العراق منذ 2003 وحتى الثورة: منع القناصين من اصطياد الأمل (3-3)

العراق

العراق منذ 2003 وحتى الثورة: منع القناصين من اصطياد الأمل (3-3)

مشاهدة

17/10/2019

شهد مطلع تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، ثورة شعبية عراقية ضدّ سياسات الحكومة؛ إذ عمّت العاصمة بغداد ومدناً عراقية عديدة مظاهرات واسعة، تطالب بالتغيير على الصعيد الاقتصادي بالأساس، وتحسين الأوضاع المعيشية للعراقيين. لكن سرعان ما تمّ قمع المظاهرات بالقوة، مما أدّى إلى مقتل أكثر من مئة وعشرة متظاهرين خلال أيام، وإصابة الآلاف، واعتقال كثيرين، وسط قمعٍ تمثّل في أبسط وجوهه بقطع الإنترنت في العراق، للحدّ من حرية التعبير.

اقرأ أيضاً: حروب وفساد وتدخلات إيرانية: العراق منذ 2003 وحتى الثورة (1-3)
وفيما تدّعي الحكومة العراقية أنّها "لا تعرف مصدر العنف الذي أدّى إلى قتل المتظاهرين"، وفي ظلّ استمرار القمع من جهة، والتظاهرات من جهة أخرى، فإنّ الأمور مرشحة للعنف من قبل "أجهزةٍ سرية أو فصائل إيرانية، أو قوى أخرى مجهولة"، وفق تقرير "دويتشة فيله"، في الحادي عشر من الشهر الجاري، فماذا يحصل في العراق اليوم؟ وإلى أين تمضي الأمور؟
من القاتل؟
في ظلّ خطابات متناقضة، تمثّلت في محاولة الحكومة العراقية القول إنّها قمعت المظاهرات في مدن العراق باستخدام أدواتٍ لازمة، لكنّها ليست عنيفة، تُخلي في المقابل جهات مختلفة مسؤوليتها عن العنف، غير أنّ عدد الضحايا الكبير يفتح التساؤل على أبوابه، تجاه فرضيةٍ أساسية، مفادها أنّ الميليشيات (السرية) التي تتلقى دعماً إيرانياً محتملاً، تشكل مفتاحاً للحكومة العراقية حتى تهرب من مسؤولياتها تجاه ما يحصل اليوم.

الجميع يتبرأ من دم المتظاهرين وسط تجاهل حكومي وحديث عن ميليشيات سرية تتبع إيران واتهامات فوضوية من المرجعيات الدينية

ويبدو واضحاً؛ أنّ العديد من الأطراف والمسؤولين، يلقون باللوم على الآخر، في محاصصةٍ جديدة ومستمرة، ليس طائفياً هذه المرة؛ بل بتقاسم دم المنتفضين، حتى يضيع، ومثال ذلك قيام المرجعية الدينية الشيعية العليا في العراق، على لسان الشيخ عبد المهدي الكربلائي، ممثل علي السيستاني "بتحميل الحكومة والأجهزة الأمنية مسؤولية مقتل المتظاهرين"، بحسب "الحرة"، في 11 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري.
في المقابل؛ تتخذ الاتهامات المتبادلة منحنى خطيراً؛ حيث تمّ الكشف عن "إعلان إيران مؤخراً على لسان قائد الوحدات الخاصة التابعة لقوى الأمن الداخلي الإيراني، العميد حسن كرمي، أنّها سوف ترسل 7500 جندي إلى العراق بذريعة الحفاظ على أمن الزائرين في مراسيم زيارة الأربعين المقدسة في العراق"، وفق المصدر ذاته.

اقرأ أيضاً: العراق منذ 2003 وحتى الثورة: سوق مفتوحة لبضائع إيران وعبثها (2-3)
وفي الوقت نفسه؛ تستمرّ السلطات العراقية باتهام "مخربين" و "قناصة مجهولي الهوية"، تسللوا لاستهداف المحتجين والشرطة، بحسب المصدر السابق، وهي رواية لم تقنع المتظاهرين والناشطين العراقيين، الذين تحدثوا عن محاولة شيطنة الانتفاضة وتحويلها إلى العنف، لتبرير القضاء عليها بالقوة.

في العراق: دم المتظاهرين يضيع والقاتل مجهول

أما رواية المتظاهرين، التي تناقلتها وكالات الأنباء، فذهبت إلى أنّ ملثمين يتبعون لميليشيات "سرايا الخراساني" و"كتائب سيد الشهداء" المنضوية تحت قيادة "الحشد الشعبي"، شاركت في قمع الاحتجاجات عبر استهداف المتظاهرين العراقيين بالرصاص الحي. وبين المرجعية الدينية العراقية وتخبطها الواضح، ونفي الحكومة العراقية مسؤوليتها، ورائحة الدم الممزوجة بمصالح إيران، يضيع دم المتظاهرين، إذ لا يظهر القاتل، المسؤول عن دماء أبناء العراق الذين خرجوا مطالبين بأبسط حقوقهم في الحياة.
الشعب ضدّ المؤامرة
في ظلّ الاتهامات المتبادلة؛ أعلن رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، مؤخراً؛ "إجراء تعديل وزاريٍ قريب"، مؤكداً على "مطالب المتظاهرين المشروعة، كما وعد بالكشف عن قضايا فساد، وعن الواقفين خلفها". بحسب "سكاي نيوز"، في 10 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري.

الساعدي: المتظاهرون يمثلون جيلاً من غير أيديولوجيات يطالب باستعادة السيادة الوطنية وتأمين الحياة الكريمة ولم يعودوا مؤمنين بهيبة المرجعيات

وفيما بدت ردود أفعال الشارع العراقي، الذي هدأ قليلاً في اليومَيْن الأخيرَيْن، غاضبة، أكّد أستاذ الدراسات الثقافية في الجامعة الأمريكية، عقيل عباس؛ أنّ "الصراع على تحميل الأطراف المتعددة في العراق مسؤولية العنف، يمثل صراعاً بين الدولة واللادولة، بينما شكل خطاب رئيس الوزراء العراقي رؤية منفصلة عن الواقع، أما تصريحات مستشار الأمن الوطني العراقي ورئيس هيئة الحشد الشعبي، فالح الفياض، فقد استفزت الشارع، بعد وصفه المظاهرات (بالمؤامرة)"، وفق مقال عباس في "سكاي نيوز"، بتاريخ 11 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري.
وأوضح عباس لـ "حفريات"؛ أنّ "القوى العراقية الشعبية ليست قوى منتمية للطائفة بالمعنى الدقيق، ولا إلى الأطراف التي تتنازع في الأعلى، كنخبة فاسدة تنضوي تحت جناح إيران، أو تحت جناح مصالحها الشخصية، وحتى في الحشد الشعبي، يوجد تيارٌ وطني، وتيارٌ آخر ولائي، يدين لإيران بالولاء"، وبناء على ذلك؛ فإنّ فئات الشعب التي تظاهرت، لا تتمثل في شيعيتها أو سنّيتها، أو غير ذلك، بل تتمتع بولائها لمطالبها الإنسانية المشروعة، والمشتركة بين الجميع، التي تتعارض غالباً مع مصالح إيران وأطماعها مثلاً.

يثور العراقيون بكافة أطيافهم ضدّ الهيمنة الخارجية ورجالاتها في الداخل

وبينما يحاول المتظاهرون تمثيل جسد العراق الواحد، الذي يريدون أن يشفى من جراحه، تبيّن الباحثة والأكاديمية، لقاء الساعدي؛ أنّ "مظاهرات انتفاضة 3 أكتوبر 2019، تنتمي لجيل بعيد عن الأيديولوجيات، جيل لا يؤمن بالتيارات الشيوعية أو القومية أو الإسلاموية، يُطالب بما هو أكثر من الخدمات والإصلاحات".
وتضيف الساعدي، في تصريحها لـ "حفريات"؛ أنّ التظاهرات "مطلبها الأول استعادة السيادة الوطنية للعراقيين على أرضهم، وإنهاء حكومة الفساد، بكلّ تشكيلاتها الحزبية المتغولة من سرقة المال العام والامتيازات غير المحدودة، التي حصلت عليها نتيجة صفقات الفساد بين القوى الحكومية المتحاصصة فيما بينها".

هاشم: العراق الآيل للسقوط والواقف في وجه المجهول لن تنقذه سوى جذوة أبنائه المشتعلة لإقصاء التدخلات الخارجية

وتؤكد الباحثة؛ أنّ "العراقيين، بكلّ أطيافهم، يؤيدون التظاهرات، ويقفون جماهيرياً ضدّ الحكومة، كما أنّ هيبة المرجعية الدينية، سقطت من نفوس الشباب الثائر بعد ثبوت تورط الكثير من المراجع في الفساد الحكومي، وفي التحريض لقمع المتظاهرين وهذا يكاد يكون أكبر نتائج الثورة؛ فالتحالف بين رجال الدين والساسة كان يشكل الأداة الأولى لصفقات الفساد التي امتصت دم العراقيين على مدى 16 عاماً متواصلة".
وبالنسبة إلى الدكتورة لقاء الساعدي؛ فإنّ "هذه الانتفاضة هي حرب معلنة بين الشعب وميليشيات إيران"، لكن، العراق إلى أين سيذهب بعد انتفاضة شعبه المرشحة للاشتعال؟
هذا السؤال، يجيب عنه الدكتور والمحلل السياسي العراقي، رعد هاشم، الذي يقدم تصوراً متشائماً: "العراق، يبدو آيلاً للضياع؛ حيث إنّ حالة اللادولة قائمة، منذ 2003، مع تورط للطبقة السياسية في الفساد دون نية للتراجع عنه، مما أدّى إلى براكين غضب شعبية تظهر تارةً وتختفي تارةً أخرى، مما يضع العراق في المجهول؛ حيث إنّ الصراع الخارجي بين إيران وأمريكا، وصراع إيران في الداخل العراقي مستمران، مع ضعفٍ سياسيٍ عراقيٍ يتمثل في وقوع العراق على مرمى من صراع الطرفين".

اقرأ أيضاً: أكراد العراق.. لماذا كانوا الأقرب إلى تحقيق الاستقلال؟
ويتحدّث هاشم لـ "حفريات"، بمرارة؛ لأنّ "نفوذ الطبقة السياسية الموالية لإيران سيئ ومستمر، لقد فات أوان الإصلاح الدولي في العراق، وطرد النفوذ الإيراني الذي صار كالسرطان، من المطلوب أن تدرك الدول الفاعلة أنّها كانت منخدعة بواقع العراق السياسي، وربما يجب اتخاذ خطواتٍ ولو تدريجية، من أجل مواجهة إيران في العراق، وبصحبتها النخب السياسية الموالية لها".
وفي النهاية؛ رأى هاشم أنّ العراق المستقر في المستقبل، ربما تظهر شرارته من خلال الجذوة الشعبية التي لا تنطفئ، وفيما يناضل عراقيون، لا يجمعهم اليوم سوى حبّ بلادهم والسعي نحو مستقبلٍ أفضل وعيشٍ كريم، تبدو اليد الإيرانية في العراق ملطخةً بمسيرةٍ دامية من أعوامٍ ذاق فيها العراقيون العنف والفقر والتشظي، دون أيّ استقرار، وقد أكد المختصون الذين حاورتهم "حفريات"، أنّ الحلّ يأتي من الشعب نفسه، بأطيافه كافة، ودون محاصصاتٍ طائفية، أو ولاءاتٍ لإيران وغيرها، فلا نخبة اليوم، إلا بما يمثله الشعب، الذي ينظر إلى مستقبلٍ مفعمٍ بالحياة، لا يوجد فيه عدوان، ولا موتٌ مجاني؛ إذ إنّ القامعين لم يتمكّنوا، رغم العنف والقمع، من قنصِ الأمل.


الصفحة الرئيسية