المدعية العامة للجنائية الدولية في السودان... هل يُحاكم البشير في لاهاي؟

المدعية العامة للجنائية الدولية في السودان... هل يُحاكم البشير في لاهاي؟

مشاهدة

18/10/2020

استهلت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودا زيارتها إلى الخرطوم بالاجتماع مع وزير العدل السوداني نصر الدين عبد الباري، للنقاش حول محاكمة الرئيس السوداني السابق عمر البشير، الذي سبق أن أصدرت الجنائية الدولية مذكّرتي توقيف في حقه. 

لم تحسم الحكومة السودانية حتى الآن موقفها من تسليم البشير، وفيما أبدت الحكومة في شباط (فبراير) الماضي استعدادها لتسليمه، عاد المدعي العام السوداني ليصرّح بأنّ مسألة تسليمه "قضية سيادية"

وتُعدّ زيارة فاتو الأولى من نوعها منذ الإطاحة بحكم الرئيس السوداني قبل نحو العام، في وقت تعكس فيه الزيارة رمزية كبيرة، فهي تعزّز الثقة بالنظام السوداني، الذي يقترب من رفع اسمه من لوائح الإرهاب، ويدعم اتفاق السلام الموقع الشهر الماضي مع جماعات مسلحة لطالما دخلت في صدامات مع نظام البشير.

وتتهم الجنائية الدولية البشير بارتكاب جرائم حرب وإبادة عرقية في حقّ سكان دارفور، وتقدّر الأمم المتحدة أنّ 300 ألف شخص قتلوا في الصراع الذي بدأ بعد تمرّد في دارفور عام 2003، بحسب ما أورده موقع بي بي سي عربي.

 وزير العدل السوداني نصر الدين عبد الباري

وإلى جانب ارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية في دارفور، يواجه البشير تهماً بالفساد، ويحاكم على خلفية الانقلاب الذي أوصله إلى الحكم ليمكث فيه 30 عاماً. 

ولم تحسم الحكومة السودانية حتى الآن موقفها من تسليم البشير، وفيما أبدت الحكومة في شباط (فبراير) الماضي، عبر وزير الإعلام استعدادها لتسليمه، عاد المدعي العام السوداني ليصرّح بأنّ مسألة تسليمه "قضية سيادية".

وقد اعتبر مراقبون أنّ زيارة المدعية العامة للجنائية الدولية إلى السودان تعكس اختراقاً في الملف، الذي يتأرجح بين سيناريوهين: الأوّل أن تباشر المحكمة الجنائية الدولية بمحاكمة البشير داخل السودان، ضمن محاكم مختلطة، والثاني أن يُحاكم البشير في لاهاي. 

إلى جانب ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في دارفور، يواجه البشير تهماً بالفساد، ويحاكم على خلفية الانقلاب الذي أوصله إلى الحكم ليمكث فيه 30 عاماً. 

وسبق أن صرّح النائب العام السوداني في 16 حزيران (يونيو) الماضي بأنّه قد يكون ضرورياً أن تتمّ الإجراءات في السودان. وبموجب المادّة 3 من نظام روما الأساسي، والقاعدة 100 من "قواعد الإجراءات والإثبات" فيه، يمكن للمحكمة مباشرة الإجراءات خارج مقرّها الرئيسي في لاهاي عندما تقرّر ذلك. كما يمكن للسلطات المحلية التي تجري محاكمات فعلية في قضايا المحكمة الجنائية الدولية أمام محاكمها المحلية أن تتحدّى سلطة المحكمة في متابعة القضايا، بحسب ما أورده تقرير لمؤسسة هيومن رايتس ووتش. 

اقرأ أيضاً: لماذا فشل الإسلام السياسي في تنمية السودان؟

ولم يرجح البيان الصادر عن الحكومة السودانية أيّاً من السيناريوهين خلال بيانه بمناسبة وصول المدعية العامة للجنائية الدولية إلى السودان، في زيارة تستمر عدة أيام حتى 21 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري. 

وقالت الحكومة: إنّ الوفد سيبحث سبل التعاون مع سلطات الخرطوم في ما يتعلق بالمطلوبين، وسيلتقي وفد المحكمة الجنائية رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، ووزيري الخارجية والعدل والنائب العام، على أن يختتم الوفد زيارته بعقد مؤتمر صحفي.

رمزية التسليم 

ويرى سودانيون أنّ تسليم البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية يحمل رمزية كبيرة لإنفاذ القانون الدولي، وعدم إفلات القادة من العقاب عمّا ارتكبوه من جرائم ضد الإنسانية. 

يقول الصحافي السوداني إبراهيم ناصر لـ"حفريات": إنّ الثورة السودانية ارتبطت منذ البداية بشعارات تحقيق العدالة والسلام، وفيما دفعت اتفاقية السلام الأخيرة بين الحكومة والجماعات المسلحة من تحقيق قضية السلام، فإنّ زيارة الجنائية الدولية للسودان قد تُعدّ الدفعة الأولى لتحقيق مطلب العدالة، في الطريقة التي سيحاكم بها البشير على جرائمه.

يرى سودانيون أنّ تسليم البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية يحمل رمزية كبيرة لإنفاذ القانون الدولي

ولفت ناصر إلى أنّ الزيارة لها صدى إيجابي شعبياً في محاكمة البشير عن جرائمه في دارفور، وكلّ من تسوّل له نفسه الاعتداء على حقّ الشعب السوداني، لا سيّما إذا كانت الجرائم إنسانية.

ورجّح الصحافي السوداني أن تتمّ محاكمة البشير في الخرطوم عبر سيناريو المحكمة المختلطة، وذلك في ظلّ سعي بعض القوى إلى تأكيد أنّ الحكومة غير تابعة لجهات أجنبية، فضلاً عن رغبتها في تعزيز الثقة في القضاء السوداني. 

اقرأ أيضاً: هل تحقق اتفاقية السلام في جوبا أهداف الثورة السودانية؟

وسبق أن طالب السياسي والمفكر السوداني الصادق المهدي بضرورة تسليم البشير إلى الجنائية الدولية، وقال في حوار مع موقع إندبندنت عربي في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي: "لا بدّ من أن نطبّع علاقاتنا مع الأسرة الدولية، وهذا يتطلب ألّا نتأخر في الانضمام إلى المحكمة الجنائية، ومعلوم أنّ نظام روما هو نظام قضائي مكمّل، بمعنى أنه إذا ما كان لديك قضاء نزيه يمكن أن يقوم بمهمة المحاكمة، فإنّ المحكمة الجنائية مستعدّة أن تقبل بذلك، وهناك كلام بأنّ القانون الجنائي السوداني لا يسمح بتسليم مواطن سوداني إلى المحكمة الجنائية، وهذا القانون صنيع النظام السابق لكي يحمي نفسه، وهو قانون ظالم، لكن لا بدّ من أن تكون هناك آلية لتسليم البشير إلى المحكمة الجنائية، وهي بالفعل تختصّ بمحاكمة المتهمين في جرائم شنّ الحرب العدوانية وجرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضدّ الإنسانية".

فيما وصف الكاتب السوداني حسن واق موافقة حكومة بلاده على تسليم البشير بأنها "خطوة شجاعة كان من المفترض أن تتمّ بمجرد سقوط النظام، وعدم الالتفات إلى بروباغندا الفلول للتخذيل، وأنّ تسليم المخلوع للجنائية تشكيك في نزاهة القضاء السوداني وخيانة للوطنية"، وذلك خلال مقال في موقع السودان اليوم.

اقرأ أيضاً: ترحيب دولي واسع باتفاق جوبا التاريخي في السودان

وأضاف واق: إنّ "تسليم المخلوع تحقيق للعدالة التي هي أحد شعارات الثورة، والمخلوع اعترف بـ(عضمة لسانه) بجرائمه، وتسليمه لقاضيه الطبيعي في لاهاي انتصار كبير للثورة، وهزيمة للفلول الذين استشعروا خطورة قرار تسليم المخلوع على معارضتهم الثورة، لأنّ المخلوع يمثل رمزاً لتجمعهم ومحفزاً لإسقاط الحكومة لأجل عودة البلاد مجدّداً لعهود التيه والظلم والفساد".

جرائم حرب 

بحسب تقرير لهيومن رايتس ووتش في حزيران (يوينو) الماضي، فإنه "بعد الاستيلاء على السلطة من خلال انقلاب عسكري في 1989، استكملت "الجبهة الإسلامية القومية" الحرب الأهلية التي شابتها انتهاكات كبيرة، والمستمرّة منذ 1983، ضدّ متمرّدي "جيش التحرير الشعبي السوداني" في جنوب السودان ومنطقة جبال النوبة في جنوب كردفان. عندما استولى عمر البشير على الحكم في 1991 تابع الحزب الحاكم الذي اتخذ اسم "حزب المؤتمر الوطني" الحاكم الحرب. ارتكبت قوات الحكومة والميليشيات المتحالفة معها جرائم على نطاق واسع، واستغلّت الانقسامات العرقية وحرّضت الجنوبيين على بعضهم بعضاً.

بحلول العام 2002، أفضت محادثات السلام بوساطة دولية إلى سلسلة اتفاقات مهمّة، أعقبها "اتفاق السلام الشامل" في 2005. لكنّ الاتفاق لم يتطرّق بوضوح إلى المساءلة عن الجرائم الدولية الخطيرة وغيرها من الانتهاكات الفظيعة المرتكبة خلال النزاع بين الشمال والجنوب، كما أنّه لم يفلح في معالجة الأزمة في دارفور.

اقرأ أيضاً: اتفاق جوبا للسلام فصل جديد في الثورة السودانية

وانطلاقاً من 2003، ارتكبت الحكومة السودانية والميليشيات المتحالفة معها المعروفة بـ"الجنجاويد" جرائم ضدّ الإنسانية وجرائم حرب، منها العنف الجنسي، كجزء من حملة لمكافحة التمرّد في دارفور. تعرّض المدنيون لهجمات برية وجوية مباشرة، وإعدامات بإجراءات موجزة، واغتصاب، وتعذيب، ونهب لممتلكاتهم. لم تتّخذ "هيومن رايتس ووتش" موقفاً حول ما إذا كانت النية الإجرامية لارتكاب جريمة الإبادة الجماعية قد حُدّدت، بسبب قيود أبحاثها.

ارتكبت الحكومة السودانية والميليشيات المتحالفة معها المعروفة بـ"الجنجاويد" جرائم ضدّ الإنسانية وجرائم حرب، منها العنف الجنسي عام 2003

في 2011 في ولاية جنوب كردفان، استُؤنف القتال بين "القوات المسلّحة السودانية" والمتمرّدين السابقين من المنطقة، الذين باتوا يُعرفون باسم "الحركة الشعبية لتحرير السودان ـ الشمال"، وتوسّع ليصل إلى ولاية النيل الأزرق بحلول أيلول (سبتمبر) 2011. في كلٍّ من الولايتين، استعملت قوات الحكومة تكتيكات شملت انتهاكات، بما فيها التفجيرات العشوائية، والهجمات المستهدفة للمدنيين، مرغمة مئات الآلاف على الهروب إلى مناطق سودانية أخرى أو مخيمات للّاجئين في جنوب السودان وإثيوبيا.

اقرأ أيضاً: كيف أسهمت الإمارات في التوصل لاتفاق السلام في السودان؟

وأضافت هيومن رايتس ووتش: قد ترقى هذه الهجمات إلى جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، وقد تسبّبت بأزمة إنسانية تفاقمت عندما منعت الحكومة وصول الوكالات الإنسانية إلى المناطق خارج نطاق البلدات الخاضعة لسيطرتها. سببت عرقلة السودان للمساعدات الإنسانية المنقذة للحياة في المناطق تحت سيطرة المتمرّدين المزيد من الحرمان، كما قوّضت الحقّ في الخدمات الأساسية، بما فيها الغذاء، والدواء، والرعاية الصحية الإنجابية.

الصفحة الرئيسية