العراق بين الرئيس وعماد وتجار الهيكل

العراق بين الرئيس وعماد وتجار الهيكل

مشاهدة

21/05/2020

حسن فحص

للوهلة الأولى، بدا الاتصال الهاتفي الذي أجراه رئيس الوزراء العراقي الجديد مصطفى الكاظمي مع شقيقه عماد الساكن في السويد من دائرة التقاعد، وكأنه تصرف لا يخرج عن منطق مَن يحاول التأسيس لمرحلة جديدة في الحياة السياسية والإدارية داخل مؤسسات الدولة العراقية المتهالكة، إضافة إلى الرسالة التي أراد إيصالها للمواطن العراقي والمسؤولين، بضرورة العودة إلى السياقات القانونية بعيداً من الوساطات والمحسوبيات وصلة القربى والتنافع، التي أسست لحالة فساد غير مسبوقة على مستوى العالم، حيث وضعت العراق في أعلى خانة على قائمة الفساد وانعدام الشفافية.

مخاطبة الشارع
ويمكن القول إن الإجراءات التي اتخذها الكاظمي حتى هذه اللحظة، تحاول صادقة مخاطبة مشاعر الشارع العراقي وميوله التي تقترب من رغبة في العدل والإنصاف، إن كان في الفيديو المسرَب لحديثه مع شقيقه عماد أو قرار إعادة الاعتبار للفريق عبد الوهاب الساعدي وتعيينه رئيساً لجهاز مكافحة الارهاب. فعودة الساعدي وتكليفه بقيادة الجهاز لا يخرج عن كونه قراراً إدارياً فيه كثير من الإنصاف له ولتضحياته التي أشار إليها الكاظمي بوصفه الساعدي بطلاً، إلا أنه يبقى كمثل السيف الذي يعجز عن الطعن والقتال ما لم تحركه اليد التي تقبض عليه (الكاظمي)، وهو في موقعه لن يكون سوى خاضع لأوامر وتوجهات وتوجيهات القائد العام للقوات المسلحة.

شعبوية محيطة
وعلى الرغم من الحماسة والجدية اللتين أسس لهما الكاظمي في الخطوات الأولى التي اتخذها، إلا أن محاولات التضخيم غير المسوغ وعلى عكس رغبة الكاظمي، التي ربما قام بها الفريق المحيط به، قد ترتد سلباً على الجهود والرؤية التي جاء بها إلى هذا الموقع والنوايا الجادة والصادقة التي ينوي تطبيقها لإخراج العراق من أزمتَيه السياسية والاقتصادية، واستعادة الثقة الدولية والداخلية بالدولة العراقية وجهود مكافحة الفساد، فالشعبوية التي تعامل معها هذا الفريق مع الاتصال الهاتفي ألحقت كثيراً من الأذى بالشقيق الذي لم يتجاوز القانون ولم يسخّر موقع شقيقه على رأس جهاز الاستخبارات لتحقيق مصالح شخصية، إنما جاء في السياقات الطبيعية والإدارية. وألحقت تلك الشعبوية الأذى أيضاً برئيس الوزراء الذي وقع في مصيدة رئيس دائرة التقاعد، الذي دفع بملف طلب التقاعد الخاص بشقيق الكاظمي، في محاولة منه لجس النبض وتوظيف هذه العلاقة في تعزيز موقعه واستمراره على رأس هذه الإدارة التي شغلها منذ عهد رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، والتي تعاني كثيراً من البيروقراطية المنتِجة للفساد باعتراف المتقاعدين ورؤساء الوزراء السابقين أيضاً. إضافة إلى الأذى النفسي الذي نتج من الحساسية المفرطة التي تعامل بها الكاظمي مع شقيقه، وأجبرته على إصدار بيان اعتذار عما بدر منه بحقه في اليوم التالي.

طريق بناء الثقة
ولا يتردد هذا الفريق في إخراج الإجراءات التي يقوم بها الكاظمي من دائرة الخطوات الجدية، على طريق إعادة بناء الثقة بالمؤسسات وعلى رأسها المؤسسة العسكرية إلى حالة شعبوية قد تتحول إلى سلبية عند أي تحد أو منعطف سياسي قد يلجأ إليه رئيس الوزراء، الذي يتقن إلى حد كبير لعبة تدوير الزوايا من دون التنازل عن الثوابت. فهذا الفريق يحاول تسويق وتوظيف قرار إعادة الاعتبار للساعدي وتكليفه قيادة جهاز مكافحة الإرهاب في إطار معركة بعض أفراد هذا الفريق مع القوى السياسية التي حكمت في المراحل السابقة، والتي تمثل الإسلام السياسي، في عملية انتقامية لا تراعي ضرورات العملية السياسية التي تسير على حافة الهاوية، وتسعى إلى إبعاد العراق عن الانزلاق نحو مواجهات مجانية قد تؤدي إلى حرب أهلية لن يتردد أي من الأطراف المتضررة في إشعالها، إذا ما وجد أن مصالحه الوجودية في خطر. بالتالي تعرقل وتعقّد المرحلية التي يجب أن تحكم سياقات التعامل في المرحلة المقبلة، والتدرج من تفكيك التوترات ثم الاستيعاب وتالياً التأسيس لقرارات وطنية بعيدة من المحاصصة والحزبية والمصلحية.
ولعل الخطوة التي قام بها الكاظمي باتجاه مؤسسة "الحشد" والتشديد على علاقتها العضوية مع مؤسسة القائد العام للقوات المسلحة، قطعت الطريق على مخاطر خلق اصطفافات وتنافس بين هذه المؤسسة وجهاز مكافحة الإرهاب، التي قد تؤدي أو تدفع في حال تصعيدها إلى مواجهة بين الطرفين تطيح بما تبقى من إمكانية إنقاذ وتصحيح وإصلاح للدولة العراقية ومؤسساتها.

توزيع التحديات
لا شك في أن الكاظمي أحاط نفسه بمستشارين من ذوي الاختصاص وغير الاختصاص، وأشار في لقائه مع هيئة "الحشد الشعبي" إلى توزيع التحديات التي سيعمل عليها إلى قسمين، الأول عسكري وأمني، يتعلق بإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية بما فيها "الحشد" ومحاربة "داعش" والإرهاب والحفاظ على االعراق، والثاني اقتصادي، إذ يقوم فريق مختص بوضع الخطط الكفيلة باستعادة العراق عافيته الاقتصادية والمؤسساتية. ولا شك في أن كثيراً من المتسقطين سيحاولون الالتصاق به وفعلوا. وسيشكل هؤلاء عبئاً عليه، فيعيقون حركته ويزعزعون ثقة شريحة واسعة من العراقيين راهنت على توليه السلطة، ولهذه الطبقة قدرة التأثير في الرأي العام الشعبي الذي يُعتبر الحامل الأساس الذي أوصل الكاظمي إلى موقع القيادة والقرار.
الرهان على قدرة الكاظمي على تجاوز ما يحاول أن يستثمره البعض من خلال وصوله، في الترويج لمواقفهم وتوجهاتهم، وهو قادر على ذلك. وإذا كانت الحرب التي سيخوضها ضد الفساد والإرهاب معقدة وصعبة، فإن معركته مع "تجار الهيكل" ستكون أكثر تعقيداً لأنها تؤثر سلباً في معركته الرئيسة، وألا يسمح لهؤلاء، خصوصاً أنه كان من السباقين في التشكيك بقدراتهم،  بأن يتحولوا إلى حجاب يعملون على بناء جدار بينه وبين المخلصين وهم كثر.

عن "اندبندنت عربية"


الصفحة الرئيسية