انحسار الجماعة الإرهابية: كيف تحوّل الإخوان إلى عبء دولي؟

انحسار الجماعة الإرهابية: كيف تحوّل الإخوان إلى عبء دولي؟

انحسار الجماعة الإرهابية: كيف تحوّل الإخوان إلى عبء دولي؟


24/09/2025

شهدت جماعة الإخوان المسلمين خلال العقود الماضية صعوداً ملحوظاً جعلها في قلب المشهد السياسي بالمنطقة العربية، خصوصاً بعد أحداث ما عُرف بـ"الربيع العربي"، فقد رأت الجماعة في تلك التحولات فرصة تاريخية لتحقيق مشروعها القائم على التمكين السياسي والاجتماعي، مستفيدة من حالة الفوضى والانقسام في عدد من الدول. 

لكن بمرور السنوات، اتضح أن هذا المشروع لم ينجح في تحقيق الاستقرار، بل فاقم الأزمات وأثار الشكوك حول نوايا الجماعة وعلاقاتها بشبكات التطرف.

اليوم، تبدو الجماعة أمام واقع جديد مغاير تماماً لطموحاتها السابقة، إذ تحوّلت من لاعب سياسي يُحسب له حساب إلى عبء دولي يثير المخاوف الأمنية في المنطقة وخارجها. 

فبعد أن كانت بعض القوى الدولية والإقليمية تعتبرها "شريكاً محتملاً" أو "بديلاً معتدلاً"، أصبحت في نظر الكثيرين امتداداً للحركات المتطرفة وغطاءً أيديولوجياً لها، وهذا التحوّل لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة لتراكمات سياسية وأمنية واقتصادية أثبتت محدودية مشروع الإخوان وفشله في التكيف مع متطلبات الدولة الحديثة.

تقرير "حفريات" الأخير أشار بوضوح إلى هذه الانعطافة التاريخية في مسار الجماعة، حيث لم تعد مجرد تنظيم محلّي يسعى للسلطة، بل تحوّلت إلى أزمة عابرة للحدود تفرض نفسها على أجندات الأمن القومي في العالم العربي وأوروبا. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة التحولات الراهنة على ضوء خمسة محاور رئيسية تكشف حجم التراجع الذي أصاب التنظيم، وكيف أصبح وجوده أكثر عبئاً من كونه فرصة سياسية.

من حلم التمكين إلى واقع السقوط

عندما اندلعت الاحتجاجات العربية عام 2011، اعتقد الإخوان أن ساعة "الخلافة السياسية" قد دقّت، فسارعوا إلى السيطرة على البرلمانات والحكومات، كما حدث في مصر وتونس. 

غير أن هذا الصعود السريع اصطدم بواقع مختلف؛ فقد أظهر سوء إدارة الحكم في مصر وتضارب المصالح في تونس محدودية خبرة التنظيم في قيادة الدولة، بدل أن يثبتوا أنفسهم كقوة إصلاحية، دخلوا في صراعات مع القوى المدنية والأمنية، ما أدى إلى فقدانهم ثقة الشارع.

بعض المراقبين يتوقعون أن ينتهي التنظيم إلى التفكك بفعل الانقسامات الداخلية وضغوط الحكومات

في مصر، لم يستطع الرئيس الراحل محمد مرسي تجاوز العام الأول من ولايته، حيث واجه احتجاجات واسعة وانتهى الأمر بعزله عام 2013. هذا السقوط المدوي مثّل نقطة تحوّل محورية في صورة الإخوان عالمياً، إذ ظهروا كحركة عاجزة عن التوفيق بين الخطاب الديني ومتطلبات الدولة الحديثة. 

وفي تونس، ورغم أن حركة النهضة حاولت تقديم نفسها كنسخة "معتدلة"، إلا أن سياساتها وانقساماتها الداخلية ساهمت في انحسار شعبيتها، وصولاً إلى فقدانها القدرة على التأثير المباشر في القرار السياسي.

بالتوازي، أدركت قطاعات واسعة من الرأي العام العربي أن مشروع الإخوان لا يختلف عن غيره من المشاريع السلطوية، بل يحمل في طياته بذور الانقسام والتطرف. وهنا بدأ التراجع الحقيقي، حيث تآكلت صورة الجماعة كقوة "مظلومة" أو "مستهدفة"، لتحل محلها صورة تنظيم انتهازي يبحث عن السلطة بأي ثمن.

 الضغوط الدولية وتحوّل الإخوان إلى عبء

لم يكن التراجع محصوراً في الداخل العربي فقط، بل امتد إلى الساحة الدولية. فقد تبنت عدة دول أوروبية مواقف متشددة تجاه الجمعيات والمراكز التابعة للإخوان، بعد أن تبيّن استخدامها كغطاء لنشر الفكر المتطرف أو لغسيل الأموال. 

فرنسا وألمانيا والنمسا من أبرز الدول التي أطلقت تحقيقات موسعة، بينما أقدمت بريطانيا على مراجعة شاملة لسجل الجماعة منذ 2015، خلصت إلى أن أيديولوجيتها تشكل تهديداً طويل المدى.

هذا التحول الدولي جاء نتيجة تزايد الهجمات الإرهابية في أوروبا، حيث تبيّن أن بعض منفذيها تأثروا بخطاب الإخوان أو ارتبطوا بجمعيات قريبة منهم. 

وهو ما دفع الحكومات الغربية إلى إعادة تقييم العلاقة مع الجماعة، التي كانت تُقدَّم في السابق على أنها "بديل معتدل" مقارنة بالجماعات الجهادية. لكن الواقع أظهر أن الإخوان يشكّلون "منصة أيديولوجية" تمهّد الطريق للتطرف المسلح، وهو ما جعلهم عبئاً حتى على شركائهم التقليديين.

ومع تصاعد المخاوف الأمنية، أصبحت الجماعة تحت المجهر في ملفات الهجرة والاندماج أيضاً. ففي فرنسا مثلاً، اتُهمت جمعيات إخوانية باستغلال المدارس والمساجد للتأثير على الأجيال الجديدة من أبناء المهاجرين، بما يتعارض مع قيم الجمهورية. هذا السياق الدولي أضعف كثيراً من قدرة الإخوان على المناورة، وجعلهم في موضع دفاع دائم.

مأزق الحلفاء الإقليميين

على المستوى الإقليمي، شكّلت تركيا وقطر الحاضنة الأساسية للجماعة بعد سقوطها في مصر وتراجعها في تونس. لكن التحولات الجيوسياسية في المنطقة أجبرت هذين البلدين على إعادة النظر في دعمهما. فتركيا، التي كانت تفتح شاشاتها وقنواتها للإخوان، دخلت في مسار تقارب مع مصر ودول الخليج، ما جعلها تقلّص تدريجياً مظلة الحماية الممنوحة للجماعة. أما قطر، فقد اضطرت تحت ضغوط إقليمية ودولية إلى مراجعة بعض قنوات دعمها، وإن كان ذلك بشكل غير كامل.

الصعود السريع اصطدم بواقع مختلف فقد أظهر سوء إدارة الحكم في مصر وتضارب المصالح في تونس محدودية خبرة التنظيم في قيادة الدولة

هذا المأزق الإقليمي عمّق عزلة الإخوان، حيث لم يعد بمقدورهم التحرك بحرية كما في السابق. فبينما كانوا في 2012 و2013 يتحدثون عن قيادة المنطقة من خلال "تحالف إسلامي"، أصبحوا اليوم يبحثون عن مجرد ملاذات آمنة، في ظل تضييق الخناق عليهم. وهو ما يفسر محاولاتهم المستمرة للاندماج في أنشطة حقوقية أو جمعيات خيرية لتفادي الملاحقة.

ومع ذلك، لا تزال بعض الأذرع الإعلامية والمالية تعمل من خارج المنطقة، مستفيدة من ثغرات قانونية في أوروبا أو من الدعم غير المباشر عبر واجهات اقتصادية. غير أن فقدان الحماية الرسمية من حلفاء أقوياء جعل الجماعة أكثر عرضة للتفكك والانقسام.

استراتيجيات التكيّف وإعادة التموضع

أمام هذا التراجع، لجأت الجماعة إلى تغيير أساليبها، فلم تعد تركز على العمل السياسي المباشر فقط، بل وسعت حضورها في مجالات المجتمع المدني والإعلام. ففي أوروبا مثلاً، تعمل جمعيات محسوبة على الإخوان تحت مسميات ثقافية وتعليمية، لتفادي التصنيف الأمني. 

وفي العالم العربي، تستثمر في منصات إعلامية لتوجيه الرأي العام، مع التركيز على قضايا مثل فلسطين والحقوق السياسية لاستعادة شرعيتها.

إلا أن هذه الاستراتيجيات لم تُخفِ حقيقتها، فالكثير من التقارير الأمنية بيّنت أن تلك الواجهات ليست سوى أدوات لتجديد النفوذ والحفاظ على مصادر التمويل. كما أن خطاب الجماعة ظل يحمل نفس التناقضات: الدعوة إلى الديمقراطية حين تكون وسيلة للوصول إلى الحكم، والتخلي عنها حين تهدد سلطتهم.

الأكثر من ذلك أن التنظيم الدولي للإخوان يواجه انقسامات داخلية حادة بين جيلين؛ أحدهما يسعى للتصعيد والمواجهة، والآخر يحاول اعتماد خطاب "معتدل" لاستعادة القبول الدولي. هذا الصراع الداخلي أضعف من قدرة الجماعة على تقديم استراتيجية موحدة، ما زاد من هشاشتها في مواجهة الضغوط.

 مستقبل غامض بين التفكك والاستمرار

في ضوء هذه التحولات، يبدو مستقبل الإخوان غامضاً أكثر من أي وقت مضى، فالجماعة التي كانت تراهن على الانتشار الدولي أصبحت ملاحَقة في أكثر من ساحة، ومحرومة من دعمها التقليدي. 

بعض المراقبين يتوقعون أن ينتهي التنظيم إلى التفكك بفعل الانقسامات الداخلية وضغوط الحكومات، بينما يرى آخرون أن الجماعة قد تستمر عبر أشكال أكثر مرونة، لكنها ستكون أقل تأثيراً بكثير مما كانت عليه.

أدركت قطاعات واسعة من الرأي العام العربي أن مشروع الإخوان لا يختلف عن غيره من المشاريع السلطوية بل يحمل في طياته بذور الانقسام والتطرف

 

التحدي الأكبر بالنسبة للإخوان يكمن في فقدان الثقة الشعبية، فبعد عقود من الخطاب المثالي عن "الإصلاح" و"العدالة"، اكتشف المواطنون أن سياسات الجماعة لا تختلف عن غيرها من النخب السلطوية، بل ربما تزيدها تعقيداً بتوظيف الدين في الصراع السياسي. هذا الوعي الشعبي هو ما يجعل إعادة تموضع الجماعة صعباً، حتى لو نجحت في البقاء تنظيمياً.

وعلى المستوى الدولي، لم يعد يُنظر إلى الإخوان كقوة قابلة للشراكة، بل كتنظيم يثير القلق ويستنزف الطاقات الأمنية والسياسية للدول المضيفة. وهذا وحده كافٍ لتأكيد أن الجماعة تحوّلت من ورقة سياسية إلى عبء ثقيل، وهو ما عبّر عنه تقرير "حفريات" بشكل واضح.

منذ تأسيسها عام 1928، قدّمت جماعة الإخوان نفسها على أنها مشروع إصلاحي جامع، لكن مسارها العملي أثبت العكس. فبعد أن استثمرت في الثغرات السياسية والاجتماعية، وجدت نفسها اليوم أمام مأزق وجودي جعلها عبئاً على الدول التي تحتضنها، ومصدر قلق للأنظمة والمجتمعات. ما بين الفشل في الحكم وفقدان الحلفاء وتضييق الخناق الدولي، تراجعت الجماعة من قوة صاعدة إلى تنظيم متداعٍ يبحث عن مخرج.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية