الهعفراه: خفايا الاتفاق السري بين النازيين والوكالة اليهودية

اليهود

الهعفراه: خفايا الاتفاق السري بين النازيين والوكالة اليهودية

مشاهدة

01/04/2019

قد تختلف الأيديولوجيات وتتنازع فيما بينها، لكن تبقى هناك دوماً منطقة خفيّة، تتلاقى عندها المصالح، حتى في ذروة الصراع، وربما كان ما حدث بين الوكالة اليهودية في فلسطين والرايخ الألماني من اتفاق، قبل اندلاع الحرب العظمى الثانية بقليل، خير دليل على صدق الافتراض السابق، وإذا كان الوجه القبيح للنازية اتخذ أكثر أشكاله بشاعة مع اضطهاد اليهود، ضمن من جرى اضطهادهم؛ فإنّ هذا الاتفاق السري يعكس كل ما في الصهيونية من انتهازية، وقدرة على الرقص فوق أشلاء الأبرياء، حتى ولو كانوا يهوداً، طالما كان المقابل تحقيق أطماع بعينها.

اقرأ أيضاً: الإسلام واليهودية والعداء للسامية
بعد أشهر قليلة من وصول هتلر إلى الحكم، عام 1933، وبينما الاستعمار الصهيوني في فلسطين يسعى إلى تدعيم مواقعه، جرت وقائع أغرب مذكرة تفاهم يمكن تصوره، بين الوكالة اليهودية والرايخ الألماني، والذي انتهى بتوقيع اتفاقية الـ "هعفراه"؛ لنقل وتهجير اليهود، مع تحويل رؤوس الأموال الخاصة بهم إلى فلسطين.

 

الصهيونية تفتتح سوق الهجرة
مع تزايد معدلات الهجرة اليهودية إلى فلسطين، تبلور ما يمكن تسميته بـــ (رسملة) المسألة اليهودية، وهو ما استثمرت فيه الصهيونية، وأجادت استغلاله، ليتحول سوق الهجرة إلى مقامرة محسوبة، جنت من ورائها الصهيونية مكاسب مالية هائلة.

الاتفاق السري يعكس كل ما في الصهيونية من انتهازية وأنّ تاريخ الأمة اليهودية المُختلق يشهد انقطاعات طويلة

بعد مباحثات سريعة، جرى الاتفاق على إنشاء شركة ائتمانية، يكون من اختصاصها التفاوض مع المصدّرين والشركات الصناعية الألمانية، وفي صفقة وصل حجمها نحو ثلاثة ملايين مارك ألماني، تم تأسيس فرعين للشركة هما: هعفراه في تل أبيب، وبالترو في برلين، وكانت آلية التعاون تقوم على إيداع أيّ يهودي يرغب في الهجرة إلى فلسطين، مبلغاً لا يقل عن مئة جنيه إسترليني في بنك فاسرمان في برلين، أو في بنك فايبورغ في هامبورغ، وبحصيلة هذه المبالغ يقوم المصدّرون اليهود بشراء بضائع ألمانية، تكون وجهتها إلى فلسطين، وفي المقابل فُتحت الأسواق الألمانية أمام منتجات المستوطنات الصهيونية، وكان المهاجر يسترد وديعته عند وصوله إلى فلسطين، دون أية أرباح ناتجة عن هذا النشاط التجاري الواسع، والتي كانت حصيلتها كلها تذهب إلى الوكالة اليهودية.

اقرأ أيضاً: موسى بن ميمون: يهودي في بلاط صلاح الدين
في عام 1933؛ بلغت تحويلات "الهعفراه" نحو 1,254,956 ماركاً، قفزت عام 1937 إلى نحو 31,407,501 ماركاً، وأسهمت هذه الأموال بشكل فعال في حدوث طفرة اقتصادية كبيرة في شتى قطاعات التجمع الاستيطاني الصهيوني (اليشوف)، وهو ما أحدث قفزة هائلة في الطاقة الإنتاجية للقطاع الصناعي، صبت جميعها في صالح رأس المال الصهيوني، الواقع تحت سيطرة الوكالة اليهودية.
ورغم تزايد المعارضة بين صفوف الاشتراكيين الوطنيين في ألمانيا، والذين رأوا في الاتفاقية نوعاً من الدعم للمشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين، ظلت "الهعفراه" تُجدد دورياً؛ حيث رأى فيها القادة الألمان فرصة للقضاء على المقاطعة التي نظمها يهود أوروبا ضد بلادهم، وبمرور الوقت أصبح لوكلاء "الهعفراه" حقوق أفضلية بالنسبة إلى التجارة الألمانية، وبدأت صادرات البرتقال في الوصول إلى ألمانيا من خلالهم، ما يفسر مدى الاهتمام الذي أولته وزارة الاقتصاد الألمانية لتلك الاتفاقية، إضافة إلى الأجهزة الأمنية التي رأت فيها وسيلة سهلة لإخراج اليهود من ألمانيا، كحلّ إيجابي للمسألة اليهودية.
سمحت السلطات النازية بإقامة مراكز تدريب مهني للمهاجرين المزمع ترحيلهم إلى فلسطين

