المخرج اليوناني كوستا غارفراس لـ"حفريات": نحن ضحايا النظام العالمي

المخرج اليوناني كوستا غارفراس لـ"حفريات": نحن ضحايا النظام العالمي

مشاهدة

20/11/2019

عام 2008، وقبيل اندلاع الأزمة المالية العالمية؛ صرّح أستاذ الاقتصاد السياسي السابق، في جامعة كامبريدج، يانيس فاروفاكيس، في إحدى محاضراته: بأنّه "لا يجوز السؤال: هل هناك أزمة قادمة أم لا؟ لكن حريّ بنا أن نسأل متى ستندلع الأزمة؟"، ربما خطر بباله أن تدفع بلاده ثمن الأزمة، لكنّ الذي لم يكن ليخطر بباله أنّه النبيّ القادم لحلّ تلك الأزمة.
الفارس المنتظر
في كانون الثاني (يناير) 2012؛ منحت الكلية الدولية بجامعة "تورنتو" الكندية، درجة أستاذ فخري في اقتصاديات القانون المقارن والتمويل، لمساهمته النظرية الاستثنائية لفهم الأزمة الاقتصادية العالمية، وذلك بعد مشوار حافل في الحقل الأكاديمي، نال خلالها عدة ترقيات، وكان المؤسس الأول لبرنامج الدكتوراه في الاقتصاد بجامعة أثينا، عام 2002، بعد عودته إلى أثينا التي استقر بها، وشغل مناصب إدارية عديدة، أدخلته إلى ساحة البرلمان اليوناني، الذي فاز فيه بأغلبية ساحقة، وصلت إلى 142 صوتاً، كمرشّح عن حزب سيريزا اليساري "ائتلاف اليسار الراديكالي"، وعام 2015؛ تمّ انتخاب حزبه بأغلبية 36%، بعد وعود من قيادات الحزب بالتصدي للاتّحاد الأوروبي بشأن الديون المتراكمة على البلاد، والتي أرهقت دافعي الضرائب، حتى فرّ كثيرون منهم خارج البلاد، أمّا الباقون فقد امتنعوا عن دفع الضرائب، خاصة بعد الاحتجاجات التي اندلعت في أثينا، عام 2011، تبعتها عدة إضرابات في قطاعات عديدة.

يبقى الفيلم حلقة سياسية جديدة في سينما كوستا غافراس الذي أخرج أزمة اقتصادية عانت منها بلاده إلى طاولة النقاش

بعد الانتخابات؛ تمّ تنصيب اليساري، إليكسيس تسيبراس، رئيساً للوزراء، وعيّن فاروفاكيس وزيراً للمالية، وتولّى شأن المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، بخصوص الديون التي تعنتت ألمانيا بشكل خاص في توقيع عقوبات على اليونان بشأن التأخر في سدادها، كان أمام فاروفاكيس مهمة شاقة للغاية هي: كيف يخضع الاتّحاد الأوروبي لمطالبات بلاده، حتى ينعش اقتصادها الغارق في الكساد، ولم يكن أمام الأكاديمي اليساري، ذي الخلفية الماركسية، إلّا إيجاد حلول وسيطة، فربما الإغراق في الراديكالية الاقتصادية، سيغرق البلاد في هذه الآونة أكثر مما يفيدها، وكانت خطة التفاوض قائمة، منذ شباط (فبراير) 2015، واستمرت لمدة 6 أشهر، حاول فيها فاروفاكيس أن يهدّد الاتحاد الأوروبي بالاستفتاء الشعبي على الخروج من اليورو والعودة للدراخما، رغم علمه أنّ هذا الأمر ربما يفاقم الأزمة، لكنّه قرّر استخدامها كورقة ضغط، واستعرض فاروفاكيس تجربته، التي شبّهها بعض الكتّاب بالمهمة الانتحارية، في كتابه الصادر عام 2017، بعنوان "كبار في غرفة: معركتي مع المؤسسة الأوروبية العميقة"، في سرد أدبي شيق، لتوثيق تلك المرحلة الحرجة من تاريخ اليونان.

غارفراس بصحبة أبطال فيلمه وفاروفاكيس

ثمن الأزمة
عام 2019؛ قدّم المخرج اليوناني، كوستا غارفراس، فيلماً مقتبساً من كتاب فاروفاكيس، وبعد أن عرض في مهرجان فينيسيا وخرج من المنافسة، سافر إلى الشرق الأوسط ولاقى احتفاءً كبيراً في أول عرض له بالقاهرة، في إطار أيام "بانوراما الفيلم الأوروبي" في مصر، في قرابة الساعة ونصف الساعة، يستعرض غافراس تفاصيل النقاش الذي احتدم داخل الغرف المغلقة بالمؤسسات المالية الأوروبية، ومقرّ الاتّحاد الأوروبي في بروكسل، والتي أجراها فاروفاكيس مع نظرائه الأوروبيين، الذين ضاقوا ذرعاً من هذا التفاوض الذي يحاول فيه ذاك الماركسي، أن يخضعه لصالح بلاده، في الوقت نفسه الذي تتوق فيه البنوك الأوروبية لجني مزيد من الأرباح لتعويض خسارتها في أعقاب الأزمة المالية العالمية، والتي يدفع ثمنها حتى اليوم كثيرون من فقراء أوروبا، وفي مقدمتها اليونان.

اقرأ أيضاً: كيف حطمت سينما الواقعية الجديدة المحظورات في مصر؟
كان لـ "حفريات" لقاء في القاهرة مع المخرج كوستا غارفراس، وبطل فيلمه، كريستوس لوليوس، الذي عبّر عن سعادته باحتفاء الجماهير العربية بالفيلم، وأوضح أنّه لا يستحضر الأزمة اليونانية، لكنّه يرى أنّ الجماهير تتغافل عنها، وربما نسي بعض اليونانيين أنّهم ما يزالون يدفعون ثمنها حتى اليوم.

واستطرد غارفراس في حديثه لـ "حفريات": "أنا أعرّف نفسي كمخرج أفلام سياسية، وهكذا كانت أغلب أعمالي، لكن ما أقدمه في الفيلم ليس رسالة، بقدر ما هو تحفيز لأسئلة يجب أن يسألها الجميع، وليس اليونانيين فقط، فاليونان جزء من أزمة عالمية تتشارك فيها العديد من الشعوب النامية، لكن ما أحاول تقديمه في الفيلم؛ هو كشف الستار عما يدور خلف الأبواب المغلقة، ربما لن يتسنى للجميع قراءة ما كتب فاروفاكيس؛ لذا أحبّ أن أهدي هذا كفيلم يمكن أن يراه الجميع؛ إذ إنّنا نتشارك في نظام عالمي ذي سلطة مركزية تطال كل سكان الكوكب، وهذا ما أحببت أن يراه الناس في فيلم يضمّ ممثلين لرؤساء دول وحكومات معاصرين، لم أنتظر حتى يصبح الحدث تاريخياً لأسرده".
بالرجوع إلى الفيلم الذي تدور أحداثه داخل أروقة الغرف السيادية، التي يحكم أصحابها العالم، سيعيش المشاهد تفاصيل ما عاناه فاروفاكيس مع نظرائه في مفاوضات استمرت عدة أشهر، انتهت بتنفيذ تهديده، ليقوم بإجراء استفتاء شعبي، يسمح له بأن يستمر في مفاوضاته، أو يخضع لشروط صندوق النقد الدولي، وسلطة الـ "ترويكا".
"كبار في غرفة"

التراجيديا اليونانية
وقف وزير المالية الشاب وحيداً، بعد أن انتهى الاستفتاء بنعم على المضي قدماً في المفاوضات، وهو ما أسعد فاروفاكيس بقدر ما فاجأ رئيس الوزراء وبقية الحكومة، التي كانت تتمنى أن يختار الشعب الخضوع لسلطة الاتحاد الأوروبي، بينما يستهل المخرج مشاهد فاروفاكيس بظرف يعرض استقالته التي حملها في معطفه كلّ يوم منذ تنصيبه وزيراً، حتى جاء الوقت الذي احتدم فيه الصراع بينه وبين تسيبراس، فرئيس الوزراء، الذي لم يخطر له على بال أن يفوز حزبه بأغلبية ساحقة، يخشى العودة للوراء، وأن يستولي اليمين المتطرف، المدعوم من الاتّحاد الأوروبي على السلطة، فتسيل حمامات الدماء مرة ثانية، فالبلاد التي تتعافى من فترة حكم عسكري دمويّ، تحاول إعادة ضبط قواها الاقتصادية وأوضاعها الإقليمية، كانت تلك هي المواجهة الأخيرة بين الرفيقين، خضع فيها رئيس الوزراء لسلطة حيتان الاتّحاد الأوروبي، وانتهت بتفعيل الاستقالة المؤجَّلة من قبل رجل اليونان النبيل، الذي رأى أنّ استقالته، وشاح شرف يرتديه طوال حياته، وسيذكر التاريخ يوماً أنّه لم يبع أحلام شباب اليونان إلى البنوك الأوروبية، بحسب ما ذكر في كتابه.

الممثل اليوناني كريستوس لوليوس الذي قام بدور فاروفاكيس: كان أسهل عمل قدمته في حياتي لأنني عايشت الأزمة

وقد لقيَ أداء الممثل اليوناني، كريستوس لوليوس، الذي قام بدور فاروفاكيس احتفاءً من الجماهير والنقّاد، على حدٍّ سواء، إذ إنّه ليس بالأمر الهيّن أن يتقمص دور رجل ما يزال على قيد الحياة.
وبسؤال الممثل، الذي التقته "حفريات" في القاهرة، بعد عرض الفيلم، عن طبيعة الدور الذي أدّاه، قال: "في الحقيقة لقد عايشت هذا الرجل، لقد كان حديث الساعة، وكلّ ساعة، لعدة أشهر، في اليونان التي أعيش فيها حتى اليوم، لم يكن من الصعب أن أقوم بدوره، لقد كان عملاً في غاية السلاسة، ربما كان أسهل دور قمت به في حياتي، وقد عبر فاروفاكيس لي بشكل شخصي عن إعجابه بالفيلم، وشعر أنّي كنت أجسده بالفعل"، ربما لم يدر الفيلم حول الأزمة، ومما تولدت، بقدر ما ترك المتفرج في حيرة من سؤال مهم، هو: كيف هي مآلات الأزمة في اليونان اليوم؟ هنا أجاب لوليوس بقوله: "الأزمة ما تزال قائمة، لكن الناس تتصرف تجاهها بشكل خاطئ، فالكلّ منذ البداية مسؤول عن هذا الحدّ من الإفقار الذي وصلت له البلاد، إلّا أنّهم ولعقود كانوا يخبئون الغبار أسفل السجاد، حتى انفجرت الأزمة في وجه فاروفاكيس الذي وقف وحيداً يحارب على عدة أصعدة".

اقرأ أيضاً: المخرج كوستا غافراس.. الاحتفاء بالوعي الإنساني سينمائياً
يبقى الفيلم حلقة سياسية جديدة، في حلقات السينما السياسية لكوستا غافراس، الذي أخرج أزمة اقتصادية عانت منها بلاده إلى طاولة النقاش السينمائي والاقتصادي والسياسي، فيلم ترى فيه كلّ الشعوب المكتوية بنيران الرأسمالية وأزماتها كيف يتلاعب النظام العالمي وبنوكه بمصائرهم.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية