النبي محمّد في المتخيّلات الأوروبيّة: محطّم الأصنام و محرر العبيد

التراث الإسلامي

النبي محمّد في المتخيّلات الأوروبيّة: محطّم الأصنام و محرر العبيد


16/09/2019

يشير الباحث الأمريكي، جون تولان، في واحدة من محاضراته في جامعة "نانت" في فرنسا، إلى تفضيله استخدام لفظ "موهميت" (Mahomet)، للحديث عن التخيلات التي يمتلكها الغرب عن نبي الإسلام، عليه السلام، ويضيف أنّه، كمختص في الدراسات الدينيّة في  العصور الوسطى، يرى أنّ أوروبا ابتدعت شخصيّة مُختلفة عن "محمّد/ النبي العربيّ"، سُمّيت "موهميت" (بحسب اللفظ الأجنبي)، واستخدمتها كأداة سياسية لانتقاد الكنيسة والسلطنة العثمانيّة، ولم يظهر محمد، عليه السلام، كنبيّ للإسلام إلا في منتصف القرن التاسع عشر؛ حيث بدأت الدراسات التاريخيّة الجديّة تتناول سيرته وأثره الديني والسياسيّ.

في "مقالة عن أخلاق وروح الأمم" كتب المفكر الفرنسي فولتير عن نبيّ الإسلام بوصفه محرّر العرب من الفرس والرومان

لفهم هذه الثنائيّة أكثر؛ لا بدّ من العودة إلى فترة الحروب الصليبيّة، وبدايات القرن الثاني عشر؛ إذ كان المتداول حينها  أنّ "موهميت" ليس نبياً مدّعياً فقط، بل صنماً من الأصنام الشرقيّة، وواحداً من الآلهة القديمة، كحالة اليونان والرومان؛ إذ قيل إنّه صنم لـ "الساراسين"، وهو المصطلح الذي كان يشير إلى سكان الشرق الذي يؤمنون بالإسلام، دون التحديد بدقة؛ أي "شرق" هو المقصود،  وكانت العداوة ضدّ شخصه حينها في أوجها، حتّى إنّ بعضَ النسّاخ وكتاب المخطوطات، كانوا يمحون صورته بصورة متعمَّدة، بوصفه تهديداً للمسيحيّة، ولا يجوز ذكره أو تداوله.

اقرأ أيضاً: الجابري محاولاً الإجابة عن أميّة النبي
بنيت شخصية "موهميت" على كثير من الأساطير والخرافات، أساسها الاتهامات بالهرطقة والمعجزات الكاذبة والشعوذة، لكنّها بدأت تتغير منذ القرن السابع عشر؛ إذ أعيد النظر في سيرته، وفي  ترجمات نصّ القرآن الكريم، ليصبح  لاحقاً رمز اً تمنّى نابليون أن يكون مثله، كمشرّع وقائد، بل وكتب عنه في مذكّراته، من منفاه في  جزيرة "سانت هيلانة"، خصوصاً أنّ نابليون سبق أن كانت له انتقادات الشاعر الألمانيّ، غوتة، الذي ترجم إلى الألمانيّة مسرحيّة لفولتير، نشرت عام 1736، تسيء لنبي الإسلام، ولا توفيه حقّه.
جون تولان في واحدة من محاضراته

قائد ثوريّ
صدرت ترجمة إنكليزيّة للقرآن الكريم، عام 1649، من أصل لاتيني، ورغم المعارضة الشديدة لها، والتهديد بمنعها، إلا أنّها نشرت، ورغم الإحالات والصورة السلبيّة لـ "موهميت" فيها، إلّا أنّها بدت أكثر عقلانيّة مما سبقها، وكتب مقدمتها "توماس روس"، الذي يُشكّ في أنّ هذا اسمه الحقيقي، لكنّه يشير فيما كتبه إلى أنّ أهمية "محمد" تكمن في أنّه "قائد ثوريّ وسياسيّ، أنجز إصلاحاً دينياً في بلاد "الشرق"، وأخرج سكان المنطقة من عاداتهم، وفتح أعينهم نحو تطلعات أوسع".

اقرأ أيضاً: ذكرى المولد النبوي بمصر.. في حضرة النبي الكريم ينحني التاريخ
الصفات "الإيجابيّة" السابقة، أساسها قراءة سياسية لسيرة النبيّ، عليه السلام، وتشبيهه بالسياسيّ البريطانيّ، أوليفر كرومويل (1599-1658) حينها؛ إذ استخدم موهميت كنموذج للإصلاح السياسيّ.
الأمر ذاته نراه لاحقاً في الكتاب المنشور عام 1671، بعنوان: "أصل وتطور المحمّدية"، الذي يصف كاتبه، الطبيب هنري ستوب، النبيّ محمّد بقوله: "رجل خارج عن المألوف، ذو روح نبيلة"، ليتابع بعدها في سيرته بوصفه سياسياً ناجحاً وثورياً تمكّن من توحيد قبائل العرب وقيادتهم.
شاهدٌ على براءة مريم
استخدمت سيرة النبي محمّد، صلى الله عليه وسلّم، ضمن الجدل الديني في أوروبا في القرنَين الثالث عشر والرابع عشر؛ إذ تمّ تقديمه كـ "شاهد" على براءة مريم  وطهرانيتها، وحملها بلا دنس؛ فهي وابنها، النبي عيسى، عليه السلام، لم يعرفا الخطيئة الأولى، وقد استشهد الكتّاب الفرانسيسكان، مثل: كرامون مارتي، ونيكولاس دو لير، بالحديث المذكور في صحيح البخاري: "ما من بني آدم مولود إلا يمسّه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخاً من مسّ الشيطان، غير مريم وابنها.."؛ لإثبات أنّ المسلمين لا يؤمنون بالخطيئة الأولى، ويبرئون مريم والنبي عيسى، عليه السلام، واستمر هذا التوظيف الدينيّ حتى منتصف القرن الثامن عشر، كما في بعض التمثيلات الأيقونيّة الذي يظهر ضمنها "موهميت" حاملاً نسخة من الحديث السابق.
ضدّ التثليث
الاستخدام الديني والسياسيّ لـ "موهميت" نراه في القرن السابع عشر أيضاً، كما في كتاب "الإنجيل العاري"، المنشور عام 1691، لآرثر بوري، الذي ينكر مفهوم التثليث ويدعو إلى الوحدانيّة، ويرى أنّ أفكار "موهميت" أكثر قرباً من المسيحيّة التي أفسدتها الكنيسة بمفهوم التثليث؛ إذ يفقد حينها "موهميت" صفته كنبيّ مُدع، ويصبح نبياً يدعو إلى العودة إلى الأصول والإصلاح الدينيّ، المتمثل بالتمسّك بدين إبراهيم لإعادة الإيمان بالإله الواحد، وهذا يتطابق مع ادّعاء المسلمين، بحسب الكتّاب، الذين يقولون إنّهم أيضاً من أتباع إبراهيم ويؤمنون بإلهه.
جون تولان يشرح ما أثير من تصورات حول النبي محمد عليه السلام

أيقونة يحتذى بها
مع انتصاف القرن الثامن عشر، تغيّرت النظرة إلى نبي الإسلام؛ إذ انتقد فولتير آراءه السابقة، وذلك في "مقالة عن أخلاق وروح الأمم"، المنشورة عام 1756، وكتب عن نبيّ الإسلام بوصفه محرّر العرب من الفرس والرومان، وذكر كيف كان يتيماً، ومع ذلك آمن به العرب، واتبعوه بوصفه آخر الأنبياء، ومُلغي عادة الأصنام، وداعياً للتسامح والحبّ ونشر المعرفة، الأمر ذاته مع كتاب "زرادشت، كونفوشيوس ومحمد" لإمانويل باوستورتي، المنشور عام 1787، الذي يروي سيرة ثلاثة عظماء من الشرق وأثرهم في التاريخ العالميّ.
"موهميت" الأوروبيّ
ضمن لقاء علنيّ مع جون تولان، أقيم في باريس في معهد الدراسات المتوسطية، يقول إنّ أهميّة النبي محمد السياسيّة بدأت منذ تحريره للعبيد، وتأسيسه لجيش لغزو الفرس، مقدّماً وعداً بالحرية للمؤمنين به، ما جعله شخصيّة سياسية جذابة، كما اهتم به الإصلاحيون والثوريون في أوروبا لإلغائه سلطة رجال الدين في سبيل تأسيس الدولة الجديدة.

تولان: أهميّة النبي محمد السياسيّة بدأت منذ تحريره للعبيد وتأسيسه لجيش لغزو الفرس مقدّماً وعداً بالحرية للمؤمنين به

ويضيف؛ أنّ الاستعمار الفرنسيّ، وضمن تمثيلاته الفنيّة، سعى إلى احتواء الدين الإسلامي وشخوصه ضمن المستعمرات في الشرق لتبرير ما يفعله، كما أنّ هناك بروباغندا عن الإسلام، موجهة للغرب، ما تزال قائمة حتى الآن، نرى أثرها في واجهة متحف الهجرة في باريس، الذي يقتبس من العمارة المغربيّة، ويحوي داخله تمثيلاً للنبي محمد، صلى الله عليه وسلّم، وهو يحتضن الجميع، بينما يهمس له جبرائيل، ويرى تولان أنّ هذه الصورة إيجابيّة، لكنّها استعماريّة أيضاً  كونها تقدّم تمثيلاً مغايراً للأصل، في محاولة لخلق نسخة "عالميّة" من الإسلام، تتطابق مع المتخيل الأوروبيّ و"القيم" التي يدعو لها، ما يجعله أداة يمكن التلاعب بها للمصالح الفرنسيّة المختلفة.
ويقول تولان إنّ صورة النبي محمد، عليه السلام، بدأت تتغير مع ضعف السلطة العثمانية، وغياب التهديد المباشر الذي كانت تشكّله على أوروبا، ما تزامن مع ازدياد رحلات المستشرقين إلى مصر وسوريا، وغيرها من المساحات العربيّة، واهتمامهم بمعرفة الدين الإسلامي عن قرب وتعلم اللغة العربية لدراسة الإسلام من أصوله، لا من ترجمات متلاعَب بها، ما جعل سيرة النبي محمد حينها تأخذ بعداً تاريخياً، لا بوصفه مجرد فكرة تستخدمها أوروبا؛ بل شخصيّة حقيقيّة تتجاوز الخرافات والتوظيف الديني بين البروتوستانت والكاثوليك.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية