المجلس العسكري الانتقالي السوداني وقوى الحرية والتغيير: أزمة أم قطيعة؟

السودان

المجلس العسكري الانتقالي السوداني وقوى الحرية والتغيير: أزمة أم قطيعة؟

مشاهدة

25/04/2019

يتوقع محللون سودانيون أنّ العلاقة بين المجلس العسكري الانتقالي، وقوى إعلان الحرية والتغيير، ذاهبة إلى حالة من القطيعة؛ حيث يحمّلون كلا الطرفين المسؤولية، خاصة القوى الحزبية المتحالفة مع تجمّع المهنيين، التي يصفونها بأنّها تعمل على دقّ إسفين بين الثوار وتجمّع المهنيين من جهة، والمجلس العسكري الانتقالي من جهة أخرى.

اقرأ أيضاً: السودان.. ماذا حدث؟
ويأتي هذا الصراع في غضون المظاهرات التي لم تتوثقف في السودان، منذ 19 كانون الأول (ديسمبر) 2018؛ حيث عمّت سائر مدن السودان وأريافها، إلى أن تمكنت من إطاحة بالرئيس عمر البشير وحزبه، في الحادي عشر من الشهر الجاري، عندما أعلن الفريق أول، عوض بن عوف، وزير دفاع البشير ونائبه، استلام السلطة و"اقتلاع النظام"، وبأنّ الجيش، كما قال ابن عوف في كلمة بثّها التلفزيون الحكومي "قرر الإشراف على فترة انتقالية لمدة عامين، تعقبها انتخابات، ورأس النظام متحفَّظ عليه في "مكان آمن".

 الفريق أول، عوض بن عوف
لكن، وبعد يوم واحد فقط من إعلان ابن عوف استيلاءه على السلطة، أجبرته الجماهير الغفيرة، التي تقدَّر أعدادها بالملايين، وفق مراقبين، التي ظلت، وما تزال، محتشدة في ساحة أمام القيادة العامة للجيش السوداني، وسط الخرطوم، على التنحي باعتباره امتداداً للنظام السابق، واضطر إلى إقالة نائبه، الفريق أول كمال عبد المعروف أيضاً، وتعيين المفتش العام للجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيساً.

اقرأ أيضاً: ارتياح شعبي فـي السودان للدعم الإماراتي السعودي
وحتى الآن؛ وجد تعيين البرهان قبولاً نسبياً وسط ضباط الجيش والمحتجين، إلا أنّ تجمع المهنيين الذي يقود الحراك تعامل مع الأمرِ بحذرٍ شديد، مُعتبراً استقالة ابن عوف انتصاراً للجماهير؛ لكنه طالبها، في الوقت نفسه، بالاستمرار في الاعتصام، وعدم التوقف عنه إلى حين قبول المجلس العسكري بتشكيلِ حكومةٍ مدنية. 
ماذا يحدث بين المتفاوضين؟
ورغم تكرار أعضاء المجلس العسكري الانتقالي نيتهم تسليم السلطة لمدنيين، في أيّ وقت، وهذا ما أكّده رئيسه عبد الفتاح البرهان، في أول حوار له مع التلفزيون السوداني الحكومي، إلا أنّ قوى إعلان الحرية والتغيير وحليفها تجمع المهنيين السودانيين الذي يقود الحراك الشعبي، قطعوا الطريق أمام المجلس، بإعلانهم وقف الاتصال به، وإبقاء المعتصمين في الشارع، إلى حين استجابة المجلس لمطالبهم المشروعة، بحسب بيان صدر عنهم، في 22 الجاري، أكدوا فيه أنّ المجلس يماطل في تنفيذ مقترحاتهم، فيما يتواصل مع بعض رموز من حزب المؤتمر الوطني الذي كان يحكم البلاد بقيادة الرئيس السابق، عمر البشير، والأحزاب الصغيرة المتحالفة معه، مما يشي بأنّ أمراً ما يُدبر في الخفاء، للالتفاف على مطالب الثورة.   
الرئيس السابق، عمر البشير

اللعب على أسس جديدة
وبحسب الدكتورة أماني الطويل، مديرة البرنامج الإفريقي في مركز "الأهرام" للدراسات السياسية والإستراتيجية، فإنّ الوضع في السودان، كما قالت لـ "حفريات" يشهد تصعيداً من الجانبين، "فالمجلس العسكري الانتقالي يُضمر خطاباً فحواه عدم جاهزية القوى المدنية لتسلم السلطة، وذلك عبر القول بتسلم مئة اقتراح من هذه القوى، والإشارة إلي تشرذمها، أما من جانب قوى الحرية والتغيير، فإنها قطعت تواصلها مع المجلس العسكري، معلنة استمرار وجودها في الشوارع، وبهذا التصعيد وضعت العلاقة برمتها أمام سيناريوهين: الأول؛ تهدئة اللعب على أسس جديد، والثاني؛ الاستمرار في التصعيد، وهذا سيضع المجلس العسكري في موقف ضعيف، خاصة إذا امتلك الحراك الاحتجاجي القدرة على التصعيد في الأقاليم".

اقرأ أيضاً: كيف ساهمت السعودية والإمارات في مساعدة السودان؟
وتعتقد الطويل أنّ من الضروري "أن تتواصل رموز الحراك الاجتماعي مع الإمارات ومصر والسعودية، بأنّ اقتراح المجلس السيادي المدني وتكوينه، لا يضر بمصالحهم في السودان التي تمتلك موقعاً جيوسياسياً حساساً ومهمّاً بالنسبة إلى الجميع".
من يتحمّل المسؤولية؟
وفي السياق؛ أكّد بيان قوى إعلان الحرية والتغيير، وهو كيان معارض يقود الاحتجاجات في السودان، ويضمّ إلى جانب تجمّع المهنيين، كافة الأحزاب السياسية المدنية المعارضة، وجلّ الحركات المسلحة؛ أنّ جهوده بشأن تسمية مرشحيه لتولي السلطة المدنية الانتقالية، وصلت إلى مراحل متقدمة، وسيتم إعلان عضويتها خلال الأيام القليلة القادمة.

عبد الرحمن طه: الخشية في المجلس العسكري الانتقالي تكمن في لجنته السياسية المكونة من عسكريين معروفين بانتمائهم للإخوان المسلمين

ويرى المحلل السياسي، عبد الرحمن طه، في حديثه لـ "حفريات": إنّ المجلس العسكري أبدى تفهماً كبيراً لمطالب الثوار، وأكّد على لسان رئيسه بشكل قاطع استعداده لتسليم السلطة إلى حكومة مدنية فوراً، متى اتفقت القوى السياسية عليها، لكنّه عاب على المجلس احتفاظه ببعض رموز النظام السابق ضمن أعضائه، كاشفاً أنّ "اللجنة السياسية للمجلس العسكري مكوّنة من عسكريين معروفين بانتمائهم لجماعة الإخوان المسلمين، الأمر الذي لا يواجه بالرفض من قبل الثوار والأحزاب السياسية المدنية المعارضة ممثلة في قوى إعلان الحرية والتغيير".

 المجلس العسكري أبدى تفهماً كبيراً لمطالب الثوار
وانتقد طه بيان قوى إعلان الحرية والتغيير، الذي أعلنت فيه وقف الحوار مع المجلس العسكري، واصفاً إياه بالمتسرع والمتهور وغير الرشيد. وقال "كان عليها أن تعلن مقاطعتها للجنة السياسية باعتبارها امتداداً للنظام السابق، وأن تطالب المجلس بإقالتها، واستبدالها بأخرى تضمّ أشخاصاً لا علاقة لها بنظام البشير وجماعة الإخوان المسلمين".
محض تكتيكات سياسية
وفي تطور لافت، ينبئ بتدهور العلاقة بين تجمع قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي، دعا التجمع إلى استمرار الاعتصام الجماهيري أمام القيادة العامة، وقبالة مقار حامياتها ووحداتها وغيرها من ساحات الاعتصام في مدن الأقاليم المختلفة، ومواصلة النضال السلمي إلى حين تحقيق أهداف إعلان الحرية والتغيير، مؤكداً رفضه للحكم العسكري، وأنّه لن يتفاوض مع من وصفها بالسلطة الانقلابية، التي تمثل النظام القديم، معلناً حشداً مليونياً يوم الخميس القادم، لإعلان الأسماء بكل الهياكل.

سامية الجاك: ما يحدث بين المجلس العسكري والقوى السياسية المعارضة محض تكتيك لإحراز مزيد من النقاط لتقوية المواقف التفاوضية

إلى ذلك قالت سامية الجاك، الباحثة في علم الاجتماع السياسي، لـ "حفريات" إنّ التصعيد الماثل بين قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس الانتقالي لا يعني بالضرورة انفصام عُرى العلاقة بينهما، "وإنما هو محض تكتيك سياسي، لإحراز مزيد من النقاط وتقوية المواقف التفاوضية للطرفين". وأضافت أنّها تتوقع أن يعود الطرفان إلى طاولة الحوار، وأن يقبل التجمع بدور أكبر للمجلس العسكري في المرحلة الانتقالية، وأن يتراجع المجلس، ممثلاً في لجنته السياسية، عن إصراره غير المبرر للتواصل مع الأحزاب السياسية، التي كانت متحالفة مع نظام البشير إلى حين سقوطه، مع السماح لها بممارسة نشاطها السياسي، للاستعداد لخوض الانتخابات ما بعد المرحلة الانتقالية.
وتوقعت الجاك أن يصل الطرفان إلى "صيغة معقولة فيما يخص الفترة الزمنية للمرحلة الانتقالية".


الصفحة الرئيسية