الموت في غياب الزعامة: العلم يردّ على ترامب

الموت في غياب الزعامة: العلم يردّ على ترامب

مشاهدة

13/10/2020

إعداد وترجمة: عبد الحكيم الفرقان

في سابقة هي الأولى من نوعها لأكثر من قرنين، نشرت مجلة نيو إنجلند الطبية المرموقة The New England Journal of Medecine  مقالاً تتبنّى فيه موقفاً سياسياً ينتقد سياسة الرئيس الأمريكي دونالد  ترامب في مواجهة كورونا. لقد جعل فيروس كورونا العالم يعيش في أزمة، ولكنّ الرئيس ترامب حوّلها "من أزمة إلى مأساة"، وفقاً للمجلة العلمية المرموقة.

اقرأ أيضاً: إذا فاز ترامب.. ما انعكاسات ولايته الثانية على العالم؟

هذا هو أوّل موقف سياسي تتبنّاه المجلة منذ العام 1812، واصفة حكومة الرئيس ترامب بأنها "غير مؤهلة بشكل يُنذِرُ بالخطر". وتردّد صدى هذا الموقف السلبي من ترامب في مجلات علمية رائدة أخرى، منها مجلة "لانسيت" the Lancet التي دعا محرّروها لتكون رئاسة ترامب لفترة واحدة، ولا يبقى في الحكم حتى 2024. أمّا مجلة ساينتفيك أمريكا Scientific American فقد أنهت 175 عاماً من حيادها السياسي، وأيّدت هذا الشهر ترشيح جو بايدن للرئاسة.

لقد خلق كوفيد 19 أزمة في مختلف أنحاء العالم أفرزت عن اختبار للقيادة. وفي ظل غياب خيارات جيدة لمكافحة الفيروس المستجد، عمدت الدول إلى اتخاذ خيارات صعبة لمواجهته. أمّا في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد فشل قادتنا في هذا الاختبار، لقد حوّلوا الأزمة إلى مأساة.

 الرئيس ترامب حوّلها "من أزمة إلى مأساة"

إنّ حجم الفشل مذهل. فوفقاً لمركز جونز هوبكنز لعلوم وهندسة النظم[1]، تتصدّر الولايات المتحدة العالم في عدد الإصابات والوفيات الناجمة عن الجائحة، متجاوزة بكثير الأرقام المسجلة في الدول الكبرى، مثل الصين. معدل الوفيات في هذا البلد هو أكثر من ضعف مثيله في كندا، ويتجاوز معدل الوفيات في اليابان، وهي دولة بها مجموعة سكانية هشة من كبار السن، بمعامل يقارب 50، حتى أقل من المعدلات في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، مثل فيتنام، بمعامل يقارب 2000. يمثل كوفيد 19 تحدياً استثنائياً، والعديد من العوامل تساهم في خطورته. لكنّ الشيء الذي يمكننا التحكم فيه هو كيف نتعامل مع الوباء. وفي الولايات المتحدة تصرّفنا باستمرار بشكل سيّئ.

في سابقة هي الأولى من نوعها لأكثر من قرنين، نشرت مجلة نيو إنجلند الطبية المرموقة مقالاً تتبنّى فيه موقفاً سياسياً ينتقد سياسة ترامب  في مواجهة كورونا

نحن نعلم أنه كان بإمكاننا القيام بعمل أفضل من ذلك. اختارت الصين، في مواجهة الوباء الأوّل، الحجر الصحي الصارم والعزل بعد تأخير مسبق. كانت هذه الإجراءات صارمة ولكنها فعالة، حيث قضت بشكل أساسي على انتقال العدوى في النقطة التي بدأ فيها تفشي الفيروس، وخفضت معدل الوفيات إلى 3 لكل مليون، مقارنة بأكثر من 500 لكل مليون في الولايات المتحدة.  بدأت الدول التي كان لها تبادل أكثر مع الصين، مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية، في إجراء اختبارات مكثفة في وقت مبكر، إلى جانب تتبع حازم للمخالطين والعزل المناسب. وفي أفضل الأحوال، مع تخفيف القيود لفترة طويلة قبل السيطرة التامة على الوباء. وفي معظم أنحاء البلاد، لا يضع الناس الأقنعة الواقية، ويرجع ذلك، إلى حدٍّ بعيد، إلى قادتنا الذين صرّحوا بأنّ الأقنعة هي أدوات سياسية وليست إجراءات فعالة لمكافحة العدوى. لقد استثمرت الحكومة على الوجه المناسب بكثافة في تطوير اللّقاح، لكنّ خطابها أدى إلى تسييس عملية البحث العلمي، وأدى إلى تزايد انعدام الثقة بين عامة الناس.

اقرأ أيضاً: ماذا قال طبيب البيت الأبيض عن صحة ترامب؟

لقد دخلت الولايات المتحدة في هذه الأزمة بمزايا هائلة. إلى جانب القدرة التصنيعية الضخمة، لدينا نظام بحث طبي حيوي عالمي استثنائي. لدينا خبرة كبيرة في الصحة العامة والسياسة الصحية والبيولوجيا الأساسية، وتمكّنا باستمرار من تحويل هذه الخبرة إلى إنتاج لقاحات جديدة وتدابير وقائية. ويوجد الكثير من تلك الخبرات الوطنية في المؤسسات الحكومية. ومع ذلك، اختار قادتنا إلى حدٍّ بعيد تجاهل الخبراء، بل تشويه سمعتهم.

اقرأ أيضاً: بشار الأسد يرد على تصريحات ترامب حول مخطط اغتياله.. ماذا قال؟

كانت استجابة قادتنا غير كافية على الدوام. تخلت الحكومة الفيدرالية عموماً عن التحكّم في الوباء لمصلحة حكام الولايات. واختلفت ردود الحكام، ليس حسب انتماءاتهم الحزبية بقدر اختصاصاتهم. لكن أيّاً كانت كفاءاتهم، فإنّ الحكام لا يملكون الأدوات التي تتحكم فيها واشنطن. بدلاً من استخدام هذه الأدوات، قامت الحكومة الفيدرالية بتقويضها. تمّ تجريد مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، التي كانت المنظمة الرائدة في مجال الاستجابة للأمراض في العالم، وعانت الاختبارات المروعة وفشل السياسات. لعبت المعاهد الوطنية للصحة دوراً رئيسياً في تطوير اللّقاح، ولكنها استُبعدت من اتخاذ القرارات الحكومية الحاسمة. وقد تمّ تسييس إدارة الغذاء والدواء بشكل مخجل[2]، ويبدو أنها تستجيب لضغوط الإدارة بدلاً من الأدلة العلمية. لقد قوّض قادتنا الحاليّون الثقة في العلم والحكومة[3]، ممّا تسبب في أضرار ستعود عليهم بالتأكيد. وبدلاً من الاعتماد على الخبرة، لجأت الإدارة إلى "قادة الرأي" غير المطلعين والمدّعين الذين يحجبون الحقيقة، ويسهّلون نشر الأكاذيب الصريحة.

لماذا تعاملت الولايات المتحدة مع هذا الوباء بهذا السوء؟

علينا أن نكون واضحين بشأن تكلفة عدم اتخاذ إجراءات أوّلية، وكان تفشي الوباء الذي أثر بشكل غير متكافئ على المجتمعات ضئيلاً نسبياً. وقد اتخذت نيوزيلندا التدابير نفسها، إلى جانب مزاياها الجغرافية، في الاقتراب من القضاء على الوباء، وهو ما سمح لهذا البلد بالحدّ من وقت الإغلاق وإعادة فتح البلاد إلى ما قبل ظهور الوباء. عموماً، لم يكن أداء العديد من الديمقراطيات أفضل من أداء الولايات المتحدة فحسب، بل لقد تفوقت علينا أيضاً بحجم أدائها.

وفقاً لمركز جونز هوبكنز تتصدّر أمريكا العالم في عدد الإصابات والوفيات الناجمة عن الجائحة، متجاوزة بكثير الأرقام المسجلة في الدول الكبرى مثل الصين

 لماذا تعاملت الولايات المتحدة مع هذا الوباء بهذا السوء؟ لقد أخفقت في كلّ خطوة تقريباً. لقد تلقينا تحذيراً كافياً، ولكن عندما ظهر الوباء أوّل مرّة لم نكن قادرين على إجراء الاختبارات بفعالية، ولم نتمكن من توفير حتى أبسط معدات الحماية الشخصية للعاملين في مجال الرعاية الصحية وعامة الناس. وما زلنا متخلفين عن المنحنى في الاختبار. في حين أنّ الأعداد التامة للاختبارات قد زادت بشكل كبير، إلّا أنّ المقياس الأكثر جدوى هو عدد الاختبارات التي يتمّ إجراؤها لكلّ شخص مصاب، وهو معدل يضعنا في أسفل القائمة الدولية، أسفل دول مثل كازاخستان وزيمبابوي وإثيوبيا، وهي دول لا يمكنها التباهي بالبنية التحتية الطبية الحيوية أو القدرة التصنيعية التي لدينا. فضلاً عن ذلك، فإنّ الافتقار إلى تنمية الكفاءات كان يعني غالباً تأخر نتائج الاختبارات الأمريكية لمدّة طويلة، ما جعل النتائج غير مجدية فيما يتصل بالسيطرة على الوباء.

اقرأ أيضاً: بالفيديو.. هذا أول تصريح لترامب بعد خروجه من المستشفى

مع أننا نميل إلى التركيز على التكنولوجيا، إلّا أنّ أغلب التدخلات التي تخلف تأثيرات كبيرة ليست صعبة. فرضت الولايات المتحدة إجراءات الحجر الصحي والعزل في وقت متأخر وغير متسق، وغالباً دون أيّ جهد لتنفيذها بعد انتشار الوباء بشكل كبير في العديد من الولايات. لقد كانت قواعدنا بشأن التباعد الاجتماعي في كثير من الأماكن تفتقر إلى الإرادة، ممّا أدى إلى تفاقم التوترات المرتبطة بعدم المساواة. والعديد من أطفالنا يفقدون المدارس في الأوقات الحرجة في تطوّرهم الاجتماعي والفكري. ولم يتمكنوا من التصرف بحكمة في استخدام العمل الجاد الذي يقوم به إخصائيو الرعاية الصحية، الذين وضعوا حياتهم على المحك. تفخر قيادتنا الحالية بالاقتصاد، ولكن مع أنّ أغلب العالم قد حدّ من قيود الإغلاق، فإنّ الولايات المتحدة ما تزال تعاني من معدل الإصابة المرتفع الذي يحول دون إعادة فتح العديد من الشركات، وما يترتب على ذلك من خسارة مئات المليارات من الدولارات وملايين الوظائف. كما توفي أكثر من 200 ألف أمريكي. وكان من غير الممكن تجنب بعض الوفيات الناجمة عن وباء كوفيد19، ولكن مع استحالة إبراز العدد الدقيق من الخسائر في أرواح الأمريكيين الإضافية، بسبب السياسات الحكومية الضعيفة وغير اللائقة، إلّا أنّ هناك عشرات الآلاف على الأقل في وباء فتك بأرواح عدد من الأمريكيين، يتجاوز عدد القتلى في أيّ صراع منذ الحرب العالمية الثانية.

فرضت الولايات المتحدة إجراءات الحجر الصحي والعزل في وقت متأخر وغير متسق

وأيّ شخص آخر بدّد الأرواح والأموال على هذا النحو بتهوّر سوف يعاني عواقب قانونية. فقد ادّعى قادتنا إلى حدٍّ بعيد الحصانة في تصرّفاتهم. ولكنّ هذه الانتخابات تمنحنا سلطة إصدار الأحكام. لا شكّ أنّ المواطنين العقلاء سوف يختلفون حول المواقف السياسية التي يتخذها المرشحون. ولكنّ الحقيقة ليست ليبرالية ولا محافظة. وعندما يتعلق الأمر بالاستجابة لأكبر أزمة في مجال الصحة العامة في عصرنا، فإنّ قادتنا السياسيين الحاليين أظهروا أنهم غير أكْفاء إلى حدٍّ يُنذِرُ بالخطر. وينبغي لنا ألّا نحثهم ونمكنهم من قتل الآلاف من الأمريكيين، بالسماح لهم بالاحتفاظ بوظائفهم.

هوامش:

[1] Johns Hopkins University Coronavirus Resource Center. COVID-19 dashboard by the Center for Systems Science and Engineering (CSSE) at Johns Hopkins University (https://coronavirus .jhu.edu/map.html)

[2] McGinley L, Abutaleb L, Johnson CY. Inside Trump’s pressure campaign on federal scientists over a Covid-19 treatment. Washington Post. August 30, 2020 (https://www.washingtonpost .com/ health/convalescent-plasma-treatment-covid19-fda/2020/08/ 29/e39a75ec-e935-11ea-bc79-834454439a44_story.html).

[3] Haberman M. Trump admits downplaying the virus knowing it was ‘deadly stuff.’ New York Times. September 9, 2020.

 (https://www.nytimes.com/2020/09/09/us/politics/woodward -trump-book-virus.html).

الصفحة الرئيسية