بالتهجير، والجوع، والمجازر: كيف دمّرت الحرب الإسرائيلية شكل الحياة في غزة؟

بالتهجير، والجوع، والمجازر: كيف دمّرت الحرب الإسرائيلية شكل الحياة في غزة؟

بالتهجير، والجوع، والمجازر: كيف دمّرت الحرب الإسرائيلية شكل الحياة في غزة؟


21/07/2025

 

منذ بداية الحرب الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، فرض الجيش الإسرائيلي حصارًا شاملاً على قطاع غزة، وكانت مدينة غزة والمناطق الشمالية هي الأكثر تضررًا من هذا الحصار، حيث قُطعت "المياه والكهرباء والطعام والوقود"، ممّا فاقم الأزمة الإنسانية، وارتفعت صرخات الجوع والألم من المدينة المحاصرة التي لا منفذ منها.

وتفاقمت هذه المعاناة مع بدء العملية البرية في غزة، فقد دمّرت القوات الإسرائيلية عددًا كبيرًا من المنازل والمدارس والمستشفيات والآبار، ومنعت دخول الغذاء والمساعدات إلى غزة، إلا في حالات نادرة ومحدودة، لمعاقبة السكان الذين رفضوا الانصياع لأوامر الجيش بالانتقال جنوبًا.

وتجلّى هذا الحصار والمعاناة بشكل أكبر مؤخرًا حينما فصل الجيش الإسرائيلي مدينة غزة عن منطقتها الشمالية، بعدما كان قد عزلها سابقًا عن وسط وجنوب القطاع، وجاء ذلك بعد بدء عملية عسكرية في شمال وشرق وجنوب القطاع وسط تدهور إنساني حاد، حيث يعيش سكان قطاع غزة مجاعة حقيقية بسبب نقص الغذاء وانعدام المساعدات.

وجبة واحدة في اليوم

تقول سامية حميد (41 عامًا) من حي الشجاعية شرق مدينة غزة: "قبل السابع من أكتوبر 2023 كانت غزة جميلة، وكنا نعيش بسلام، والحياة كانت طبيعية، بوجود الكهرباء والماء والطعام، أمّا الآن، فلا أتصور وضعًا أصعب من الذي أعيشه، بعد أن اختفت كل هذه المظاهر".

وتضيف: "نتناول أنا وعائلتي وجبة واحدة فقط في اليوم، غالبًا طبق أرز، وأحيانًا حساء العدس أو الفاصوليا البيضاء، بسبب غياب الخبز والأطعمة الأخرى بشكل منتظم".

وتتابع: "أعيش مأساة حقيقية، فلا مساعدات غذائية تدخل، والحصار الإسرائيلي مستمر، وربما سأضطر وعائلتي قريبًا لأكل أوراق الشجر إن استمر الوضع على ذلك المنوال".

وسيم الهندي يؤكد أنّ عائلته تأكل وجبة واحدة يوميًا، وبعض الأهالي لجؤوا إلى ذبح الحمير وطحن علف الحيوانات لصنع الخبز.

 

وتوضح: "الخضروات شبه معدومة في الأسواق، وإن توفرت، فأسعارها خيالية؛ فكيلوغرام البصل يبلغ (200) شيكل (53) دولارًا، والبطاطس والطماطم والخيار (10) دولارات، ناهيك عن الارتفاع الجنوني بأسعار البقوليات والمعلبات بكافة أنواعها، ممّا يجعل من الصعب جدًا توفير الطعام بشكل مستمر".

وتؤكد "نشرب ماءً مالحًا غير صالح للاستهلاك، وقد تسبب ذلك مرارًا بإصابة أطفالي بالتهابات معوية وإسهال متكرر".

وتشير إلى أنّ "أطفالها يعانون من صدمة نفسية شديدة بسبب القصف، ولا يستطيعون النوم ليلًا، ويعاني اثنان منهم من التبول اللّاإرادي، ويرفضون الخروج من المنزل خوفًا من القصف المتواصل".

بيع الذهب لشراء الطعام

أنس حمدان (34 عامًا)، فلسطيني فرّ من مخيم جباليا إلى حي النصر بمدينة غزة هربًا من الاجتياح الإسرائيلي، اضطر لبيع قطعة من ذهب زوجته لشراء الطعام واللوازم الأساسية لعائلته.

باع أنس الخاتم لمحل مجوهرات مقابل (320) شيكل (85) دولارًا، وكانت المرة الأولى التي يضطر فيها لبيع ذهب زوجته، موضحًا: "معظم الناس يبيعون ذهب زوجاتهم بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، ولأننا لا نعرف متى ستنتهي الحرب".

نايف أبو شريف يبحث بين أنقاض البيوت عن بقايا طعام، بعدما اضطر سابقًا لتناول العصافير وعلف الحيوانات بسبب المجاعة.

 

يقول: "فقدت عملي في مصنع للخياطة، ولو لم أبع الذهب، فكيف كان سيأكل أطفالي؟ بصراحة، لا أعلم ماذا سأفعل عندما ينفد المال، الوضع كارثي، ويبدو أنّ الأيام القادمة ستكون أصعب".

ويؤكد: "قبل أشهر قليلة، كنت أتلقى طعامًا من مطبخ خيري يقدم وجبة واحدة يوميًا، مثل البازلاء أو العدس، لكنّه توقف بسبب نفاد الإمدادات ومنع دخول المواد الغذائية إلى غزة".

حياة صعبة

الفلسطينية خديجة العيلة (43 عامًا) من حي الزيتون جنوب مدينة غزة، تشعر بأنّها تعيش في غيبوبة منذ عامين، وتحلم أن تستيقظ يومًا لتجد غزة كما عرفتها: جميلة ومليئة بالحياة، بعد أن عاينت القتل والجوع الشديد".

فقدت العيلة زوجها و(3) من أطفالها في غارة إسرائيلية على منزلها في 19 حزيران (يونيو) 2024، بينما خرجت هي وابنتاها من تحت الأنقاض على قيد الحياة.

خديجة العيلة فقدت زوجها وثلاثة من أطفالها في غارة إسرائيلية، وتعيش الآن مع ابنتيها وسط الجوع وانعدام العلاج والطعام.

 

تقول: "حياتي صعبة جدًا؛ لا طعام، ولا شراب، ولا ملابس، نأكل يومًا بيوم، وليس لديّ مال لشراء ما يسدّ جوعنا".

وتنتظر العيلة (4) ساعات لثلاثة أيام أسبوعيًا لعلاج ابنتها سندس (10) أعوام، التي تخضع لجلسات غسيل كلى في مستشفى المعمداني، وهو الوحيد العامل في غزة حاليًا.

ورغم كل شيء، تتمسك بالأمل قائلة:"سنعيد بناء ما دُمّر، وستعود الحياة إلى غزة قريبًا".

البحث عن بقايا الطعام

لا يختلف الحال لدى الفلسطيني نايف أبو شريف (36 عامًا)، الذي نزح مع عائلته من بيت حانون شمال غزة إلى منطقة الميناء غرب المدينة، أثناء الاجتياح الإسرائيلي.

يتنقل أبو شريف، وهو معلم سابق، بين المناطق التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي بحثًا عن بقايا طعام أو خبز أو معلبات تركها الجنود.

يقول: "في شمال غزة كنا نأكل العصافير، ونتغذى على علف الحيوانات بسبب قلة المساعدات وندرة المواد الغذائية في الأسواق".

أنس حمدان اضطر إلى بيع خاتم ذهب زوجته مقابل 320 شيكل لشراء الطعام، بعد أن فقد عمله في مصنع للخياطة.

 

ويضيف: "أواجه مشكلة كبيرة في توفير احتياجات الأسرة الأساسية، ولا أستطيع شراء سوى القليل من الطعام، ويرتدي أطفالي ملابس ممزقة وبالية، ولا يملكون أحذية، لعدم مقدرتي على شرائها".

ويؤكد: "لم أستلم أيّ مساعدات منذ أكثر من (3) أشهر، والمساعدات المحدودة التي كنت أتلقاها بالكاد تكفي عائلتي، والحصار يهددنا بالموت جوعًا".

أكل علف الحيوانات

"من لا يموت بالقصف، فسيموت جوعًا"، بهذه الكلمات عبّر وسيم الهندي من حي التفاح شرق غزة عن عجزه عن إطعام أطفاله وسط نقص حاد في المواد الغذائية.

يقول الهندي (47 عامًا): "معاناتي وأسرتي كبيرة؛ نحن (8) أفراد، ونكافح لتوفير الملابس والطعام والشراب".

ويضيف: "عائلتي تأكل وجبة واحدة يوميًا، كما هو حال معظم السكان بسبب انعدام الخبز والطعام".

أسعار الخضروات في غزة أصبحت خيالية، حيث بلغ سعر كيلو البصل 200 شيكل، والخيار والطماطم حوالي 10 دولارات للكيلوغرام.

 

ويؤكد: "رأيت قبل أيام أناسًا يذبحون حمارًا لأكله، والبعض الآخر طحن علف الحيوانات كالذرة والشعير لصنع الخبز".

ويبين: "لا توجد حياة في غزة؛ لا مدارس ولا مستشفيات، الحرب دمرت جيلًا كاملًا، أطفالي لا يذهبون إلى المدارس، بعضها قُصف، وأخرى أصبحت ملاجئ للنازحين".

ويوضح الهندي: "(4) من أطفالي يتناوبون المهام اليومية، اثنان يقفان لساعات طويلة لجلب الماء، واثنان ينتظران عند جمعية خيرية للحصول على وجبة طعام".

اضطرابات نفسية

الطفلة شيرين النحال (13 عامًا) من مدينة غزة، تلازم منزلها ولا تخرج خوفًا من القصف والموت.

تعاني شيرين من اضطرابات نفسية وعصبية، وترفض اللعب أو القيام بأيّ أنشطة ممتعة.

سامية حميد تقول إنها تعيش مع عائلتها على وجبة واحدة يوميًا، غالبًا من الأرز أو العدس، وسط انعدام الخبز والطعام.

 

تقول: "لا أستطيع النوم ليلًا، أخاف كثيرًا من القصف، وأخشى أن تدمر الطائرات منزلنا ونموت".

وتضيف: "أعاني من آلام شديدة في بطني منذ يومين بسبب شرب الماء المالح غير الصالح للشرب".

وتؤكد الطفلة النحال: "أفتقد مدرستي التي دُمّرت، وفقدت الكثير من زميلاتي، وأتمنى أن تنتهي الحرب قريبًا، وأن تعود الحياة إلى طبيعتها".

لا تعليم في غزة

بحسب وكالة الأنباء الفلسطينية، قال المفوض العام للأونروا، فيليب لازاريني، في أيلول (سبتمبر) 2024: إنّ أكثر من 70% من مدارس الأونروا في غزة قد دُمرت أو تضررت، وأصبحت معظمها ملاجئ مكتظة للنازحين، ممّا جعلها غير صالحة للتعليم.

الجيش الإسرائيلي دمّر منازل ومدارس ومستشفيات وآبار مياه، ومنع دخول الغذاء والمساعدات إلا بشكل محدود لمعاقبة السكان وفرض التهجير القسري.

 

وأضاف أنّ أكثر من (600) ألف طفل في غزة، نصفهم كانوا يدرسون في مدارس الأونروا، يعانون من صدمة نفسية شديدة ويعيشون بين الأنقاض، محرومين من التعليم. محذرًا من أنّ "بقاء الأطفال خارج المدارس لفترات طويلة قد يؤدي إلى ضياع جيل كامل."

وأشار إلى أنّه "في ظل غياب وقف إطلاق النار، قد يتعرض الأطفال للاستغلال"، داعيًا إلى عدم تكرار ما حدث في نزاعات أخرى.

وقبل هذه الحرب، كان أكثر من (500) ألف طفل في قطاع غزة بحاجة إلى خدمات الصحة النفسية والدعم الاجتماعي، واليوم يُقدّر أنّ أكثر من مليون طفل بحاجة إلى هذه المساعدة.

أزمة غذاء غير مسبوقة

ويواجه سكان غزة أزمة غذاء غير مسبوقة، وقد أكدت (16) منظمة إغاثة إنسانية تابعة للأمم المتحدة أنّ 83% من المساعدات الغذائية تم منعها من الدخول بعد عام على اندلاع الحرب، بعدما كانت النسبة 34% عام 2023.

الطفلة شيرين النحال تعاني اضطرابات نفسية وتخشى القصف، ولا تخرج من منزلها، وتعاني من آلام نتيجة شرب الماء المالح.

 

هذا المنع أدى إلى انخفاض الوجبات اليومية إلى وجبة واحدة فقط، فيما يحتاج نحو (50) ألف طفل لعلاج عاجل من سوء التغذية، كما أدى ضعف القدرة على تحلية المياه إلى عودة انتشار فيروس شلل الأطفال، بعد أن كانت غزة خالية منه منذ (25) عامًا، ممّا دفع منظمات الأمم المتحدة إلى إطلاق حملة لتطعيم أكثر من (600) ألف طفل.

وبحسب منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، فإنّ أكثر من 46% من الأراضي الزراعية في غزة دُمرت بسبب الحرب، و97% من مياه القطاع غير صالحة للاستخدام البشري.

أمّا وكالة الأونروا، فقد أكدت أنّ المساعدات التي تدخل غزة لا تلبي أكثر من 3% من احتياجات السكان.

وبحسب وزارة الصحة في غزة، فقد ارتفع عدد ضحايا العدوان الإسرائيلي إلى (58573) قتيلًا، و(139607) إصابات منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023. 

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية