاقات مبرمة لا مجال لتجاوزها، وباعتبار تجنيد الأطفال يرقى لجرائم الحرب، فإن تعاطي المجتمع الدولي معه يعد خجولاً مقارنة بقدراته القانونية والسياسية وحتى العسكرية، وذلك من خلال النظر لهذا الخطر على أنه موضوع ثانوي بل إنه لا يرقى حتى لمجرد مقاطعة أولئك المجنِّدين أو اشتراط التوقف عن تجنيد الأطفال كشرط أساسي قبل الجلوس معها على طاولة للحوار، كما في الملف اليمني والسوري.

أما المنظمات الدولية المعنية، لا سيما منظمة "اليونيسيف" فإنها لا تقتصر على التصريحات والمراقبة دون اتخاذ خطوات جادة، بل إنها تتعامل بازدواجية في بعض الأحيان، إذ تدين تجنيد الأطفال وتستصرخ المجتمع الدولي لمد يد العون وإنقاذهم.

وفي الوقت ذاته تعترف بالجماعات المجنّدة لهم من خلال إبرام الاتفاقات وإدخال المساعدات التي تعلم علم اليقين، أنها لن تصل إلى الأطفال، بل إنها ستنهب وتحوّل إلى جبهات القتال كما حدث في اليمن والتعامل مع مليشيات الحوثي، كما أنها تعتمد على تقارير مواربة رغم قدرتها على لمس الواقع بيدها، إذ تساوي بين الحكومة الشرعية والانقلابيين في موضوع تجنيد الأطفال.

وذلك رغم أن تقاريرها هي نفسها التي نشرها موقع "سكاي نيوز عربية" عام 2017، الذي جاء فيه أن "جماعة الحوثي تجند 1940 طفلا، بينما هناك 274 حالة تجنيد مسؤولة عنها الحكومة اليمنية"، جاء التقرير بلغة تشير إلى أن الحالات المسؤولة عنها الحكومة الشرعية تفتقر إلى التوثيق اللازم لهذا الانتهاك، علاوة على أن العدد - رغم إدانتنا لتجنيد أي طفل - المذكور بحق الحكومة الشرعية عدد ضئيل لا مجال للتأكد منه.

كل ذلك يجعل المجتمع الدولي والمنظمات الدولية مسؤولة وبشكل مباشر عن قضية تجنيد الأطفال وتحويل المجتمعات إلى فرق متناحرة تتجذر فيها قيم التطرف والتشدد واستساغة إراقة الدماء وتدمير الأجيال بحرف أهدافها وطموحاتها وطاقاتها من مقاعد الدراسة والانكباب على العلم والبناء إلى دشم القتال والتمترس وراء البنادق، ما ينذر بكارثة حقيقية لا مجال لاحتوائها إذا مضى وقت أطول دون التعامل معها بحزم أو إيجاد الحلول الجذرية لها.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

أردوغان والفائضون عن الحاجة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

خالد الغنامي

عندما وضع أردوغان إكليل زهور على قبر ثيودور هرتزل في عام 2005 لم يكن يطلق مجاملة عابرة، فتركيا هي ثاني دولة مسلمة تعترف بإسرائيل في عام 1949، بعد إيران التي اعترفت بها في عام 1948. العلاقة بين الجانبين في حقيقتها أقوى من علاقة طيور الحُب في 14 فبراير، خصوصاً على مستوى وزارتي الدفاع (التركية والإسرائيلية)، فالتعاون العسكري يطال العديد من المجالات التي تشمل الجو والبحر والأرض، ومن قوات المشاة إلى التسليح، ومن المجال الاستخباراتي إلى صناعة الطائرات والأسلحة والصواريخ.. وهو تعاون ينطلق أساساً من تعاون اقتصادي راسخ. إنه حلف استراتيجي مؤسسي وبنيوي يشتمل على لجان التوجيه والاجتماعات المنتظمة والحوارات التي لا تنقطع.. مهما مارس أردوغان من مسرحيات هزلية أمام المتفرجين. هذه المسرحيات هي ما جعلت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسخر من تظاهر أردوغان بعداوة إسرائيل، في حين يقدّر التبادل التجاري بين الجانبين بعشرات المليارات، ويسير على نحو متصاعد في كل عام.
الاتفاق التركي الإسرائيلي في فبراير 1996 يؤكد أنه عندما يكون هناك جنود لإحدى الدولتين، على أراضي الطرف الآخر، فإنهم لن يشاركوا في النزاعات بين الدولة المضيفة وأي طرف ثالث. هذا الاتفاق يتم تمديده سنوياً وقد مهد الطريق للزيارات العسكرية المتبادلة والتدريب الذي يشمل إرسال المراقبين للإشراف على المناورات العسكرية وتبادل الموظفين واكتساب المعرفة العسكرية، وقيام القوات الجوية والبحرية بزيارات متبادلة وتدريبات مشتركة.
وعلى صعيد الطيران العسكري، تُجرى التدريبات الدورية للقوات الجوية ثماني مرات سنوياً، في أربع عمليات انتشار في كلا البلدين. وتُجرى هذه التدريبات في تركيا بسبب حجم إسرائيل الضئيل، مما يتيح لقواتها الجوية أن تمارس التدريب الدوري في حوض البحر المتوسط، فيما يتدرب الطيارون الأتراك على ميدان إطلاق النار المحوسب في إسرائيل وفي مطار نيفاتيم.
ولابد أن نعلم أن إسرائيل قلّصت عبر العقود من مصالحها واستثماراتها في اليونان وكردستان، رغم التعاطف مع قيام دولة للأكراد، ضماناً لمصالحها مع تركيا. وفيما يتعلق بالتعاون الاستخباراتي، وهو مجال حيوي آخر تزدهر فيه العلاقات الإسرائيلية التركية، يجري تبادل المعلومات الروتينية وتحليل البيانات، بما فيها تلك التي جمعتها الأقمار الاصطناعية الإسرائيلية.
الدافع وراء العلاقات الإسرائيلية التركية هو المصالح الوجودية المشتركة التي نسجت علاقاتهما الوثيقة في محيط عربي تستبعدان الاندماج فيه، وتجدان أن شخصيتيهما «الغربيتين» تحثهما على التعاون، خصوصاً بعد أن اتضح أن فائدتهما للمصالح الغربية أصبحت موضع شك، منذ الإعلان عن نهاية الحرب الباردة، مما زاد من رغبتهما في التقارب والتعاون من أجل البقاء. هذا غيض من فيض، مما تشهد به الوثائق الرسمية المعلنة للعالم.
على هذه الخلفية، وفي الوقت الراهن تحديداً، وما تشهده علاقة العالم العربي بالدولة التركية الحالية من توتر.. لا يمكن أن نحسن الظن بأولئك الأتراك الأيديولوجيين الذين يهتفون في بلد ثالث: «بالروح بالدم نفديك يا أقصى»، وكان الأولى بهم أن يذهبوا إلى مقر السفارة الإسرائيلية في أنقرة وأن يهتفوا للأقصى من هناك، أو أن يذهبوا إلى مصانع السلاح التركية التي تصدّر إلى إسرائيل الذخائر التي تقتل بها الفلسطينيين، فيمنعوا تصديرها.
ومع كل هذا، تجد أن الفائضين عن الحاجة، بحسب تعبير نيتشه، وهم جماعة «الإخوان المسلمين»، ما زالوا يدافعون عن خليفتهم المزعوم أردوغان ويمارسون تضليلهم الإعلامي للإنسان العربي العادي الذي لا يملك الوقت للبحث والتقصي حول خلفياتهم ودوافع مواقفهم.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية