المغرب: هل ينجح السلفيون التائبون في مواجهة التطرف؟

المغرب

المغرب: هل ينجح السلفيون التائبون في مواجهة التطرف؟

مشاهدة

05/08/2019

عبّر معتقلون سابقون في قضايا الإرهاب والتطرف بالمغرب، في الأعوام الأخيرة، عن مراجعتهم العديد من الأفكار المتشددة التي كانوا يتبنّونها في السابق.

اقرأ أيضاً: ما علاقة محنة خلق القرآن بصعود الصحوة السلفية؟
وأعربوا عن دعمهم للدولة في حربها على الإرهاب، ومواجهة الفكر الجهادي، وانضمّ بعضهم إلى برنامج المصالحة، الذي أطلقه المغرب قبل فترة، بهدف "المصالحة مع الذات، والمصالحة مع النصّ الديني، والمصالحة مع المجتمع".
لكنّ وجهات النظر بالمغرب تنقسم حول إدماجهم بالمجتمع، بين مرحِّب بذلك، يدعو إلى ضرورة الاستفادة من تجاربهم لإنقاذ الشباب المغربي من براثن التطرف، وبين مَن ما يزال يحمّلهم مسؤولية تعبئة الشباب المغربي بالفكر الجهادي، ويرفض إدماجهم.
سلفيون تائبون يدعمون التوجه العلماني
كيف يرى الشباب المغربي توبة المعتقلين السابقين في قضايا الإرهاب؟ يُجيب المدوّن الشاب، حمزة بصير: "هناك نوعان من التائبين ذوي التوجّه السلفي الجهادي؛ أحدهما تغيّرت صورته للأشياء ومواقفه كلية، فكراً ومنهجاً؛ وصار يدعم التوجه "العلماني"".

الفيزازي من أشهر شيوخ السلفيين التائبين بالمغرب
ويُضيف بصير، في حديثه لـ "حفريات": "ويظهر بعضهم بثوب المؤيد لأمور تتنافى مع أفكاره السابقة المتشددة، كالمساواة بين الجنسين في الإرث، ويحظى هذا الطرف بدعم قوي من الدولة على كافة المستويات، خاصّة الإعلامي والمالي منها، وهو ما يجعله في موضع شكّ لدى الشباب المتشدّد".
علماء مكبلو الأيدي
ويشير المدوّن المغربي إلى أنّ "الصنف الثاني من السلفيين التائبين تغيرت نظرة أصحابه لمؤسسات الدولة بشكل خاص، وهو ما كان بمثابة التزام وشهادة حسن السلوك، ما ساعدهم في مغادرتهم السجون".

اقرأ أيضاً: لماذا يشعر السلفيون بالتفوق؟
ويرى المدوّن والصحفي المغربي: أنّه "رغم حفاظ هذه الفئة على ثوابتها الأيديولوجية مع وجود خطّ اعتدال واضح المعالم، ينجذب له الشباب، ويتأثرون به، لكنّ تهميش السلطة لها والخوف المبالغ منها، وعدم الاستعانة بها، يجعل علماء "النوع الثاني" مكبلي الأيدي، وغير قادرين على فعل شيء من أجل إنقاذ الشباب من براثن العنف والإرهاب".
"الضحية هم الشباب"
ويُشدّد المدوّن المغربي على أهمية اللجوء لهذه الفئة، وتكوين بعضها أكاديمياً لمحاربة الفكر المتطرف، معتبراً أنّ الفئة الأولى يراها الشباب غريبة عنهم، وعزا المصدر ذاته ذلك لوجود فجوة كبيرة بينها وبين الشباب.

اقرأ أيضاً: هل نشأت السلفية في مصر لمواجهة الاستعمار والتغريب؟
ورأى المتحدث ذاته؛ أنّ "مسؤولية التحاق الشباب بالجماعات الإرهابية، تبقى مشتركة بين أطراف متعددة ومتداخلة، أبرزها الفراغ الدعوي التنويري، وعدم وجود مخططات وقائية للدولة، والضحية هم الشباب الذين استهوتهم موجات "جهاد الربيع العربي"، عبر الإنترنت بإعلانات مفخخة".
"أنا أيضاً كنت ضحية هؤلاء الشيوخ"
ترفض هاجر، البالغة من العمر 35 عاماً، ظهور شيوخ السلفية بالمغرب بشكل جديد، معتبرةً أنّهم ساهموا بشكل كبير في تشكيل وعيها وشحنها بالأفكار المتطرفة.
تقول هاجر لـ "حفريات": "أنا أيضاً كنت ضحية هؤلاء الشيوخ، لقد جعلوني أفكر في أنّ الجهاد هو الحلّ، وأنّ الغرب كافر ينبغي سفك دمائه".

يطالب مرصد الشمال لحقوق الإنسان بإدماج السلفيين التائبين والاستفادة من تجاربهم
وتضيف هاجر: "شحنوا جيلاً كاملاً بالأفكار المتطرفة، وشبابٌ فقد مستقبله وحياته في داعش، وبعد كلّ شيء يُعلنون توبتهم ويغيرون خطابهم بكلّ سهولة، كلّ هذا يثير الشكوك".
وعن دور هؤلاء الشيوخ في إنقاذ الشباب من براثن التطرف، تعقّب هاجر "لا يمكن للشباب أن يثقوا فيهم، خاصة أنّهم دمّروا مستقبل عدد كبير منهم، وأعتقد أنّ أفضل حلّ لمواجهة التطرف، هو أن تستثمر الدولة في التعليم لتكوين جيل متسلح بالعقل النقدي".

اقرأ أيضاً: كيف تسلّلت الدعوة السلفية إلى حزب النور؟
ولم تكن مراجعة شيوخ السلفية لأفكارهم متشابهة، فبعضهم أضحى من أشدّ المهاجمين للفكر السلفي، مثل أبي حفص، في الوقت الذي ما يزال فيه آخرون متشبّثون بأفكارهم.
هل جرى إلزام المعتقلين باعتناق أفكار معينة؟
وكانت جريدة "الصباح" المغربية قد نشرت حواراً مع عبد الكريم الشاذلي، أحد أشهر شيوخ السلفيين التائبين، كشف أنّ مراجعته لأفكاره لم تكن ناتجة عن أوامر من أيّة جهة خارجية، مشدّداً على أنّ العملية جاءت بناء على قناعات شخصية وفردية توصل إليها الشيوخ.

هاجر: كنت ضحية هؤلاء الشيوخ لقد جعلوني أفكّر في أنّ الجهاد هو الحلّ وأنّ الغرب كافر ينبغي سفك دمائه

وأضاف المصدر ذاته: "كانت هناك زيارات من قبل أطر أمنية لشيوخ السلفية، لكنّ المناقشات كانت عامة، ولم تتطرق للقناعات الشخصية؛ بل ركّزت بشكل خاص على الجوانب ذات الارتباط بالعنف، ولم يتم إلزام المعتقلين باعتناق أفكار معينة، أو تغيير بعض القناعات والمواقف من قضايا معينة".
ويشير الشاذلي إلى أنّ المراجعة لم تكن نمطية؛ بل نتاجاً للقناعات والمميزات الشخصية لكلّ شيخ، مضيفاً: "من الطبيعي أن يكون هناك اختلاف في رؤية كلّ شيخ للمراجعة، وكانت هناك قناعات مشتركة حول إعادة النظر في المنهجية والمقاربة، لكن كانت هناك حرية مطلقة لتحديد الجوانب التي تتعيّن مراجعتها".
وأكّد الشاذلي أنّه ما يزال متشبثاً بعقيدته ودينه، ولا يمكن أن يغيرهما، أو أن تفرض عليه أيّة جهة تغييرها، معتبراً أنّه أصبح أكثر انفتاحاً على مختلف مكونات المجتمع دون التفريط في معتقداته ونهجه السلفي.
خريطة الإرهاب بالمغرب
ويُشار الى أنّ 52 خلية إرهابية تمّ تفكيكها في المغرب، خلال ثلاثة أعوام فقط، ابتداءً من عام 2015 ووصولاً إلى عام 2018، وفق ما كشفه تقرير صادر عن مرصد الشمال لحقوق الإنسان.
ويرسم التقرير خريطة الإرهاب في المغرب، خلال ثلاثة أعوام، انطلاقاً من تاريخ تأسيس المكتب المركزي للأبحاث القضائية، عام 2015، إلى الآن.

اقرأ أيضاً: هل كان الإمام محمد عبده سلفياً أم مُستغرباً؟
وتكشف الأرقام التي يُقدّمها التقرير تراجعاً في عدد الخلايا المفككة على مدى الأعوام الثلاثة الأخيرة، مشيرة إلى أنّه تمّ تفكيك 21 خلية خلال عام 2015، و19 خلية خلال عام 2016، و9 خلايا خلال العام الماضي، و4 خلايا خلال العام الجاري.

بن عيسى: المتشددون التائبون تمّت معاقبتهم ولا يمكن أن نهمّشهم بل يجب إدماجهم وإشراكهم في برامج مكافحة التطرف

وبحسب المصدر نفسه؛ فإنّ جميع تلك الخلايا مرتبطة بداعش، مشيراً إلى أنّ الذكور يمثلون 95% من الأفراد المعتقلين، بينما تشكّل الإناث 5% منهم "بعضهنّ قاصرات".
وعن الجهات التي ينتمي إليها المعتقلون في إطار تلك الخلايا؛ يوضح التقرير أنّ "72% من الأفراد المعتقلين ينتمون إلى خمس جهات من أصل 12، وهي: جهة طنجة تطوان الحسيمة، تليها جهة فاس مكناس، فجهة الشرق، وجهة الدار البيضاء، ثم جهة بني ملال خنيفرة".
وبحسب مرصد الشمال لحقوق الإنسان؛ فإنّ "53% من المعتقلين ضمن خلايا إرهابية، عام 2015، كانوا ينوون التخطيط لعمليات إرهابية، و21% منهم تورطوا في التمويل والتجنيد، و14% حاولوا الالتحاق ببؤر التوتر، و8% انخرطوا في تمجيد الإرهاب، إما على المستوى الرقمي أو عبر كتابات تمجد الإرهاب على جدران بعض المؤسسات والفضاءات العمومية مثلاً".

اقرأ أيضاً: "البروج المشيدة": رحلة في تطور الفكر السلفي وأصول تنظيم القاعدة
في المقابل؛ يُشير التقرير إلى أنّه من بين الخلايا الأربع التي تم تفكيكها خلال الأشهر الستة الأولى من السنة الجارية؛ 75% من الأفراد المعتقلين انخرطوا في تمجيد الإرهاب، و25% حاولوا التخطيط لعمليات إرهابية.
في السياق نفسه؛ يُضيف المصدر ذاته أنّ "73% من قيادات الخلايا المفككة من طرف المكتب المركزي للأبحاث القضائية خلال ثلاثة أعوام كانت لهم صلة مباشرة بأفراد من تنظيم داعش، يتواجدون على الساحة السورية والعراقية أو الليبية"، في مقابل "15% معتقلون سابقون في قضايا الإرهاب، و12% من العائدين".
الشادلي: لم يتم إلزام المعتقلين باعتناق أفكار معينة

مطالب بإدماج السلفيين التائبين
ويُطالب مرصد الشمال لحقوق الإنسان بإدماج المعتقلين السابقين بالمجتمع المغربي، وإشراكهم في برنامج محاربة الإرهاب والتطرف.
ويُشير محمد بن عيسى، رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان، في حديثه لـ "حفريات"، إلى أنّ "المعتقلين السابقين في قضايا الارهاب لديهم اطلاع على المفاهيم الأيديولوجية التي تشكّل وعي المتطرف؛ لأنّهم عاشوا التجربة نفسها، ما يؤهّلهم لإنقاذ الشباب من الإرهاب والتطرف".

اقرأ أيضاً: كيف حفّز حزب النور سلفيي الدول العربية على العمل الحزبي؟
ويُضيف: "من جهتنا، كمجتمع مدني، نطالب بإدماج المعتقلين السابقين ومشاركتهم في اللقاءات لمواجهة الفكر المتطرف".
ويُتابع بن عيسى: "هؤلاء متشددون تائبون تمّت معاقبتهم، ولا يمكن أن نهمّشهم أو أن نستمرّ في عقابهم، بل يجب إدماجهم وإشراكهم في برامج مكافحة التطرف".
شيوخ السلفية خارج القضبان
في نيسان (أبريل) 2011؛ أفرجت السلطات المغربية عن محمد الفزازي وعبد الكريم الشاذلي، وهما من أبرز شيوخ السلفية بالمغرب، في إطار عفو ملكي شمل 190 سجيناً أغلبهم من سجناء السلفية الجهادية، الذين أعلنوا "التوبة".

اقرأ أيضاً: كيف تنمو السلفية في السويد؟
وفي شباط (فبراير) 2012؛ أُطلق سراح عمر الحدوشي ومحمد عبد الوهاب رفيقي، وحسن الكتاني، وهم من أشهر شيوخ السلفية بالمغرب، وجاء ذلك نتيجة عفو ملكي آخر شمل 458 سجيناً، معظمهم من "التائبين" عن الخط السلفي الجهادي أيضاً.
وأعلن عبد الوهاب رفيقي، الشيخ السلفي المغربي "السابق"، حينها، انضمامه إلى حزب النهضة والفضيلة الإسلامي، من أجل "تنويع العمل الإسلامي وخلق إضافة نوعية، والمساهمة في عجلة الإصلاح والتغيير".


الصفحة الرئيسية