العبوديّة الحديثة... هل تبذل الحكومات الجهود اللازمة لمواجهتها؟

العبودية الحديثة

العبوديّة الحديثة... هل تبذل الحكومات الجهود اللازمة لمواجهتها؟

مشاهدة

27/09/2019

يتكرّر المشهد ذاته؛ أناس غرباء يصلون إلى إحدى القرى النائية، التي ينتشر فيها الفقر والجهل، فينادون بين السكان أنّ الوظائف المُجزية تنتظرهم في مكان ما بعيد يأخذونهم إليه، إن أرادوا، فتدفع الحاجة والاضطرار الفقراء البسطاء للموافقة على الذهاب، هكذا تبدأ قصة كثير من حالات ما يُعرف بـ "العبوديّة الحديثة".

اقرأ أيضاً: بالأرقام.. منظمة حقوقية تتحدث عن أشكال العبودية المعاصرة في قطر
عندما يصلون إلى مكان العمل يتفاجؤون بظروف عمل قاهرة لا تضمن لهم أيّة حقوق، وفي كثير من الأحيان يتمّ نقلهم إلى بلاد أخرى، وفي هذه الحالة، ولتقييدهم بشكل تامّ؛ فإنّ المشغّلين يستحوذون على أوراق العُمّال الضحايا وجوازات سفرهم حتى يصبحوا بلا أيّة إثباتات شخصية.
أشكال مختلفة
تتنوع أشكال العبوديّة الحديثة؛ بين العمل القسريّ الاستغلالي، إلى حالات الاستغلال الجنسي في الدعارة، إلى الخدمة المنزلية القسريّة، إلى ما يعرف بـ "العبوديّة بالديْن"، وهو نوع خاص من العبودية ينشأ عن عجز الشخص عن سداد ما يترتب عليه من ديون فيقوم الدائن بالاستغناء عن المطالبة بديْنه مقابل تحوّل المَدين إلى عبد عنده! وعادة ما ينتشر مثل هذا النوع في المناطق النائية الفقيرة في الدول النامية.

اقرأ أيضاً: ظاهرة العبودية الحديثة.. آخر انتهاكات الحوثيين في اليمن
كما يُصنّف الزواج القسريّ كنوع من العبودية في صيغها الحديثة، وهي عبوديّة تؤثر على ملايين الفتيات حول العالم، اللاتي يتزوجن بضغط من الأهل رجالاً غالباً ما يكونون أكبر بكثير منهنّ، فيخضن حياة يكون غرضها الرئيسيّ خدمة أزواجهن.

تؤثّر عبوديّة الزواج القسري على ملايين الفتيات حول العالم

أكثر من أربعين مليون ضحية!
وتتقاطع العبوديّة الحديثة إلى حدّ كبير مع ما يعرف بـ "الاتجار بالبشر"، وتقدّر منظمة العمل الدولية بأنّ أرباح المنظمات التي تستعبد البشر في ظروف العمل القسري تصل إلى نحو مئة وخمسين مليار دولار في العام.

يفوق عدد ضحايا العبودية الحديثة الحالي مجموع أعداد ضحايا العبودية عبر التاريخ

ووفق مؤشّر العبوديّة الحديثة للعام 2018، الصادر عن منظمة "ووك فري" (Walk Free)، الناشطة في مجال مكافحة العبودية الحديثة، فإنّ ما يقدَّر بنحو (40.3) مليون شخص في جميع أنحاء العالم هم من ضحايا العبودية الحديثة، وهو رقم يفوق مجموع أعداد العبيد عبر التاريخ، (20.1) مليون منهم هم ضحايا عمل قسريّ، و(4.8) مليون يعانون من الاستغلال الجنسي، و(15.4) مليون ضحايا زواج قسريّ.
ووفق المؤشر ذاته؛ فإنّ 62% منهم هم في دول بقارة آسيا، و23% في أفريقيا، و9% في أوروبا، و5% في الأمريكيتين، ونسبة 58% منهم يعيشون في خمس دول آسيوية، وهي: الهند، والصين، وباكستان، وبنغلاديش، وأوزباكستان، وفي أوروبا تتركز الأعداد في دول: رومانيا، واليونان، وقبرص، وإيطاليا، وبلغاريا، وبولندا.

اقرأ أيضاً: السجن لمؤسسي أكبر شبكة عبودية في العصر الحديث.. تفاصيل مأساوية
ولا يعني تركّز الأعداد في دول بعينها أنّ العبودية الحديثة مسؤولية تلك الدول فحسب؛ فالعمالة الرخيصة والعمل القسري في هذه الدول يُنتج العديد من السلع التي تستهلك حول العالم وفي أكثر الدول تقدماً، بما في ذلك دول غرب أوروبا، واليابان، وأمريكا الشمالية، وأستراليا، بالتالي؛ فإنّ ذلك يعني ارتباط المسؤولية بشكل أو بآخر بتلك الدول أيضاً.

يتركز نحو 62% من ضحايا العبودية الحديثة في قارة آسيا

عبوديّة برعاية رسميّة
أما الدولة التي تأتي في صدارة مؤشرات العبوديّة الحديثة، بحسب النسبة من عدد السكان، فهي كوريا الشمالية، وفي عام 2016 وصلت نسبة السكان الذين يعانون من العبودية الحديثة فيها إلى نحو 4.4% من مجموع السكان، وبعدد ضحايا يصل إلى نحو (1.1) مليون شخص، وتصل بعض تقديرات عدد الضحايا هناك إلى (2.6) مليون، وبنسبة تصل إلى 10%، والسبب في ذلك يعود إلى انتشار نظام العمل القسري برعاية من الدولة هناك؛ حيث تجبر الحكومة في كوريا الشمالية أعداداً كبيرة من المواطنين على العمل من أجل الدولة، وتقدر قيمة العمل الذي يقوم به الكوريون الشماليون للحكومة بقرابة المليار دولار أمريكي، وتتنوع الأعمال القسرية بحسب الجنس؛ فالشباب يكون من نصيبهم القيام بأعمال البناء خطرة، وأما النساء فيعملن في مصانع الملابس، وأما ترتيب الدول العربية فجاء كالتالي: أولاً قطر بنسبة ضحايا استعباد بلغت 1.35%، ثم اليمن وسوريا والسودان والصومال وليبيا والعراق، بنسبة ضحايا بلغت 1.13%.

بحسب بعض التقديرات يصل عدد ضحايا العبودية الحديثة في كوريا الشمالية إلى نسبة 10% من السكان

جهود المكافحة... تفاوت بين الدول
وتعود بداية جهود مكافحة العبودية إلى عام 1926، عندما جرى إقرار معاهدة الرقّ من قبل عصبة الأمم المتحدة آنذاك، وكانت بمثابة الوثيقة الدولية الأولى لوقف تجارة الرقّ، ولكن سرعان ما بدا واضحاً أنّ نهاية الرقّ بأشكاله التقليدية المعروفة، لم يكن يعني بالضرورة نهاية الأشكال المحدثة والجديدة منه، وهنا جاءت اتفاقية تكميليّة في عام 1930، باسم اتفاقية العمل الجبري، حظرت العمل الإجباري القسري، ومن ثمّ جاءت "الاتفاقية التكميلية لإبطال الرقّ وتجارة الرقيق والأعراف والممارسات الشبيهة بالرقّ"، الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1956.

اقرأ أيضاً: أرقام صادمة.. "العبودية العصرية" تجتاح العالم
ورغم ذلك استمرّت الأرقام بالتفاقم عبر العقود الماضية، وفي السابع من نيسان (أبريل) عام 2015؛ اعتمد أعضاء الأمم المتحدة بالإجماع هدف إنهاء العبوديّة الحديثة بحلول عام 2030، باعتبار أنّ ذلك أحد الأهداف الإستراتيجية ضمن خطط تحقيق التنمية المستدامة، لكن، ومع وصول عدد الضحايا إلى (40.3) مليون واستمرار نمو الأرقام، فإنّ تحقيق هذا الهدف يبدو مستحيلاً، فتحقيقه يتطلب تحرير حوالي 10 آلاف شخص يومياً على مدار العقد المقبل، وهو ما لا تبدو بوادره ممكنة على المدى القريب.

تقرير دولي: جاءت قطر الأولى بنسبة ضحايا استعباد بلغت 1.35%، ثم اليمن وسوريا والسودان والصومال وليبيا والعراق بنسبة 1.13%

وبغرض المساعدة على تحقيق هذا الهدف المنشود، قامت مؤسسة "ووك فري" بتقييم أداء (183) دولة، فيما يتعلق بالجهود المبذولة للقضاء على العبودية الحديثة وملاحقة المتورطين فيها، وذلك في تقرير خاص، صدر عنها العام الماضي 2018.
ووفق التقرير؛ فإنّ أسوأ الدول بهذا الخصوص كانت كوريا الشمالية وإريتريا، مع توّرط حكومتيْهما بشكل رسمي، وحدّدت دول: إيران، وليبيا، وغينيا الاستوائية، وبوروندي، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، كدول لم تتخذ إجراءات لإنهاء العبودية، أما الدول الغنية التي لم تتخذ سوى خطوات محدودة؛ فهي: قطر، والكويت، وسنغافورة، وسلطنة بروناي، وهونغ كونغ، وروسيا.
وأشار التقرير إلى أنّ دول: أوكرانيا، وجورجيا، ونيجيريا، وأثيوبيا، وموزمبيق، اتخذت خطوات مهمّة، رغم أنّ محدوديّة مواردها، في حين رأت حكومات دول: السويد، وهولندا، والمملكة المتحدة، وإسبانيا، وبلجيكا، وألمانيا، والنرويج، والولايات المتحدة، وأستراليا، الأكثر التزاماً بإجراءات مكافحة العبوديّة الحديثة.

مسيرة في لندن للمطالبة بإنهاء كافة أشكال العبوديّة الحديثة

حلول وإجراءات... في سبيل التصدي
تعدّ عمليات الهجرة غير الشرعية واللجوء من أكثر الأسباب التي تعرض الأشخاص لأن يكونوا عرضةً للاستعباد الحديث؛ حيث يكونون عند الوصول إلى البلد المتوجهين إليه وأثناء طريقهم إليه في وضعية هشّة مع فقدانهم الإثباتات والأوراق الرسمية والوضع القانوني الصائب وحاجتهم الماسّة للعمل، ما يجعل من السهولة استدراجهم، وهنا يبرز أهميّة دور الدول التي يقصدها المهاجرين واللاجئين لتوفير الحماية لهم، وخلال العقود الأخيرة عملت حكومات البلدان في أوروبا الغربية على توفير الحماية اللازمة للاجئين والمهاجرين الذين يصلون إليها، على خلاف دول أوروبا الشرقية التي لا تزال تبدي تقصيراً كبيراً في هذه الشأن.

اقرأ أيضاً: العبودية الحديثة.. واقع خطير يصعب اجتثاثه
ويعتبر الجانب التشريعي من أهم الجوانب في عملية التصدي للاستعباد الحديث، وبحسب التقرير؛ فإنّ (122) دولة فقط قامت بتجريم الاتّجار بالبشر، بما يتوافق مع بروتوكول الأمم المتحدة الخاص بالاتجار بالبشر، بينما قامت (38) دولة فقط بتجريم الزواج القسريّ، وفي حين تُجرِّم جميع الدول الأوروبية جميع أشكال العبودية الحديثة إلا أنّ حالات من الفساد الموجود في العديد من الدول الأوروبية، تحدّ من دور هذه التشريعات، وذلك نتيجة التساهل بتنفيذ القوانين، وهنا يشار إلى انخفاض عدد الإدانات بالاستعباد الحديث في أوروبا، عام 2016، بنسبة 25% مقارنة بعام 2011، رغم زيادة عدد الضحايا.

تصدرت كوريا الشمالية مؤشرات العبوديّة الحديثة بنسبة وصلت إلى نحو 4.4% من مجموع السكان

ومن المجالات المهمة في معركة التصدي للاستعباد الحديث مجال مكافحة عمليات غسيل الأموال والتهرب الضريبي، التي تقوم بها المنظمات المعتمدة عليه، وفي هذا الإطار يُشار إلى التقدم المهمّ الذي حققته المملكة المتحدة؛ حيث وضعت الحكومة مؤخراً إصلاحات في النظام القانوني من خلال قانون التمويل الجنائي؛ حيث يرتفع بموجبه مستوى الشفافيّة فيما يتعلق بمشاركة المعلومات بين البنوك والجهات المعنيّة، للمساعدة في اتخاذ إجراءات ضدّ عمليات غسيل الأموال وحالات التهرب الضريبي ذات الصلة بالعبوديّة الحديثة.
وقد تقدّمت الإشارة إلى دور الدول المتقدمة، وتحمّلها هي الأخرى المسؤولية بشكل غير مباشر، رغم تدنّي أعداد الضحايا فيها؛ حيث تستورد هذه الدول ما قيمته (270) مليار دولار من البضائع التي تمّ إنتاجها في ظروف مشبوهة سنوياً، وبحسب تقرير المنظمة؛ فإنّ في مقدمة تلك البضائع تأتي مواد الفحم، والكاكاو، والأسماك، والأخشاب، والقطن، وغيرها من المنتجات التي هناك احتمال عال لارتباط عملية إنتاجها بالعبودية الحديثة.
وفي هذا السياق؛ يظهر أمل مستقبليّ قد تأتي به التكنولوجيا الحديثة، وذلك عبر إمكان استخدام أدوات شفافية سلسلة التوريد لتحسين جودة عمليات التتبع والشفافية، للتأكّد من معايير العمل في سلسلة التوريد، والتي يتمّ تطويرها بالتزامن مع تطوير سلاسل كتل البيانات المعروفة بالـ "بلوك تشينز" (Block Chains).

يزداد الأمل بإمكان تحقيق رقابة صارمة على سلاسل الإنتاج والتوريد وبالتالي تتبع ظروف إنتاج البضائع

وأشارت الباحثة غادة سالم، المستشارة السابقة لسياسات العدالة والاقتصادية لدى منظمة "اوكسفام"، وقد سبق لها العمل أيضاً مع منظمة العمل الدولية ووزارة العمل الأردنية، عند سؤال "حفريات" لها عن أسباب استمرار العبودية في عالم اليوم، رغم الجهود، إلى أنّ "العبودية تعدّ واحدة من أقسى الممارسات البشرية التي تشاركتها الشعوب، وما تزال مستمرة حتى يومنا هذا، رغم المواثيق والتشريعات الدولية والوطنية التي تحرّم مثل هذه الممارسات وتجرّمها؛ حيث تؤدّي الظروف الاقتصادية، كالفقر والبطالة، إلى وقوع كثير من النساء والأطفال في ما يسمى بالعبودية الحديثة، والتي تنطوي على عدد من الممارسات كالعمل الجبري، وعمالة الأطفال، والاتجار في البشر".
ويلاحظ، وفق سالم، أنّه "نتيجة للعولمة، وضعف آليات الحماية الاجتماعية، وغياب آليات الرقابة والتشريعات ذات العلاقة، يُلاحظ تزايد أعداد الأشخاص الذين يُصنفون ضمن هذه المجموعة، كما ويلاحظ ضعف دور منظمات المجتمع المدني في تسليط الضوء على مثل هذه الظواهر، وتوجيه الجهود الوطنية نحو بناء توافق وطني لتجريم مثل هذه الظواهر، والكشف عن مرتكبيها وتأهيل الضحايا".

الصفحة الرئيسية