النضال النسوي في تونس في فترتي حكم بورقيبة وزين العابدين بن علي

النضال النسوي في تونس في فترتي حكم بورقيبة وزين العابدين بن علي

النضال النسوي في تونس في فترتي حكم بورقيبة وزين العابدين بن علي


06/08/2025

انت الحركة النسوية في فترة ما بعد الكولونيالية تسعى إلى مزيد من التخلص من الهيمنة الذكورية المقيدة لحضورها داخل الفضاء العام، والولوج إلى مجالات تُعدّ حكراً على الرجال، مثل المجال السياسي، على الرغم من قلة الإقبال عليه نظراً لأنّ المجتمع التونسي في أواخر خمسينيات القرن الماضي بقي متشبثاً بالثقافة التقليدية لبنائه الاجتماعي، التي تصنف المجالات حسب الجنس. وفي هذه النقطة بالذات فإنّ النظام السياسي البورقيبي كان محافظاً على خصوصية هذه البنية التقليدية، وهذا ما سنتبينه في سياق تحليلنا، بالرغم من كل مظاهر التحديث التي انتهجها في سياق محاولاته لبناء الدولة الحديثة، إلا أنّ قضية المرأة لم تساير هذا التحديث إلا في الجوانب التي سمحت بها السلطة السياسية، لذلك اعتبرت الحركة النسوية في تلك الفترة أشبه بقاعدة خلفية للنظام السياسي. 

1-مكتسبات المرأة وفاعليتها في العهد البورقيبي

يُعدّ تاريخ استقلال البلاد التونسية في 20 آذار (مارس) 1956 مرحلة فاصلة في حياة التونسيين وتاريخهم، نظراً للتحديات التي كانت تعيشها البلاد آنذاك، ونقصد هنا كيفية بناء دولة مستقلة مكتملة الأركان. ومع تولي بورقيبة الحكم، وتأسيسه لحكم جمهوري بعد عزل لمين باي آخر حكام العائلة الحسينية، بدأ في إرساء مقومات دولة وطنية متماثلة إلى حد كبير مع النموذجين التركي الأتاتوركي والفرنسي اللائكي، وهنا لن نتناول إصلاحاته كلها، وإنّما سنذكر ما يخص المرأة التونسية، التي من أهمها تلك الخاصة بإرساء "مجلة الأحوال الشخصية" وذلك في أوت 1956، وقد اعتبرت هذه المجلة خارجة عمّا أتاه العرف الاجتماعي والديني، وخاصة فيما يتعلق بمنع تعدد الزوجات. فقد أقرت هذه المجلة إجبارية التعليم للمرأة ومنحها الحق في طلب الطلاق، والحق في العمل. ومن الملاحظ هنا أنّ ما أتت به هذه المجلة هو ما دعا إليه الطاهر حداد في كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، وكان بورقيبة في ذاك الوقت من مناصري الحراك الرافض لهذا الكتاب، لكن بعد الاستقلال عُدّ هذا المؤلف مرجعية أساسية في دعم حقوق المرأة. وقام بورقيبة برفع الحجاب عن إحدى النساء على العلن أمام كاميرات الإعلام في إعلان صريح أنّه مع خروج المرأة دون حجاب. ومن الامتيازات النسبية التي حققتها المرأة آنذاك نجد:

في المجال السياسي

 تُعدّ أولى المكتسبات السياسية للمرأة بعد الاستقلال إقرار حقها في التصويت للانتخابات وذلك سنة 1957، لكنّ تفعيل هذا القرار جاء بعد إحداث المجلس القومي التأسيسي في 6 جانفي 1956، الذي لم تكن المرأة عنصراً فاعلاً فيه لا كمرشحة أو كناخبة. وكانت أول مشاركة سياسية فعلية للمرأة التونسية هي في الانتخابات البلدية الحاصلة بمقتضى الفصل (7) من الأمر الصادر في 14 آذار (مارس) 1957. أمّا أوّل مشاركة لها في الانتخابات التشريعية فقد كانت بعد إصدار دستور جوان 1959. وربما يعود هذا التأخر النسبي في مشاركة المرأة في المجال السياسي إلى معوقات ثقافية ودينية خاصة موقف رجال الدين المحافظين الرافضين لولوج المرأة العمل السياسي باعتباره منوطاً بالرجال، وأنّه لا يُرجى خير من مشاركة المرأة في شؤون الدولة. فهذه المسألة كانت محل صراع بين التيارين الحداثي والمحافظ، فالأوّل اعتبر أنّ قضية تحرير المرأة هي ركيزة أساسية في المسار التنموي لبناء الدولة الحديثة، إلا أنّ هذا التسويق السياسي عُدّ إيديولوجية موظفة وتسويقية للنظام السياسي آنذاك، وهذا ما عكسه واقع المشاركة السياسية للمرأة في تلك الفترة، فعلى مدار فترتين نيابيتين بعد الاستقلال (1959-1964) و(1964-1969)، كانت توجد ممثلة نسائية وحيدة، وهي السيدة "راضية حداد"، "لكن كان الأمر مفهوماً في أول تركيبة للبرلمان، فإنّ تواصله على مدى 10 سنوات يعكس غياب أيّ تقدم ملموس في هذا المستوى".

وتُعدّ راضية الحداد من أهم النساء الفاعلات في الفترة الاستعمارية وبعد الاستقلال، وكانت مناضلة فذة مستميتة في الدفاع عن الحقوق السياسية للمرأة. وقد شاركت مدة (3) سنوات فقط كنائبة في المجلس التأسيسي لتغادره في سنة 1962، وانضمت في سنة 1968 إلى اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم، ونشطت فيه إلى غاية سنة 1972. ورغم انبهارها بشخصية الحبيب بورقيبة، إلا أنّها عارضته بشدّة بخصوص مساندته لتجربة التعاضد التي وضعها أحمد بن صالح (1962-1969)، التي مثلت وبالاً على المجتمع التونسي وسبباً في تعميق الأزمة الاقتصادية للبلاد، كما نددت بسياسة بورقيبة تجاه طلاب الجامعة على إثر المواجهات والمظاهرات التي قاموا بها ضد السلطة في فيفري 1972. وقد كانت راضية الحداد جريئة مثل جدها لأمّها "العربي زروق" الذي وقف ضد محمد الصادق باي في توقيعه لوثيقة الحماية التي بمقتضاها تم احتلال تونس من فرنسا، فهي لم تتوانَ في التعبير عن رفضها لسياسة بورقيبة الاستبدادية تجاه كل من يعارضه، الذين كان مآلهم السجن والإحالة التأديبية على الخدمة العسكرية.  ونتيجة لمواقفها السياسية المعارضة للنظام السياسي آنذاك تم التضيق عليها حتى أنّها قدمت استقالتها من رئاسة الاتحاد القومي النسائي التونسي سنة 1972، وكذلك تم إقصاؤها من كامل مهامها السياسية داخل اللجنة المركزية للحزب الحاكم. وفي سنة 1974 تم تقديمها للمحاكمة والزجّ بها في السجن بتهمة الفساد والثراء غير المشروع.

وفي السنة نفسها التي حوكمت فيها راضية حداد تم انتخاب فتحية مزالي كثاني نائبة بعد الاستقلال بـ (15) سنة، وفيه تولت منصب نائبة رئيس المجلس، وتُعدّ فتحية مزالي البديلة السياسية التي اختارتها السلطة بعد سخطها على السيدة راضية، فقد خلفت الأخيرة في رئاسة الاتحاد القومي النسائي وبقيت على رأسه إلى غاية سنة 1986، وكانت أيضاً مستشارة ببلدية تونس العاصمة ما بين 1957 و 1960، وفي عهد زوجها محمد مزالي الوزير الأول للدولة التونسية كانت أول امرأة تُعيّن وزيرة، وكان من نصيبها وزارة العائلة والنهوض بالمرأة، وذلك سنة 1986، أمّا ثاني امرأة تولت منصباً وزارياً في الفترة البورقيبية (وزارة الصحة)، فقد كانت الطبيبة والسياسية "سعاد اليعقوبي الوحيشي" وذلك سنة 1984، ولكن قبلها تولت عمادة كلية الطب بسوسة من سنة 1974 إلى غاية سنة 1988. ورغم مزايدة سلطة بورقيبة على قضية تمكين المرأة سياسياً، فقد اتضح زجّه بالقضية في أحكام اللعبة السياسية عندما لم يتردد في المؤتمر السادس للاتحاد الوطني للمرأة التونسية في قوله: إنّ "المرأة التونسية ليست مضطرة إلى الخروج للعمل خارج منزلها"، والملاحظ في تاريخ الحركة النسائية في تونس سيجد أنّها لم تخرج من جلباب السلطة السياسية، لأنّ "دورهن كان يقتصر على التنفيذ لإملاءات السلطة وبرامجها، وهو ما عنته بشيرة مراد بقولها: "من الطبيعي أنّ أناساً يزرعون وآخرون يحصدون".

-المجال النقابي والجمعياتي

 إنّ العمل النقابي النسائي لا يُعدّ وليد الاستقلال، بل على العكس تماماً، فقد نشط العديد من النساء في الاتحاد العام التونسي للشغل، وكان ذلك بدعم من المناضل الشهيد "فرحات حشاد". وتُعدّ السيدة "شريفة المسعدي" رائدة العمل النقابي، وقد تعرضت خلال نضالاتها إلى عدة ملاحقات من السلطة الاستعمارية، وتولت عدة مهام قبل الاستقلال وبعده، منها الكاتبة العامة لنقابة التعليم التقني والمهني من 1947 إلى غاية 1968، وكانت عضواً بمكتب الفيدرالية الوطنية للتعليم. كما أنّ العمل النقابي النسائي في تونس قد تطور في فترة بناء الدولة، وأولى خطواته هي تأسيس "لجنة المرأة الوطنية" داخل الاتحاد العام التونسي للشغل، وذلك لخلق تداخل بين العملين النقابي والنسوي من أجل ترسيخ فكرة وجوب انخراط المرأة في العمل كضرورة حتمية للمتغيرات الحاصلة في صلب المجتمع التونسي آنذاك، وهذه كانت أهمّ قضية تم التداول فيها ضمن نشاطات النقابة، إلى جانب تدارس قضية المرأة ونشاطها السياسي.

وهنا يجب أن نسوق ملاحظة مهمّة، وهي أنّ النساء في تلك الفترة قد تعرضن للتمييز، على الرغم من فاعليتهن في صلب الأحزاب اليسارية والاتحاد العام لطلبة تونس، لذلك قررن مغادرتها وتأسيس كيان نسائي بامتياز يتكون من فاعلات ينتمين إلى سلك التعليم العالي والتعليم الابتدائي وعاملات بالقطاع العمومي وطالبات، وكان هذا الفضاء يُسمّى "نادي الطاهر الحداد للدراسات ولشؤون المرأة"، وهو النواة الأولى للعمل النسوي ما بعد الاستقلال، وقد تأسس سنة 1978. ويُعدّ هذا النادي أول فضاء للمسار الثقافي والنضالي للحركة النسوية التونسية، وفيه تم أول احتفال باليوم العالمي للمرأة في 8 آذار (مارس) تحت شعار "النساء والتشغيل". وهذا الفضاء النسوي هو رد فعل احتجاجي على أحادية النظرة للقضية النسائية، وتجاهل السلطة لمطالب التمكين النسائي، فالحركة اعتبرت أنّ النظام البورقيبي آنذاك وظف قضية المرأة لصالحه، بمعنى أنّ القضية كانت واجهة لتلميع صورة النظام التي تروج لدعم حرية وتمكين المرأة تماشياً مع النظم الحداثية، ولهذا سنّ النظام العديد من القوانين والتشريعات التي احتسبت على المرأة كمكسب، لكن الحقيقة أنّه كانت هناك فجوة عميقة بينها وبين الواقع المعيش للمرأة التونسية. ففاعلية رائدات النادي لم تقتصر على قضايا حقوق المرأة فقط، وإنّما قمن أيضاً بمساندة الدعاوى المناهضة لحركة الاتجاه الإسلامي في تونس، فكما هو معلوم شهدت البلاد في أواخر سبعينات القرن الماضي عدة حركات احتجاجية طلابية، ومنها الحركة الإسلامية التي قدّمت نفسها كحركة احتجاجية ضد التغريب الهوياتي والديني الذي انتهجه بورقيبة ضد التونسيين، ومن بين الرمزيات التي اعتمدتها الحركة الحجاب باعتباره أهمّ مقوم إسلامي، وبالتالي وجوب عودة المرأة للالتزام به، وهو شرط الولاء والانتماء إلى الحركة، وقد انخرط العديد من الطالبات والتلميذات في مسارات الحركة، وهو ما أدى إلى عودة الحجاب إلى الفضاء العام بعد غياب أكثر من عقدين، وهذا ما رفضته الحركة النسوية، وجندت كل تابعاتها من أجل التصدي لكل مظاهر وأشكال العودة إلى الماضي. واعتبرت الحركة النسوية في تونس أنّ حركة الاتجاه الإسلامي بكل رمزياتها وأشكال الانتماء التي اعتمدتها، إنّما هي تهديد فعلي للمسار الحقوقي للمرأة وللمكتسبات التي حازتها بعد عناء. وبهذا عدّ النادي الطاهر الحداد الفضاء التأسيسي لتشكيل النسوية التونسية بملامحها الحداثية، وعدت هذه نقطة الانطلاق الفعلية لثورة نسائية بدأت بمحو الصورة النمطية والتقليدية للمرأة، ورسمت لنفسها صورة المرأة المستقلة عن التوجيهات والإرشادات الخارجية، محاولة في هذا الصدد برهنة إرادتها وفاعليتها بعيداً عن الوصاية والتوجيهات الذكورية المحتكرة للسلطة، وهذا ما أكدته الأستاذة "آمال القرامي" بقولها: "لم تؤمن النسويات بضرورة تكريس الثقافة المدنية القائمة على حق المواطن/ة في المشاركة في كافة مراحل البناء... بل إنهن عملن أيضاً على التحرر من سلطة الزعيم - الأب، ومن أسر الفكر الخرافي، فبدأت الدعوة إلى تجسيد مظاهر العقلنة، وسيادة الفكر النقدي جلية في خطابتهن". لقد حاولت الحركة النسوية في العهد البورقيبي أن تتدارس (3) قضايا ذات أهمية، أوّلها وضعية المرأة في علاقتها بالسلطة، وثانيها المشاكل المعرقلة لتحقيق ذاتها وكينونتها مثل المسائل المتعلقة بعمل المرأة الحامل كعطل الأمومة، وأيضاً عدم المساواة وطول ساعات العمل، والطرد التعسفي... وغيرها من المسائل الأخرى التي تم التداول فيها ضمن التقرير الاقتصادي والاجتماعي للجنة المرأة، وذلك في سياق المؤتمر السادس عشر للاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1984، وثالثاً الحفاظ على المكتسبات التي حققها نضالها النسوي، الذي حاولت تجذيره والتقدم بتحقيق نقاط لمزيد فاعليته.

ورغم المجهودات النسائية في المرحلة الاستعمارية، ثم فترة بناء دولة الاستقلال، إلا أنّ حضور المرأة وتسلّمها المناصب السيادية أو حتى القيادية كان ضعيفاً جداً. فمثلاً من سنة 1968 إلى غاية سنة 1988 لم يوجد في تونس إلا قاضية واحدة، وفي هذه الفترة (1988) ارتفع عدد القاضيات إلى (88) قاضية من جملة (733) قاضياً، أي بنسبة لا تتعدى 10.5%، ناهيك أيضاً عن الوظيفة العمومية، فعلى سبيل المثال نجد هذا الجدول الذي يوضح نسبة الموظفات في الإدارات التونسية ما بين 1977 و1984 مقارنة بإجمالي الموظفين الذكور، والذي يعكس حالة التباطؤ في تمكين المرأة بعد نصف قرن من الاستقلال.

العام

عدد النساء

العدد الإجمالي

النسبة المئوية للنساء (%)

1977

12263

106325

14.4

1984

51433

512772

23.7

المصدر: أمانة الدولة لشؤون الموظفين 

وربما تُفسّر هذه النتائج بأنّ فكرة عمل المرأة ما زالت لم تتجذر آنذاك في ثقافة المجتمع التونسي، إلى جانب طبعاً أنّ فكرة التأهيل والتكوين كانت ناقصة بالنسبة إلى المرأة، وهذا ما ذكرناه آنفاً حين ذكرنا نشاط الحركة النسائية في نادي الطاهر الحداد، فبالرغم من تنديدهن بنقائص تمكين المرأة والدعوة إلى المساواة المطلقة في العمل مع الرجال، إلا أنّ الواقع كان عكس المأمول بالنسبة إليهن، وهذا ما يؤكده الجدول التالي

الوظيفة

1984

ذكور

إناث

أمين عام

45

صفر

مدير عام

63

صفر

مدير

360

13

مدير مساعد

576

16

رئيس دائرة

1260

106

المجموع الفرعي

2304

135

المجموع

2439

النسبة المئوية

94.5

5.5

إنّ ما لاحظناه في سياق المجريات التاريخية منذ الاستقلال إلى غاية صعود نظام زين العابدين بن علي، هو أنّ النظام السياسي آنذاك وظف المرأة من أجل سببين؛ أوّلاً دعم القوى الناعمة للسلطة السياسية وضمان ولائهن، ثانياً التسويق لصورة المرأة التونسية الحداثية التي لا تختلف عن صورة نظيرتيها التركية والفرنسية، وهي الصورة التي لطالما رغب بورقيبة في تطبيقها على تونس سياسياً واجتماعياً، وبالتالي حتى هذه المكتسبات النسبية لم تكن نتاجاً لضغط نسوي، بل كانت نتيجة لمشروع تحديثي تبنّاه بورقيبة يروّج لفكرة المساواة لكلا الجنسين أمام القانون، وبالتالي حتى أنّ مجلة الأحوال الشخصية هي مكسب وطني أكثر منه إنجازاً للحركة النسوية،  لذلك عُدّ الخطاب السياسي البورقيبي "خطاباً عن المرأةـ وليس للمرأة".

2-فاعلية المرأة في العهد النوفمبري (عهد زين العابدين بن علي)

يُعدّ يوم 7  تشرين الثاني (نوفمبر) 1987 يوماً مصيريّاً في تاريخ تونس، ففي هذا اليوم انتهى حكم بورقيبة، وبدأ حكم بن علي إثر انقلاب أبيض على سلطته، وفيه دخلت تونس مرحلة جديدة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وهذا ما انعكس أيضاً على واقع المرأة وفاعليتها وحظوظها داخل هذه المنظومة السياسية الجديدة. ففي هذه الفترة أخذت مسألة تمكين المرأة تتبلور أكثر، وهنا سنسوق ملاحظة مهمّة جداً، وهي أنّ وضع المرأة في السنوات الثلاث الأولى من حكم بن علي لم يختلف كثيراً عن عهد بورقيبة، لكن بداية من أول التسعينيات، أي مع الاستقرار التام لحكم بن علي بعد (3) سنوات من صراعه مع المنتمين إلى حركة الاتجاه الإسلامي، وكذلك للموالين لبورقيبة والرافضين للانقلاب، إلى جانب طبعاً صدور التقرير الأول للتنمية البشرية للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة في أول التسعينات، وهذا ما أدى إلى تنامي الاهتمام بمقاربة النوع الاجتماعي في السياقات التنموية للدول، وهذا ما دفع بالدولة التونسية لتبنّي هذه المقاربة، لكن ضمن سياقات السلطة السياسية، وهذا ما عكسه التطور النسبي لحضور المرأة في مختلف المجالات بتونس مقارنة بالعهد البورقيبي:

-المجال السياسي

في هذه المرحلة التاريخية من حيث النظام السياسي والنظام الدولي باعتبارها مرحلة العولمة،  اكتسبت المرأة بعض الاستحقاقات التي كرست تمكينها حتى وإن كان هذا التمكين نسبياً، وسنفسر لاحقاً لماذا قلنا هذا، فوفقاً للإحصائيات التي قدمتها وزارة المرأة نجد أنّ المرأة التونسية في عهد بن باتت تتبوأ عدة مناصب كان بعضها يُعدّ ذكورياً بامتياز كتولي أول امرأة لمنصب والية (محافظ) على ولاية زغوان وذلك سنة 2004، وكأمثلة أخرى نجد "وزيرة البيئة والتهيئة الترابية سنة 1999، كما عينت امرأة وزيرة للتكوين المهني والتشغيل سنة 2001، وبلغت نسبة النساء في الحكومة سنة 2001 9.25%، أي وزيرتان من مجموع (29) وزيراً، أمّا في 2004، وبعد التعديل الوزاري، أصبح عددهن في الحكومة (7) نساء من بين (47) عضواً في الحكومة، ليتراجع العدد في آخر حكومة قبل الثورة في 14 جانفي 2011 . فقد ضمت حكومة 2009 وزيرة واحدة من أصل (30) وزيراً و(4) كاتبات دولة من أصل (13) كاتب دولة، وعينت امرأة عضواً في الديوان السياسي للتجمع الدستوري الديمقراطي من مجموع (10) أعضاء"، هذا ووصل انخراط المرأة وفقاً للجنة المركزية للحزب الحاكم إلى "22% سنة 1998، وبلغت نسبة تمثيلية النساء في السلك الديبلوماسي لسنة 2004 24%، وقد تراجعت هذه النسبة سنة 2009 إلى 16.8%".

أمّا بخصوص مشاركة المرأة في البرلمان التونسي، فقد اعتمد نظام بن علي في تسعينات القرن الماضي نظام "الكوتا"، بمعنى المحاصصة النسائية في التمثيلية البرلمانية، وتتم وفقاً للنسب التي يحددها النظام السياسي. على سبيل المثال، في انتخابات تشرين الأول (أكتوبر) 1994 بلغت نسبة التمثيلية النسائية بالبرلمان التونسي 20% من جملة (182) مقعداً، وتضم هذه النسبة المنتميات إلى الحزب الحاكم وكذلك المعارضة. أمّا في انتخابات 1999، فقد سجل التاريخ ترأس امرأتين لأول مرة قائمتين انتخابيتين، وبلغت نسبة النائبات بالبرلمان 11.5% من جملة المقاعد، لتبلغ هذه النسبة في انتخابات 2004 22.7%، وتصل في انتخابات 2009،  وهي آخر انتخابات قبل الثورة، إلى 27.59%. وقد كانت المرأة أيضاً ممثلة في مجلس المستشارين ففي سنة 2004 ضم المجلس (17) مستشارة، أي بنسبة 15.4%، لتتطور هذه النسبة إلى 19% في انتخابات 2009. وحسب ما نلاحظه من الإحصائيات المقدمة آنفاً أنّ نظام الكوتا حدد حضور المرأة في مواقع القرار بما لا يتجاوز نسبة 25% على الرغم من التصاعد النسبي من فترة إلى أخرى، وهو ما يحيلنا إلى أنّ حضور المرأة في النظام هو حضور حذر يعكس هيمنة النزعة الذكورية على النظام السياسي، وبالتالي فإنّ مسألة تمكين المرأة هي مسألة استثمر فيها النظام إعلاميّاً من أجل التسويق لصورة نموذجية عن سياسته، خاصة أنّ كل المناصب السيادية مُنحت للرجال دون النساء، رغم أنّ عدداً منهن أرفع مستوى تعليمياً منهم.

وعلى المستوى الدولي، نجحت المرأة التونسية في أن تتبوأ العديد من المناصب الدولية، فقد انتُخبت كنائبة لرئيس الرابطة الاشتراكية الدولية للنساء، "وانتُخبت عضواً في الاتحاد البرلماني الدولي، ورئيسة للرابطة الدولية بين الحكومات مكلفة ببرامج الشراكة جنوب /جنوب، فيما يتعلق بالشعوب والتطور، كما انتخبت للمرة الثالثة على التوالي عضواً في اللجنة الأممية للقضاء على التمييز ضد المرأة (CEDAW)، وعُينت المرأة التونسية مديرة لمصالح تطوير الإعلام باللجنة الاقتصادية لأفريقيا (CEA)، وانتُخبت محافظة جهوية للمجلس الدولي للبيئة وأمينة عامة للمنظمة العربية للأسرة، ومستشارة إقليمية للجنة الاقتصادية الأممية لأفريقيا مكلفة بالحقوق الشرعية والإنسانية للنساء".

-حضور المرأة في النقابات والجمعيات

تُعدّ جمعية النساء الديمقراطيات (ATFD) من أهم الجمعيات النسوية التي هيكلت مسار النضال النسوي اليساري، وقد تأسست سنة 1989، وتعمل الجمعية من أجل القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ومن أجل تحقيق المساواة الفعلية، إلى جانب مناهضة كل أشكال العنف ضد المرأة، وما زالت هذه الجمعية منذ تأسيسها إلى اليوم تدعم المسار الحقوقي للمرأة. كذلك نجد الاتحاد الوطني للمرأة التونسية، وهو ذاته الذي كان يُسمّى الاتحاد القومي النسائي التونسي، الذي ذكرناه من قبل. وقد حافظت هذه المنظمة على ارتباط نشاطاتها بنشاطات الحزب الحاكم في تونس، وكان يعتبر من المنظمات القومية الدائرة في فلكه. 

أمّا بخصوص العمل النقابي النسائي، فلم يختلف الوضع في عهد بن علي كثيراً عمّا سابقه، لأنّ السلطة والسطوة الفعلية هي للرجال داخل الاتحاد العام التونسي للشغل، رغم أنّه قد وقع في أول التسعينات إدراج مطالب حول الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمرأة في خطابات النقابيين الرجال، لكنّ هذا لم يمنحنهن السلطة، رغم أنهنّ مثلن تقريباً النصف من الأعضاء (40%)، كما كن عضوات فاعلات داخل الحركة النقابية، إلا أنهن شبه مغيبات عن المراكز القيادية، وهذا استخلصناه من دراسة قام بها الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 2006، وفيه وجدنا أنّ نسبة النقابيات المسؤولات قد بلغت 9% من جملة المسؤولين، أمّا على المستوى المحلي والقاعدي وخاصة على مستوى النيابات النقابية، فإنّها ارتفعت إلى (13%)، وفي المقابل فإنّها تتدنى إلى 4% على مستوى الجامعات الوطنية والاتحادات الجهوية، ولذلك "خلال سنة 2005، أصدر قسم المرأة والشباب العامل والجمعيات منشوراً "منشور عدد 79 بتاريخ 4 آذار (مارس) 2005"، وجّه إلى كافة الاتحادات الجهوية لتجديد اللجان الجهوية للمرأة العاملة، وكان لا بدّ من انتظار سنة 2010 لنشهد انتخاب النساء النقابيات من طرف مثيلاتهن". وممّا تقدم يمكن أن نفسر أنّ عدم وجود المرأة في مراكز السلطة داخل الحركة النقابية يعود إلى تمثلات البناء الاجتماعية حول عدم كفاءتها لتتبوأ المناصب القيادية، "فهذا البناء الاجتماعي يعيد تشكيل الهوية النقابية للنوع الاجتماعي، ويعيد إنتاج الاختلاف والتقسيم الاجتماعي للعمل النضالي بين الجنسين، وقد كشف العديد من الدراسات السابقة أنّ الفاعل النقابي هو كل متناقض"، لاعتبار مهم وهو أنّ المرأة في الحركات النقابية كغيرها من الحركات الأخرى مجرد وسيلة تعبئة، كما أنّها تُعدّ دائماً صورة يتم من خلالها تلميع هذه الحركات التي تروج لحقوق المرأة ومساواتها مع الرجل، ولكن "تتبين لنا الهيمنة الذكورية على الاتحاد العام التونسي للشغل، ولا اعتراف بالمرأة سوى باعتبارها قاعدة عاملة فحسب".

-حضور المرأة في الوظيفة العمومية

تُعدّ مرحلة التسعينات مهمة جداً في المسار الوظيفي للمرأة التونسية، فبعد أن كان عملها مرفوضاً نسبياً، إلا أنّ طبيعة التغيير الاجتماعي الحاصل في صلب المجتمع التونسي من الناحية الثقافية أسهمت في تقبل المرأة كفاعل وظيفي في الفضاء العام، خاصة أنّ مستوى التعليم الجامعي للمرأة قد ارتفع مقارنة بثمانينات القرن الماضي، وهذا ما أهلها لتولي مناصب في الوظيفة العمومية، ويوضح الجدول التالي والمأخوذ من إحصائيات أمانة الدولة لشؤون الموظفين تطور عدد الموظفات التونسيات ما بين 1994-1999.

العام

عدد النساء

العدد الاجمالي

النسبة المئوية للنساء%

1994

97025

259913

37.3

1999

109575

294418

37.2

 

وهنا نريد أن نشير إلى نقطة مهمة، وهي أنّ الوضع الوظيفي والقيادي للمرأة التونسية في عهد بن علي تطور عن عهد سابقه، لدرجة أنّ البلاد التونسية تُعدّ أول بلد عربي وإسلامي يسمح قانونها بتولي النساء وظيفة القضاء، وأنّ عدد القاضيات فيها يُعدّ الأعلى عربياً، وفي الجدول التالي سنتبين تطور عدد النساء اللواتي تولين هذا المنصب من 1992 إلى 1999:

العام

النساء

الرجال

المجموع

النسبة المئوية للنساء

1992

231

786

1017

22.71

1997

265

885

1150

23.04

1998

291

921

1212

24

1999

310

993

1303

23.07

 

وحسب المصدر ذاته الذي استقينا منه هذا الجدول، نجد أنّه تم سنة 1994 تعيين أول قاضية على رأس محكمة الاستئناف، وفي تطور دائم سجل تاريخ القضاء التونسي تعيين لأول مرة امرأة في خطة رئيس أول لدائرة المحاسبة، وهي من المناصب القضائية السامية والمرموقة وذلك سنة 1999، وفي السنة التي تليها تمّت ترقية قاضية إلى منصب رئيس محكمة الاستئناف، وهذه تُعدّ سابقة تاريخية منذ الاستقلال إلى ذلك الوقت، أمّا بخصوص سلك المحامين، فقد تطور عدد المحاميات من 10% سنة 1992، إلى 12% سنة 1997، لتبلغ سنة 1998 21.6%.

وتُعدّ قضية تمكين المرأة من القضايا الحقوقية التي دافعت عنها الحركات النسوية، ولعل تأسيس مراكز بحوث تخصّ المرأة أسهم في دعم توجه هذه الحركات والقيام بدراسات وبحوث أكاديمية تتعلق بعلاقة المرأة بالقضايا التنموية، والسياسية، والثقافية، ومن أهم مراكز البحوث نجد:

- مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة (الكريديف)، وهو مؤسسة عمومية تأسس سنة 1990 تحت إشراف وزارة شؤون المرأة آنذاك، ويهدف للإلمام بأوضاع المرأة التونسية وذلك عبر إنجازه لدراسات وبحوث وتقارير حولها، كما يقوم المركز بإنجاز محاضرات وندوات تخص المرأة وسبل تمكينها، إلى جانب توفير إحصائيات مستمدة من بحوث ودراسات ميدانية حول مشاركة المرأة التونسية في الحياة العامة والسياسية، ناهيك أيضاً أنّ هذا المركز يُعدّ مرجعية استشارية مهمة للجهات والهيئات الحكومية حول قضايا التنمية المتصلة بالمرأة.

- مركز المرأة العربية للتدريب والبحوث (كوثر)، تأسس سنة 1993، وهو منظمة إقليمية غير حكومية غير ربحية، يهتم أساساً بالوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للمرأة العربية، ويعمل فرع هذا المركز في تونس إضافة إلى ما ذكرناه على قضايا المتعلقة بالعنف ضد المرأة، وكذلك أوضاع المرأة الريفية، وغيرها من القضايا التي تمسّ المرأة بشكل أو بآخر.

3-الوجه الآخر لفاعلية المرأة التونسية في العهدين البورقيبي والنوفمبري

إنّ المتأمل في التاريخ التونسي سيرى أنّ المرأة التونسية قد تحصلت بعد الاستقلال على عدة امتيازات مقارنة بباقي نساء العالم العربي في ذاك الوقت، فإلى جانب إقرار مجلة الأحوال الشخصية التي أتينا على ذكرها سابقاً، والتي منحتها الحق في اختيار شريك حياتها وطلب الطلاق، إلى جانب تمكينها من حضانة أطفالها، فإنّ دستور 1959 أقرّ مساواتها بالرجل، إلى جانب إقرار برنامج التنظيم العائلي عام 1964 الذي شجع المرأة التونسية على تحديد النسل من أجل صحتها ومردوديتها وفاعليتها داخل أسرتها ومجتمعها.

هذا وقد صادقت تونس بمقتضى القانون عدد 68 لسنة 1985 المؤرخ في جويلية 1985 على اتفاقية "سيداو"، وهي اتفاقية دولية تهدف للقضاء على جميع أشكال التميز ضد المرأة وتحقيق مساواتها الكلية مع الرجل في كل المجالات سواء كانت السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية...، ولكنّها تحفظت على بعض موادها كمنح الحق للمرأة في أن تسند لقبها العائلي أو جنسيتها لأبنائها، كذلك مسألة القوامة وغيرها من المسائل الأخرى التي ارتأى فيها النظام السياسي خروجاً عن المعايير الثقافية للمجتمع. كما أقرّ النظام النوفمبري احتفالاً سنوياً بالمرأة "عيد المرأة"، وهو يوم عطلة يحتفى به إلى يومنا هذا كل يوم 13 آب (أغسطس)، وهو يوافق تاريخ إصدار مجلة الأحوال الشخصية المنصفة للمرأة في فترة ما بعد الاستقلال، إلا أنّ كل هذه الإنجازات لم تنصف فعلياً المرأة أو تقوم بتمكينها وفقاً لقدراتها العلمية أو المهنية، ناهيك أيضاً أنّها لم تحمها من عنف من يتاجر بصورتها والتسويق لإنصافها لأجل تلميع سياسته أمام النظم الخارجية، وما نقصده هنا كيفية تعامل كلا النظامين البورقيبي والنوفمبري مع النساء المعارضات لسياستهما، ولعل شهادات نساء اليسار المنتميات في سبعينات القرن الماضي إلى حركة "البرسبكتيف"  أكبرر دليل على العنف السياسي الذي تعرضن له. لقد كانت المحاكمات في سبعينات القرن مبنية على تهم كيدية كالتآمر على أمن الدولة وتوزيع منشورات محرضة على النظام السياسي، والانتماء إلى جمعيات وجماعات غير مرخص لها...، وغيرها من التهم التي كانت تعكس قمع النظام الحاكم لأيّ صوت أو خيار معارض لتوجهاته وسياسته. وقد استمر هذا النمط الإقصائي نفسه مع بن علي الذي انتهج التمشي البورقيبي ذاته، فقد عايشت الشابات المنتميات إلى اليسار، وكذلك المنتميات إلى حركة الاتجاه الإسلامي آنذاك، أبشع أنواع التعذيب والإقصاء، وفي هذا سنذكر بعضاً من هذه الممارسات:

-أوّلاً قام نظام بن علي بالتضيق على مؤسسات الحركة النسوية، مثل الراحلة "بشيرة مراد" التي تم التضيق عليها في أيامها الأخيرة، كما منع تكريمها حتى في الأفلام السينمائية التي حاكت رائدات الحركة النسوية.

-ثانياً سمح نظام بن علي لإنشاء الجمعيات والمنظمات النسوية، ولكنّه طوعها في التسويق لصورته السياسية.

-ثالثاً استهدف النظام السياسي بشكل مباشر الناشطات اليساريات، وكذلك الإسلاميات اللاتي حرمن من أبسط حقوقهن في اختيار ملابسهن، فالمتعارف عن بن علي تقويضه للمنتمين إلى الحركات الإسلامية وكل مظاهر الإسلام، فقد فرضت دولة بن علي من خلال منشور عدد 108 غير الدستوري منع الحجاب في المؤسسات العامة، وأطلقت يد البوليس لمزيد من المضايقات والاعتداءات والجرائم النفسية والجسدية ضد النساء. وغضت المنظمات النسوية كأوكسفام وجمعية النساء الديمقراطيات البصر عن التجاوزات التي استهدفت آلاف النساء اللاتي حرمن من أبسط حقوقهن الأساسية، بل الأنكى من ذلك تبنت بعض المنظمات الإجراءات التعسفية ودعمت ممارسات بن علي، فقد "أصدرت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات بياناً عام 2003 للتعبير عن قلقهن العميق حيال انتشار الحجاب في البلاد، وتساءلن عن مسؤولية الدولة في انتشار هذه الظاهرة"، وهذا يحيلنا إلى ما ذكرناه سابقاً أنّ الحركة النسوية في السبعينات كانت مناهضة لحركة الاتجاه الإسلامي التي اعتبروها تهديداً فعلياً لمكتسبات المرأة، وأنّ توجهات هذه الحركة ستعيد الرجعية والارتجاعية التي عايشتها المرأة ما قبل الحركة الإصلاحية. وعلى الرغم من أنّ الحركة النسوية قدمت نفسها مدافعة عن حقوق المرأة إلا أنّ المرأة الملتزمة شرعياً، بغض النظر عن الانتماء السياسي من عدمه، لا تُعدّ من النساء اللاتي وجب الدفاع عن حقوقهن أو التنديد بتعذيبهن، وهنا نريد أن ننوّه إلى نقطة مهمّة جداً، وهي أنّ الحركة النسوية في تونس بعد الاستقلال كانت حركة موحدة تشكلت من مجموعة يساريات تبنين العلمانية كنظام عام لتوجهاتهن، أمّا بخصوص فكرة وجود حركة نسوية إسلامية، فلا وجود لها من الأساس. لقد حاولت سياسة بن علي الترويج لصورة النظام المناصر للمرأة والمدافع عن حقوقها والساعي لتمكينها، ولكن الحقيقة أنّه كان يوجد بسجون بن علي (400) سجينة رأي، ومن أشهر المناضلات وقوفاً ضد سياسة بن علي نجد السياسية "مية الجريبي"، والمحامية "راضية نصرواي، وسهام بن سيدرين، وبشرى بن حميدة...، لبؤات النضال السياسي النسوي. وقد عدت ثورة 2011 فرصة للكشف عن الممارسات والانتهاكات التي تعرضت لها السجينات والموقوفات، وذلك إثر الجلسات المباشرة التي كانت تعرض على القناة الوطنية "لهيئة الحقيقة والكرامة"، والتي تم فيها عرض تجارب المساجين السياسيين داخل سجون بن علي، بما فيهم النساء والكثيرات منهن لم يكن فاعلات سياسيات، بل ذنبهن الوحيد أنهن قريبات معارضين.  ولعل التقرير الذي أنجزته الدكتورة "دوريس. إتش. جراي" الصادر سنة 2018، الذي يحمل عنوان "من يسمع صوتي اليوم؟ النساء الضحايا غير المباشرات في تونس"، يوضح عذاب الآلاف من النساء مع المنظومة الأمنية التي لم تقتصر على التعذيب، وإنّما أيضاً على فرض المراقبة الدورية، أي إجبارهن على الذهاب دورياً إلى مركز الشرطة. كذلك تم عزل الكثيرات منهن من وظائفهن، ناهيك أيضاً عن فرض عزلة اجتماعية عليهن، لدرجة أنّ تواصل أحد من الجيران معهن قد يعرّضهم للمضايقات والتتبعات الأمنية. ونتج عن هذا عدة تبعات نفسية ما زالن يعشن فيها حسب التقرير. 

ونستنتج ممّا سبق أنّ الحركة النسوية في كلا العهدين البورقيبي والنوفمبري كانت أداة وظفها النظام للتسويق لصورة رسمها لنفسه، فعلاقته بها هي علاقة نفعية، كما أنّه نجح في جعلها تحت الوصاية، لذلك فرغم أنّ النساء "تقدمن في مستوى التعليم وحظين بمؤشرات جيدة في تحسن وضعهن الصحي والإنجابي غير أنهنّ يمثلن نسبة ضعيفة في القوى العاملة والتمكين السياسي".

قائمة المصادر والمراجع:

  1. هذا البحث جزء من مشروع ممول بمنحة من مركز ومسجد المجادلة للمرأة.
  2. حفيظة شقير، محمد شفيق صرصار، النساء والمشاركة السياسية: تجربة الأحزاب السياسية، والنقابات والجمعيات المهنية، (تونس، المعهد العربي لحقوق الانسان، 2014)، ص 35، نقلا عن:

            CDN, Les élections présidentielles et législatives, 1959-1974, Tunis.

  1. تجربة التعاضد دامت من 1962 إلى غاية 1969، هي تجربة اشتراكية أقرها النظام البورقيبي، من خلال اعتماد برنامج حكومي يحمل إسم "الآفاق العشرية للتنمية 1962-1971″ ، والذي تبعه قانون عدد 19 المؤرخ في 25 ماي 1963 المتعلق بـ "إحداث الوحدات التعاضدية تحت اشراف أحمد بن صالح وهو نقابي وخريج جامعة السربون وقد اعتبر مهندس هذه المرحلة والمقصود بها تجميع أراضي صغار الفلاحين وتنظيمها، بالإضافة إلى سيطرة الدولة على قطاعات اقتصادية أخرى مثل التجارة. تهدف التجربة إلى تحقيق التنمية الشاملة والعدالة الاجتماعية، لكن هذه التجربة عمقت الأومة التنموية للبلاد خاصة بعد تململ التونسيين ورفضهم لهذه السياسية وأمام تردي الأوضاع الاقتصادية وكثرة الاحتجاجات قام بورقيبة  بعزل أحمد بن صالح من مهامه، وتم إحالته على المحكمة العليا بتهمة الخيانة العظمى في ماي 1970 وقد أصدرت عليه حكما ب10 سنوات أشغالا شاقة.
  2. هاجر خنفير، الحركة النسائية والتوظيف السياسي في تونس خلال الفترة البورقيبية، مقال ضمن مؤلف جماعي بعنوان: قراءات في الحركة النسائية التونسية، إشراف زينب التوجاني، (تونس، الدار التونسية للكتاب، 2020)، ص 97.
  3. أحمد خالد، أضواء من البيئة التونسية على الطاهر حداد ونضال جيل، (تونس، الدار التونسية للنشر، 1985)، ص 101.
  4. آمال القرامي، تمثلات التغيير من منظور النوع الاجتماعي(الجندر)، مداخلة قدمت في مؤتمر فيلادلفيا السابع عشر، ثقافة التغيير، الأبعاد الفكرية والعوامل والتمثلات 6-8 نوفمبر 2012، عمان الأردن، ص 7، رابط المقال:

https://www.philadelphia.edu.jo/arts/17th/day_one/session_one/amaal.doc

  1. نائلة السليني الرضوي، مجموعة من الباحثين، تقرير مشاركة المرأة التونسية في الحياة السياسية والتصويت، (المنتدى العربي للمواطنة في المرحلة الانتقالية، سبتمبر 2014)، ص 6.
  2. نفس المرجع، ص 7.
  3. نائلة السليني الرضوي، مجموعة من الباحثين، تقرير مشاركة المرأة التونسية في الحياة السياسية، مرجع سابق، ص 9.
  4. نفس المرجع، ص 9.
  5. نفس المرجع، ص 10.
  6. درة محفوظ دراوي، النساء التونسيات في الشغل والحركة النقابية، (تونس، مؤسسة فريدريش إيبرت، 2018)، ص52.
  7. نفس المرجع، ص 71.
  8. تقرير مركز المرأة للبحوث والتدريب (كوثر) بعنوان: Femme arabe et prise de décision, 1998. P 40.
  9. نائلة السليني الرضوي، مجموعة من الباحثين، مرجع سابق، ص 9.
  10. نفس المرجع، ص 9.
  11. البرسبيكتيف، هي حركة طلابية تونسية نشأت بفرنسا سنة 1963، وهي وليدة الصراع بين الحزب الاشتراكي (الحزب الحاكم آنذاك) والقوى الطلابية اليسارية، وكان من نتائجها الغاء النظام الحاكم لمظاهر التعددية الحزبية وتجذير سياسية الحزب الواحد.
  12. انيس العرقوبي، هن والثورة...إرث بورقيبة الذي حاصر حقوق المرأة التونسية، نشر في 28 ديسمبر 2020، رابط المقال: https://www.noonpost.com/39358/تمت الزيارة، يوم 10/05/2025

           

  1. رابط التقرير:

https://www.ictj.org/sites/default/files/ICTJ_Report_Indirect_Victims_Tunisia_AR.pdf

  1. دوريس إتش جراي، من يسمع صوتي اليوم؟: "النساء الضحايا الغير مباشرات في تونس"، "المركز الدولي للعدالة الانتقالية، 2018)،  لمزيد التفاصيل انظر التالي:

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية