الوجه الأخطر في الترسانة الإيرانية

الوجه الأخطر في الترسانة الإيرانية

الوجه الأخطر في الترسانة الإيرانية


06/06/2026

سالم الكتبي

ثمة قاعدة راسخة في منطق الأمن تقول إن التهديد الأخطر ليس الأعلى صوتاً، بل الأكثر إهمالاً، وحين تُستعرض أجندة النقاش الاستراتيجي الإقليمي اليوم، يبرز بوضوح أن ملف الأسلحة الكيميائية والبيولوجية الإيرانية يحضر حضوراً هامشياً، إن لم يكن غائباً، مقارنة بالأولوية المطلقة الممنوحة للصواريخ والمسيّرات ومنظومات الاعتراض. وهذه الفجوة ليست مجرد نقص في الاهتمام، وإنما تعكس اختلالاً في ترتيب الأولويات يستحق التوقف، فالنقاش العام يتركز على ما يمكن رؤيته على شاشات الرادار، بينما تبقى التهديدات الأقل وضوحاً خارج دائرة التركيز، رغم أن آثارها المحتملة قد تكون أشد تعقيداً وأطول أمداً.

هذا الملف لا يقوم على سرديات إعلامية أو ادعاءات معارضة فقط، بل يستند جزئياً إلى مواقف رسمية معلنة، ففي تموز/يوليو 2024 فرضت وزارة الخارجية الأميركية عقوبات على شركة إيرانية بدعوى الإسهام في انتشار أسلحة الدمار الشامل، كما تؤكد واشنطن منذ عام 2018 أن طهران لم تُفصح بالكامل عن بعض أنشطتها أمام آليات التحقق الدولية، صحيح أن هذه المعطيات لا ترقى وحدها إلى إثبات برنامج نشط مكتمل الأركان، لكنها تُبقي باب الشك الاستراتيجي مفتوحاً، وهو بحد ذاته عامل يستوجب التعامل معه بجدية.

ورغم ذلك، يظل هذا الملف مؤجلاً في كثير من النقاشات العملية. ففي غرف التقدير العسكري يدور التركيز حول كلفة الصاروخ مقابل الصاروخ، وكفاءة الاعتراض، وتكتيكات الإغراق، فيما تُرحَّل التهديدات الكيميائية والبيولوجية إلى مرتبة أدنى من الاهتمام وكأنها سيناريو بعيد الاحتمال، غير أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في ترجيح وقوع الخطر، بل في مستوى الاستعداد لمواجهته إذا وقع.

والمفارقة أن المنطقة التي أنفقت مئات المليارات على بناء مظلات دفاع جوي متطورة قد تواجه يوماً تهديداً لا يُقاس بعدد الصواريخ التي أُسقطت، بل بحجم الاضطراب الذي يمكن أن يصيب مدينة أو ميناء أو منشأة حيوية خلال ساعات قليلة، فبعض التهديدات لا تسعى إلى التدمير الواسع بقدر ما تراهن على إحداث صدمة نفسية أو اقتصادية تتجاوز حجم الوسيلة المستخدمة.

جزء من هذا القلق يرتبط بطبيعة هذه الأسلحة نفسها، فهي أقل كلفة نسبياً من كثير من المنظومات التقليدية، وأكثر تعقيداً في الرصد والتتبع، ولا تخضع لمنطق الاعتراض الكلاسيكي الذي بُنيت عليه منظومات الدفاع الجوي الحديثة، كما أن الأنشطة المرتبطة بها قد تتداخل مع قطاعات مدنية مشروعة كالصناعات الدوائية أو البحث العلمي، ما يجعل رصدها واكتشافها أكثر صعوبة، لذلك فإن هذا النوع من القدرات لا يُختزل بالضرورة في موقع واحد أو منشأة واحدة يمكن استهدافها بسهولة.

وفي هذا السياق، تُثار بين الحين والآخر تقارير تتحدث عن استخدام مواد كيميائية ذات تأثيرات عالية في الداخل الإيراني، ومن بين ما أثير تقرير صادر عن مركز بيغن-السادات في يناير 2026 أشار إلى استخدام مشتقات الفنتانيل لتفريق محتجين. وهذه الرواية لم تُحسم بشكل قاطع على المستوى الدولي ولم تُدعّم بإجماع تقريري واسع، لكن مجرد تداولها في أوساط بحثية يطرح سؤالاً مهماً حول حدود استخدام مثل هذه الأدوات وإمكانية انخفاض الحواجز النفسية والسياسية المرتبطة بها.

وإذا بدت هذه الفرضية بعيدة للبعض، فإن التجارب الإقليمية السابقة تقدم نماذج تستحق التأمل، فقد استخدم العراق أسلحته الكيميائية داخلياً قبل أن يوسّع نطاق استخدامها خلال الحرب مع إيران، كما استخدمت سوريا مواد محظورة في سياق داخلي قبل أن يتحول الملف إلى أزمة دولية واسعة، وهذا لا يعني ذلك أن المسار نفسه سيتكرر بالضرورة، لكنه يكشف نمطاً ينبغي أخذه في الحسبان عند دراسة سلوك الأنظمة الدكتاتورية تحت ظروف الصراع والضغط.

ومع ذلك، من المهم الإشارة إلى أن استخدام الأسلحة الكيميائية أو البيولوجية خارجياً يظل محفوفاً بكلفة سياسية وعسكرية مرتفعة، قد تشمل عقوبات قصوى أو ردوداً دولية قاسية وربما تدخلاً مباشراً في بعض الحالات، وهذا العامل الردعي لا يمكن تجاهله، لكنه لا يلغي الحاجة إلى الاستعداد في بيئة إقليمية تشهد تحولات متسارعة وتراجعاً في فاعلية بعض أنماط الردع التقليدي.

السيناريو الأكثر إثارة للقلق ليس بالضرورة هجوماً واسع النطاق، بل استخداماً محدوداً ومركّزاً يصعب نسبه فوراً إلى جهة محددة، كاستهداف منشأة حيوية أو بنية تحتية حساسة أو منطقة مكتظة، مثل هذه السيناريوهات لا تتطلب قدرات ضخمة، لكنها قد تُحدث أثراً استراتيجياً يفوق بكثير حجم الوسيلة المستخدمة، خصوصاً إذا واجهت بيئات غير مهيأة بالكامل لهذا النوع من التهديدات.

وقد أثبتت دول الخليج خلال السنوات الأخيرة قدرة لافتة على التعامل مع التهديدات الصاروخية والمسيّرات عبر بناء طبقات دفاع جوي متقدمة. غير أن التهديد الذي لا يظهر على شاشة الرادار ولا يمنح وقتاً كافياً للإنذار المبكر يحتاج إلى مقاربة مختلفة، تبدأ بالرصد والاستعداد ولا تنتهي عند إدارة الأزمة بعد وقوعها.

ومن هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة التوازن في الانتباه الاستراتيجي، ويتطلب ذلك إدماج ملف الأسلحة الكيميائية والبيولوجية في صلب التقدير الأمني، وتعزيز قدرات الكشف والاستجابة المدنية والعسكرية، وتطوير مراكز الإنذار المبكر والتنسيق الصحي والأمني، وإجراء تدريبات دورية مشتركة للتعامل مع مثل هذه السيناريوهات، كما أن دعم الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز الشفافية والرقابة على الأنشطة ذات الاستخدام المزدوج يبقى جزءاً أساسياً من أي استراتيجية وقائية فعالة.

العرب اللندنية




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية