المفاهيم العشائرية للإسلام السياسي وقصور جماعاته عن فهم آليات الدولة الحديثة

المفاهيم العشائرية للإسلام السياسي وقصور جماعاته عن فهم آليات الدولة الحديثة

المفاهيم العشائرية للإسلام السياسي وقصور جماعاته عن فهم آليات الدولة الحديثة


27/05/2024

ينبني مفهوم الدولة الحديثة على المواطنة؛ أي الوقوف على مسافة واحدة من الجميع دون تمييز جنس، أو عرق، أو لون، أو دين؛ فالدولة تمثل كياناً اعتبارياً يعمل على مصلحة الفرد والجماعة، ويلجأ إليه الجميع؛ ومن ثمّ على هذا الكيان أن يتمتع بالحيادية الكافية، ولا تملك الدولة أيّ تعريف للمنتمين إليها غير صفة المواطن، ويتم قياس مدى نجاح الدولة ونظام الإدارة بقدرتهما على تحقيق رغبات الفرد والجماعة، وعدم انحيازها، وقدرتها على تحقيق التوازن الكافي داخل الأطر الاجتماعية. لذا كان المعتاد من الفصائل السياسية تقديم برنامج يعمل على إرضاء الطموح الفردي والاجتماعي، وتبني من خلاله شعبيتها ودورها داخل المجتمع، وبقدر ما يكون البرنامج مرضياً للبيئة الاجتماعية، بقدر ما تكون شعبية الفصيل السياسي. 

استراتيجية الإسلام السياسي دفاعية هجومية؛ تهدف إلى مقاومة وتصفية الآخر سياسياً، من خلال إبعاده خارج الإطار الديني، ومن ثم الأممي المرتبط بالديني، أكثر ممّا تعمل على دراسة الواقع وتحديد احتياجاته

 

بيد أنّه في حالة الإسلام السياسي، الذي يعلن نفسه، مضطراً، بوصفه أحد الفصائل السياسية، فإنّ الوضع يكون مختلفاً إلى حد كبير، فلا يقدم الإسلام السياسي برنامجاً، وربما يرى أنّه ليس مضطراً لذلك، لأنّه يعلن نفسه كممثل لهوية الأمّة وذاتيتها وخصوصيتها، ويعرض هذا بوصفه فرضية بديهية على الآخرين التسليم بها، وليست في حاجة إلى برهان؛ ومن ثمّ فهو ليس في حاجة إلى برنامج، بوصفه يمثل ضمير الأمّة والمدافع عنها، متماهياً مع العقيدة الدينية، وله الحق بمباركة من يريد؛ بوضعه داخل نطاق الأمّة والدين، أو رفضه ووضعه خارج الأمّة والدين، وعلى الجميع إثبات صلاحيتهم الدينية وعدم فساد عقيدتهم مقابله.

دولة مواطنة أم جماعة دينية؟

لا يقبل مفهوم الدولة الحديثة الانحياز، أو بالأحرى يسعى جاهداً للحياد، ويعلن الإسلام السياسي مشروعه تحت شعار "الإسلام هو الحل"، دون توضيح المقصود بالإسلام الذي يراه حلّاً، أو تحديد آليات اجتماعية وواقعية تمثل هذا الحل، ولكنّه يجد هذا الشعار وحده الحل الكافي لكل المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية كذلك، فبمجرد إعلان دولة ما أنّها إسلامية، فمن المفترض أن تكون بذلك قادرة على حل كافة مشكلاتها. ولكن كيف يمكن للدولة أن تكون محايدة وهي تعلن قيامها على أساس ديني؟ فالدولة ككيان اعتباري لا يمكنها أن تعتنق ديناً معيناً، لما يعنيه هذا من انحيازها المُسبق، وخروج غير المنتمين إلى هذا الدين منها، وهذا ما يغفله الإسلام السياسي، ويجعل مشروعه لا يتعدى إطار جماعة دينية لا ترقى بتصوراتها وبنيتها المعرفية إلى بناء دولة وإدارتها.

لا يُقدم لنا الإسلام السياسي خارطة معرفية يمكن تطبيقها على الواقع المأزوم

ولا يمثل شعار"الإسلام هو الحل" إلّا إحدى أدوات الإسلام السياسي؛ لكسب شعبية داخل المجتمعات العربية الإسلامية؛ فبتفريغ مضامين هذا الشعار نجد أنّه فارغ من أيّ بُعدٍ واقعي، أو آليات تنفيذية، وهذا ما طرحه فرج فودة في مناظرته الشهيرة حول الدولة الإسلامية ونظم إداراتها وتكويناتها ومشروعها الواقعي، ليثبت أنّها ليست أكثر من تلفيق بين مفهوم الدولة الحديثة والمسحة الدينية التي يأخذها الإسلام السياسي لنفسه، ليتعالى بها عن الفصائل السياسية الأخرى، وما كان من ممثلي الإسلام السياسي إلّا نفيه خارج الأمّة والملة، بسؤال تهكمي من محمد عمارة: "إذا كنت لا تجد ثمّة ما يُسمّى بدولة إسلامية، فلمَ لا تعمل عليه؟ أم أنك غير مسلم؟"، ويُعدّ هذا الرد خير معبّر عن إيديولوجية الإسلام السياسي، الذي يكتفي بتصفية الآخر سياسياً واجتماعياً، من خلال اتهامه في عقيدته، ووصفه بالعمالة وعدم انتمائه للأمّة.

لا يُقدم لنا الإسلام السياسي خارطة معرفية يمكن تطبيقها على الواقع المأزوم؛ تفضي إلى إصلاح شمولي كما يُعلن، وتتمثل معضلته الكبرى في أنّه يتحدث بطفولة معرفية وسياسية غير هينة؛ فيتحدث وكأنّه في الفراغ بمعزل عن الواقع ومحدداته واحتياجاته

 

يمكن القول إنّ استراتيجية الإسلام السياسي استراتيجية دفاعية هجومية؛ تهدف إلى مقاومة وتصفية الآخر سياسياً، من خلال إبعاده خارج الإطار الديني، ومن ثم الأممي المرتبط بالديني، أكثر ممّا تعمل على دراسة الواقع وتحديد احتياجاته، وترتيب أولوياته وآليات تنفيذها؛ فالإسلام السياسي لا يهتم بصياغة نمط للإدارة أو تقديم مشروع فكري، وتحديد مفاهيمه، بقدر ما يهتم بإثبات عدم صلاحية الآخر من الناحية الدينية. ويهتم الإسلام السياسي بالآخر والرد عليه أكثر ممّا يهتم ببناء الذات، فلا يركز على عرض مشروعه وتوضيح أهدافه التي عادة ما تأتي بصورة مبهمة وغير محددة، بقدر ما يركز على شيطنة المخالف له. 

ولا يُقدم لنا الإسلام السياسي خارطة معرفية يمكن تطبيقها على الواقع المأزوم؛ تفضي إلى إصلاح شمولي كما يُعلن، وتتمثل معضلته الكبرى في أنّه يتحدث بطفولة معرفية وسياسية غير هينة؛ فيتحدث وكأنّه في الفراغ بمعزل عن الواقع ومحدداته واحتياجاته، وعن الوعي السياسي الكافي لإدراك أبعاد الأزمات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والمعرفية، فعبارة "ينتهي الغلاء حين تتحجب النساء"، التي غزا بها المجتمعات العربية، لا تعبر عن شيء بقدر ما تعبر عن غياب تام لإدراك أزمات الواقع وأبعادها، فكيف يتم علاج كافة المشكلات الاقتصادية بتحجيب النساء؟ وإن دل هذا على شيء، فإنّما يدل على عدم أهليته لحكم وإدارة دولة تكون قادرة على حمل أعباء مواطنيها.

الخلافة بوصفها نظاماً للحكم

تحت الضغط الواقعي، والمطالبة بتقديم رؤيته الإصلاحية، يقدم الإسلام السياسي نسخة منتقاة من التاريخ الإسلامي خالية من أيّ نزاعات، ذات طابع طوباوي، غير قابل للتطبيق في ظل الانحيازات الإنسانية الطبيعية، ويرى في تطبيق الخلافة بوصفها نظاماً للحكم حلّاً لأزمات الواقع العربي/ الإسلامي، دون الانتباه إلى طبيعة الخلافة التي تجعلها نمطاً لتولي الحكم كسب طابع الملكية على يد الأمويين، أكثر من أن تُعدّ نظاماً للإدارة والحكم؛ فالخلافة جاءت كملكية تحمل مسحة دينية، حيث يُعدّ "الخليفة" خليفة الله ورسوله على الأرض، ويحمل الراية النبوية الإرشادية، ويتضح هذا من خلال الحديث عن الراعي والرعية وأولي الأمر في النقاشات السياسية، ويتم تناقلها بالوراثة كالملكية، أو الغلبة كذلك.

يرى الإسلام السياسي أنّه صاحب الرؤية الإصلاحية الإلهية، التي تتميز عن الرؤى البشرية، ويطالب بعودة الإسلام الذي يراه غائباً عن المجتمعات الإسلامية، ومن ثم يأخذ دور المرشد الأمين الهادي، وليس فصيلاً سياسياً يقدم رؤية ضمن رؤى متعددة تتنافس فيما بينها، من خلال ما يمكن أن تقدمه من منافع للفرد والمجتمع. وتُعدّ التعددية الحزبية ووجود قوى المعارضة جوهر الدولة الحديثة، الذي استقر عليه العقل الإنساني، كأفضل نظام حكم وصل إليه إلى الآن، وفي حال الحكم باسم الإله تأخذ المعارضة بُعداً مرفوضاً وغير مقبول اجتماعياً أو دينياً، حيث تمثل الخروج عن النسق الإلهي، بل معارضة الحكم الإلهي والمشيئة الإلهية، ممّا يعطي مفهوم الإدارة السياسية لدى الإسلام السياسي أبعاداً قبلية عشائرية.

الإسلام السياسي بارع في تكوين الجماعات السرية، وتقديم نفسه كبديل إلهي لنظم الظلم والطغيان، ولكنّه من خلال تجربة الحكم أثبت قصوره المفاهيمي الذي جعله يتعامل مع الدولة بمنطق شيخ القبيلة أو العشيرة

 

ومن خلال تجربة الإسلام السياسي في الحُكم، التي جاءت إثر انتفاضات الربيع العربي، يتضح عدم امتلاك هؤلاء لأبعاد مفهوم الدولة وحدودها، وخطابها، فمخطابة الرئيس المصري المعزول محمد مرسي لأنصاره بـ "أهلي وعشيرتي" أمام الشعب، يوحي بعدم إدراكه لأبعاد الدولة، ووصفه لفوائد البنك الدولي على القرض الذي كان يطلبه بـ "الربا" قائلاً: "إحنا نجوع ومناكلش ربا" يعبر عن القصور في فهمه للبنى الاقتصادية الدولية وكيفية عملها، ورفضه الذهاب لتهنئة المسيحيين يعبر عن الانحياز الواضح لنظام الإدارة القائم، ومفهومهم الانحيازي للدولة، عوضاً عن نظام الفصل العنصري بين أفراد الدين الواحد، من خلال التمييز الواضح بين المنتمين للجماعة وغير المنتمين لها، والذي أدى إلى لفظهم اجتماعياً، وفشلهم سياسياً؛ فالإسلام السياسي بارع في تكوين الجماعات السرية، وتقديم نفسه كبديل إلهي لنظم الظلم والطغيان، ولكنّه من خلال تجربة الحكم أثبت قصوره المفاهيمي الذي جعله يتعامل مع الدولة بمنطق شيخ القبيلة أو العشيرة.

مواضيع ذات صلة:

كيف سينظر العالم إلى الإسلام السياسي بعد حرب غزة؟

جماعات الإسلام السياسي إذ تجعل من الدين عبئاً على الدنيا




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية