الغاز الطبيعي... كيف يتم تحديد الأسعار وتنظيم السوق العالمية؟

الغاز الطبيعي... كيف يتم تحديد الأسعار وتنظيم السوق العالمية؟

مشاهدة

24/10/2021

تختلف سوق الغاز الطبيعي عن نظيرتها الخاصّة بالنفط؛ إذ تتنوع فيها طرق النقل والتوريد، وكذلك يختلف نوع الغاز الطبيعي من حيث الإسالة والغازية، بالإضافة إلى تفاوت كبير في تكاليف الاستخراج والتخزين،  فضلاً عن اختلاف المدى الزمني للتعاقد في العقود التي عادةً ما تكون طويلة الأجل، كل تلك العوامل لا تحضر في تحديد سعر النفط، وبالتالي كانت النتيجة مواجهة الصعوبة في تحديد نهج موحّد يمكن من خلاله تسعير الغاز وإلزام كافة الدول بالسير عليه.

تعذّر السعر الموحّد... والطبيعة الاحتكارية للسوق

تختلف سوق الغاز عن سوق النفط من حيث كونها - في كثير من التعاقدات - لا تخضع لمعادلات العرض والطلب، وإنما يكون تحديد الأسعار بشكل متمايز لكل عقد توريد بين الدولة المصدرة والمستوردة، والسبب الأساس وراء ذلك يعود إلى تعذر ربط تسعير الغاز في دولة ما بالدول الأخرى، نظراً لاختلاف ظروف وتكاليف الاستخراج والتخزين والنقل، وهل هو مُسال أو في الحالة الغازيّة، وكذلك بسبب اختلاف مسافة النقل خاصة في حالة مد الأنابيب العابرة  للبلدان، وكذلك هناك التفضيلات في الأسعار التي يتم إعطاؤها للدول التي تعبر عبرها الأنابيب، وغير ذلك من العوامل التي تجعل من المتعذر وضع سعر موحد لبيع الغاز، كما هو الحال مثلاً في سوق النفط الذي يمتاز بتشابه الظروف والكلف إلى حد كبير فيما يتعلق بالاستخراج والتخزين والنقل.

أهم خطوط الغاز المنطلقة من روسيا باتجاه دول الاتحاد الأوروبي

كُلّ ذلك سمح باستقلال الدول المصدّرة فيما يتعلق بتسعير كميات الغاز التي يتم بيعها، ومن الأمثلة على ذلك حالة روسيا وتصديرها الغاز إلى الاتحاد الأوروبي؛ إذ إنّ توفّر الغاز في روسيا ووجود الحاجة إليه في دول الاتحاد الأوروبي، في ظلّ عدم توفّر الاحتياطات الكافية فيها، والقرب الجغرافي النسبي بين روسيا وأوروبا، كلّ ذلك منح الأفضلية لروسيا في عملية توريد الغاز إلى الدول الأوروبية، ومنحها القدرة على تحقيق الاحتكار لجزء كبير من السوق الأوروبية، ففي عام 2019 حصلت أوروبا على أكثر من 40% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي من روسيا.

تعذّر ربط تسعير الغاز في دولة ما بالدول الأخرى، نظراً لاختلاف ظروف وتكاليف الاستخراج والتخزين والنقل

وجاءت المنافسة الأبرز للغاز الروسي القادم عبر الأنابيب إلى أوروبا بعد تطوّر وزيادة عمليات تصدير الغاز المسال عبر الناقلات (وخاصّة القادم من دولة قطر)، ولأنّ الغاز المسال اتجه نحو الارتباط بأسعار النفط العالمية ظلّ الغاز الروسي الأكثر تفضيلاً، خاصّة مع عدم احتمال تقلّب السعر فيه، فضلاً عن كون سعره بقي أقل من سعر الغاز المسال بنحو (20-40%).

اقرأ أيضاً: تركيا تتدخّل في ليبيا من أجل الغاز.. و"الإخوان"

ومثال آخر على الطبيعة الاحتكارية في عقود الغاز، يبرز نموذج دولة قطر التي تعتبر المصدّر الأول للغاز على مستوى العالم، فقد تعدّت صادراتها في عام 2020 حاجز الـ (83) مليون طن متري، وهي تصدر بشكل خاص للهند وأسواق شمال شرق آسيا، الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان، إضافة إلى صادراتها إلى أوروبا. وتعود هذه الصدارة القطرية إلى امتلاكها أكبر حقل غاز في العالم، وهو حقل غاز الشمال الذي يحتوي نحو (10%) من إجمالي الاحتياطيات العالمية، إضافة إلى امتلاكها القدرة والإمكانات على إسالة الغاز (تبريده وتحويله إلى الحالة السائلة)؛ إذ إنّ شركة "قطر للطاقة" هي أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، ممّا منح قطر الفرصة للوصول إلى تلك الأسواق البعيدة وتقديم أفضل وأنسب الأسعار لها، وبما يصعب منافسته من أي مصادر أخرى، وبالتالي الانفراد بصدارة واردات الغاز لتلك الدول.

محاولة للتنسيق والتنظيم... منتدى الدول المصدرة للغاز

بالرغم من ذلك، كان هناك محاولات لتنظيم سوق الغاز، وتنسيق كميات العرض بما يلائم حجم الطلب ويسهم في تحقيق الاستقرار والاعتدال في الأسعار، وكان أبرزها إنشاء "منتدى الدول المصدرة للغاز" (GECF)، الذي يعود تاريخ تأسيسه إلى العام 2001، وقد هدف لتأسيس حوار بين المنتجين، وبين المنتجين والمستهلكين، وتعزيز سوق طاقة مستقرة وشفافة.

من اجتماع منتدى الدول المصدرة للغاز في بوليفيا عام 2017

يضم المنتدى 11 دولة عضوة من كبرى الدول المصدرة للغاز، وتشمل: روسيا، وقطر، والجزائر، وبوليفيا، ومصر، وغينيا الاستوائية، وإيران، وليبيا، ونيجيريا، وترينداد وتوباجو، وفنزويلا، بالإضافة إلى 9 دول بصفة عضو مراقب، هي: النرويج، وهولندا، وسلطنة عمان، والإمارات، والعراق، وكازاخستان، وأذربيجان، والبيرو، وماليزيا. وبحسب الإحصائيات الصادرة عن المنتدى فإنّ أعضاءه يتحكمون في أكثر من (71%) من احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة في العالم، و(44%) من إنتاجه المسوّق، و(53%) من الإنتاج المصدّر عبر خطوط  الأنابيب، و(57%) من صادرات الغاز الطبيعي المسال في جميع أنحاء العالم.

تتميز السوق الأمريكية باستقلاليتها عن السوق العالمية للغاز، فالأسعار فيها تتغير تبعاً لعوامل داخلية فقط

يسعى المنتدى لرفع مستوى التنسيق وتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وبما يؤدي إلى تحقيق التوازن في أسواق الغاز للوصول إلى أسعار مناسبة ومستقرة قدر الإمكان، وتتركز أهم جهوده في السعي لتحقيق الاستقرار في مستويات العرض والطلب، إلا أنه بقي عاجزاً عن تحديد كميات إنتاج وعرض (كما هو الحال في منظمة "أوبك"، و"أوبك بلس" بالنسبة إلى النفط)، فضلاً عن فرض وتحديد أسعار موحدة لبيع صادرات الغاز.

التسعير في الولايات المتحدة... مركز هنري هوب

تُعتبر الولايات المتحدة الأمريكية الأولى في العالم من حيث إنتاج واستهلاك الغاز الطبيعي، والرابعة من حيث حجم الاحتياطي المؤكد منه، وتتميز السوق الأمريكية باستقلاليتها عن السوق العالمية للغاز، فالأسعار فيها تتغير تبعاً لعوامل داخلية فقط.

موقع مركز "هنري هوب" في لويزيانا ويظهر ارتباط جميع خطوط الغاز به

ويتولى مهمة تحديد أسعار بيع الغاز هناك مركز "هنري هوب" (Henry Hub)، وهو مركز لتجارة الغاز، مقرّه في ولاية لويزيانا، يقع مباشرة على خليج المكسيك، وترتبط به جميع خطوط الغاز داخل الولاية والقادمة من ولايات أخرى، ويقوم المركز بتسعير عقود بيع الغاز الآجلة على أساس معادلة العرض والطلب.

اقرأ أيضاً: الإمارات إلى المركز الـ 6 عالمياً في احتياطات النفط والغاز.. ما دلالات ذلك؟

يتم إنتاج الغاز من الحقول، ومن ثم يقوم المركز بالتسعير، فإذا تعطلت خطوط الإنتاج مثلاً  وانخفض العرض يرتفع سعر الغاز مباشرة، وما أن يزيد المعروض ويقل الطلب حتى ينخفض السعر تلقائياً، كما حصل في العام 2012 عندما زاد إنتاج الغاز الصخري في الولايات المتحدة وانخفض مستوى الطلب، فقام المركز بتسعير المليون وحدة حرارية بدولارين فقط، بعد أن كانت في حدود الـ12 دولاراً.

الغاز المُسال... والارتباط بأسعار النفط

في بدايات ظهور ونمو سوق الغاز الطبيعي، كان من الصعوبة تحديد أسعار موحدة للغاز، بما في ذلك إمكانية ربطها بأسعار بيع النفط؛ لأنّ النفط كان يُنقل بالناقلات إلى كل بقاع في العالم، في حين أنّ الغاز الطبيعي ينقل بأنابيب بين الدول وعبرها، فكان التسعير يُترك بشكل كامل للدول المتعاقدة. ومع ازدهار صناعة وتجارة الغاز المسال أصبح الغاز الطبيعي كالنفط ينقل إلى كل مكان في العالم، ممّا أدى إلى توسع السوق ومنح القدرة على تجاوز حسابات وقيود مدّ الأنابيب بين البلدان.

مع تطوّر إنتاج الغاز المُسال وتزايد الاعتماد عليه، بدأ التوجه نحو ربط سعر الغاز المسال بأسعار النفط

مع تطوّر إنتاج الغاز المُسال وتزايد الاعتماد عليه، مع أعوام مطلع الألفية، وبهدف تجاوز تقلبات الأسعار الحادّة في سوق الطاقة، وجعل العقود طويلة الأجل مرنة ومستجيبة مع التغيّرات في أسعار الطاقة، فإنّ التوجه بدأ نحو ربط سعر الغاز المسال بأسعار النفط العالمية، وخاصّة في الأسواق الآسيوية التي تستورد نحو (70-75%) من الغاز الطبيعي المُسال، ويتم الربط بالنفط على أساس "المليون وحدة حرارية"، فمثلاً كل برميل نفط يحتوي على نحو (5.8) مليون وحدة حرارية، فإذا كان سعر البرميل (80) دولاراً، يكون بذلك سعر المليون وحدة حرارية من النفط نحو (13.8) دولاراً.

سفينة تحمل شحنات غاز مسال

وبالتزامن مع هذا التوجّه للربط بين سعر الغاز المسال وأسعار النفط، ظهر مؤشر أسعار للغاز الطبيعي  المسال في آسيا، والمعروف بـ "platts - japan korea market" أو اختصاراً بـ "Platts JKM"، وهو مؤشر صادر عن مؤسسة "Platts" المختصة بتقييم أسعار الطاقة، واختصّ بتسعير شحنات الغاز فور ورودها إلى موانئ اليابان وكوريا الجنوبية تحديداً، ومن ثم بات المعيار كذلك لأسواق الصين وتايوان، وأصبح المعيار الأهم على مستوى عموم الأسواق الآسيوية.



الصفحة الرئيسية