الصليب المعقوف إذ يحتضن نجمة داود
إذا كان تاريخ كل أمة، بحسب توصيف محمد حسنين هيكل، يأخذ خطاً متصلاً، قد يصعد أو يهبط، وقد يدور حول نفسه أو ينحني ولكنه لا ينقطع، فإنّ تاريخ الأمة اليهودية المُختلق، يشهد هذا القدر من الانقطاعات الطويلة، في أعقاب انحناءاته الحادة، نظراً لاعتبارات عدة تتعلق بمفهوم الأمة العضوية، ومفهوم الأرض التاريخية، ولعل المشهد التالي يطرح تصوراً أكثر تحديداً، حول طبيعة علاقة الصهيونية بجملة القيم التي يتأسس عليها مفهوم الأمة.

بينما كان العلم النازي بالصليب المعقوف يرفرف على السارية، كانت الأحرف العبرية لكلمة "تل أبيب" منقوشة على مؤخرة السفينة

مع تفعيل اتفاقية الهعفراه تأسّست الشركة الفلسطينية للنقل البحري، والتي قامت بشراء سفينة الركاب الألمانية "هوهنشتين"، مع تغيير اسمها إلى "تل أبيب"، وقامت السفينة بأول رحلة لها من ميناء بريمر هافن الألماني إلى ميناء حيفا، في بدايات عام 1935، في مشهد يحمل قدراً من التناقض المثير للدهشة، فبينما العلم النازي ذو الصليب المعقوف يرفرف على السارية، كانت الأحرف العبرية لكلمة "تل أبيب" منقوشة على مؤخرة السفينة، بل إنّ ربان السفينة نفسه كان عضواً في الحزب النازي.
وفي صيف عام 1935، وبحسب وثائق ملفات الــ (إس إس) (S.S)؛ أوفد المسؤول النازي هملر رئيس حرسه الخاص إلى تل أبيب؛ حيث التقى هناك بزعماء الهاغاناه، الذراع العسكري للوكالة اليهودية، لبحث تطوير اتفاق الهعفراه، وإلحاقه باتفاق أمني، وهو ما أثمر عن سلسلة من الاجتماعات بين أجهزة الهاغاناه وجهاز الأمن الخاص بقوات الــ (إس إس) (S. S)، والمعروف باسم "إس دي" (S.D)، وبالفعل وصل ضابط الهاغاناه "فيفل بولكس" إلى برلين، في 26 شباط )فبراير) 1936، ليعقد مفاوضات مباشرة مع أدولف إيخمان، المختص بالملف الصهيوني في جهاز الــ "أس دي"، وتم تسجيل محادثات إيخمان/ بولكس في تقرير قام بإعداده أحد مسؤولي إيخمان، ويدعى فرانتس ألبرت، وقام الباحث اليهودي، ليني برينر، بنشره كوثيقة تثبت مدى التورط السياسي الذي أقدمت عليه الهاغاناه في علاقتها مع النازية، وجاء فيه الآتي:
"بولكس صهيوني قومي، وهو ضد كل اليهود الذين يعارضون إقامة دولة يهودية في فلسطين، وهو كرجل هاغاناه يحارب ضد الشيوعية، وضد كل أهداف الصداقة العربية البريطانية، وقد لوحظ أنّ هدف الهاغاناه هو الوصول إلى أغلبية يهودية في فلسطين بأسرع ما يمكن، لذلك فقد عمل بولكس حسبما يتطلب هذا الهدف مع أو ضدّ الاستخبارات البريطانية، والأمن العام الفرنسي، وقد أعلن أنّه عازم على العمل مع ألمانيا، في شكل تقديم معلومات، طالما أنّ ذلك لا يتعارض مع أهدافه السياسية، ومن بين أمور أخرى، فإنّه يؤيد السياسة الخارجية الألمانية في الشرق الأدنى، وسيحاول العثور على مصادر نفط للرايخ الألماني، دون التأثير على مجالات المصالح البريطانية، وذلك إذا خفت القيود النقدية الألمانية بالنسبة للمهاجرين اليهود إلى فلسطين".

 


عند هذا الحد قررت القيادة النازية إرسال إيخمان إلى حيفا، لوضع مشروع للتحالف مع الهاغاناه، عرض من خلاله المساعدة على تهجير نحو 300,000 يهودي أوروبي إلى فلسطين، مقابل المزيد من التعاون الأمني، ومع انكشاف أمر إيخمان للسلطات البريطانية، نُقلت المفاوضات إلى مصر؛ حيث شهد مقهى جروبي، في 11 تشرين الأول (أكتوبر) من العام 1937، جلسة مطولة، اتفق فيها على تسريع وتيرة عملية التهجير، مقابل مزيد من التعاون الصهيوني في الملف الاستخباراتي.

 

اقرأ أيضاً: ماذا تعني كراهية اليهود المتزايدة في أمريكا؟
تواصل التعاون بين الطرفين، رغم الأصوات المعارضة في الجانب الألماني، وكان والتر دوهله القنصل العام لألمانيا في القدس، قد نبّه حكومة بلاده، في مذكرة مستفيضة أرسلها إلى وزارة الخارجية، في 2 آذار (مارس) 1937، إلى أنّ تدعيم للسياسة الصهيونية بهذا الشكل، قد يدفع العرب إلى معاداة ألمانيا، وهو أمر لن يكون في مصلحة بلاده، مؤكداً أنّ المكاسب التي حققها الألمان قد تنتهي نهاية سيئة، بسبب تشجيعهم للهجرة اليهودية إلى فلسطين.
إلا أنّ التعاون بين الطرفين لم ينته، وبدأت الهاغاناه على الفور في تفعيل التفاهمات، وكان ذلك عن طريق ضابطها بولكس الذي وصل إلى برلين، في شباط) فبراير) 1938، حاملاً معه معلومات استخباراتية نقلها إلى إيخمان كان أهمها:
أ‌. المؤتمر العالمي الإسلامي المنعقد في برلين، على صلة مباشرة بزعيمين عربيين مواليين للسوفييت، وهما: الأمير شكيب أرسلان، والأمير عادل أرسلان.
ب‌. محطة الإذاعة الشيوعية غير الرسميّة، التي يصل بثها بصورة كبيرة إلى ألمانيا، موجودة على شاحنة تسير على طول الحدود بين ألمانيا ولكسمبورغ.

اقرأ أيضاً: قنبلة من العيار الثقيل.. مسيحي يتزعم جالية يهودية
من الواضح أنّ الهاغاناه قدمت معلومات انتقائية، تختص بتحركات الشيوعيين وبعض المسؤولين العرب الموالين للشيوعية، وهو ما يعكس رغبة في عدم التورط في تقديم معلومات تخص بريطانيا قد يتسبب كشفها في تقويض المشروع الصهيوني برمته، وبصفة عامة فإنّ المعلومات التي قدمها بولكس، وبفرض صحتها لم تكن ذات أهمية كبيرة، لكن يمكن اعتبارها مجرد عربون للثقة.
تواصل التعاون بين الطرفين في إطار اتفاقية "الهعفراه"، التي استمر العمل بها حتى بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، ولم تتوقف تمويلات "الهعفراه" إلا في عام 1941؛ أي بعد نحو عامين من نشوب الحرب العظمى، عندما قرر هتلر الانتقال إلى الحل النهائي.

 

اغتيال إيخمان وإخفاء الأدلة
مع تطوير أوجه التعاون، سمحت السلطات النازية بإقامة مراكز تدريب مهني للمهاجرين المزمع ترحيلهم إلى فلسطين، ووافق إيخمان على تأمين المزارع والمنشآت؛ لإقامة مراكز تدريب للراغبين في الهجرة، ممن وافقت عليهم الحركة الصهيونية، كما جرى الاتفاق على حماية قوافل الهجرة إلى فلسطين، وكان أدولف إيخمان هو المهندس الرئيس لتلك الاتفاقيات وبنودها السرية، التي تضمنت شقاً اقتصادياً وآخر استخباراتياً، قبل أن ينخرط إيخمان في تطبيق الحل النهائي الذي قرر هتلر تنفيذه، وعليه كان لحادثة اختطاف إيخمان على يد الموساد من العاصمة الأرجنتينية، بيونس أيرس، في 11 أيار (مايو) 1960، دلالات مهمّة، فالشاهد الأخير على تورط الصهيونية في علاقات متعددة مع النازي، كان يجب اختفاؤه، وهو ما حدث بالفعل؛ حيث تم ترحيله إلى تل أبيب على متن طائرة خاصة، وفي إسرائيل تم الحكم عليه بالموت، ونُفذ فيه الحكم في فجر الأول من تموز (يوليو) من عام1962.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية