
في الوقت الذي تُجمع فيه الشرائع السماوية والقيم الإنسانية على حرمة الموت وجلاله، تبرز جماعة الإخوان المسلمين بخطاب استثنائي يكسر هذه القاعدة الأخلاقية. فالشماتة في الموت لدى التنظيم ليست مجرد انفعال فردي عابر، بل هي "فعل تنظيمي" مدروس وأداة عقابية تهدف إلى ترهيب الأحياء عبر النيل من الأموات.
وقد كشفت حملات الشماتة الأخيرة التي أعقبت وفاة المحامي والقيادي المنشق مختار نوح عن عمق الأزمة الأخلاقية والبنيوية داخل الجماعة، حيث تحول الموت من واعظ ديني إلى "منصة تصفية حسابات" سياسية وفكرية، تعكس ضيق أفق التنظيم وعجزه عن استيعاب فكرة الاختلاف حتى في لحظات الوداع الأخير.
سيكولوجية الشماتة... الموت بوصفه "انتقاماً إلهياً"
تعتمد أدبيات الإخوان في تبرير الشماتة على مغالطة لاهوتية كبرى، وهي ادعاء "التحدث باسم الإرادة الإلهية"، فهم لا يرون في الموت حقيقة بيولوجية وقضاءً قدرياً يسري على الجميع، بل يفسرون موت خصومهم، وخاصة المنشقين عنهم، باعتباره "عقوبة إلهية" أو "انتقاماً من الله" لمناصرة الحق "الذي يمثلونه هم حصراً".
تعتمد أدبيات الإخوان في تبرير الشماتة على مغالطة لاهوتية كبرى، وهي ادعاء "التحدث باسم الإرادة الإلهية"، فهم لا يرون في الموت حقيقة بيولوجية وقضاءً قدرياً يسري على الجميع، بل يفسرون موت خصومهم، وخاصة المنشقين عنهم، باعتباره "عقوبة إلهية" أو "انتقاماً من الله" لمناصرة الحق "الذي يمثلونه هم حصراً".
هذه الرؤية نابعة من فكرة "الاستعلاء بالإيمان" التي غرسها سيد قطب، حيث يعتقد العضو أنّ الجماعة هي "جند الله"، وأنّ خصومها هم "أعداء الله". وبناءً عليه، تصبح الشماتة في الموت نوعاً من "العبادة" أو "الفرح بنصر الله". هذا التحريف للمفهوم الديني يُلغي تماماً مبدأ "اذكروا محاسن موتاكم"، ويستبدله بمبدأ "التشهير بالهالكين"، وهو مصطلح يكثر استخدامه في أدبياتهم لوصف كل من خرج عن طوع المرشد أو انتقد مسار الجماعة.
مختار نوح... لماذا توجعهم الوفاة أكثر من الحياة؟
مثّل مختار نوح، الذي وافته المنية مؤخراً، نموذجاً فريداً للمنشق "المعرفي". لم يكن مجرد عضو غادر التنظيم، بل كان فقيهاً قانونياً وكادراً قيادياً امتلك شجاعة تفكيك البنية الفكرية للجماعة من الداخل. وطوال عقود بعد انشقاقه ظل نوح يمثل "المرآة الكاشفة" لعيوب التنظيم، وهو ما جعل الحقد التنظيمي تجاهه يتراكم خلف جدران الصمت، لينفجر في لحظة وفاته.
حملة الشماتة في مختار نوح لم تكن عفوية، بل كانت انعكاساً لمرارة التنظيم من قدرته على إقناع قطاعات واسعة من الشباب بمراجعة أفكارهم. بالنسبة إلى الإخوان، موت مختار نوح "كافراً بقدسية الجماعة" هو فرصة لإرسال رسالة ترهيبية لكل من يفكر في الانشقاق: "انظروا إلى نهايته، وكيف سيلاحقه لعننا حتى في قبره". إنّهم لا يشمتون في شخصه بقدر ما يشمتون في "فكرة المراجعة" التي جسّدها، محاولين طمس إرثه النقدي عبر ركام من الشتائم الرقمية والدعوات بـ"الهلاك".
جذور "الغل" في أدبيات التنظيم الخاص
بالعودة إلى الجذور التاريخية، نجد أنّ فكرة الشماتة متجذرة في ثقافة "التنظيم الخاص"، ففي مذكرات العديد من قادة الجماعة يتم تصوير خصومهم الذين ماتوا في مواجهات أو بأمراض طبيعية كأنّهم سقطوا بـ "لعنة الجماعة"، ويروّج الخطاب الإخواني الداخلي لفكرة أنّ "من عادى الجماعة ساءت خاتمته"، وهي فكرة تهدف إلى ربط الولاء التنظيمي بالخلاص الأخروي.
بالعودة إلى الجذور التاريخية، نجد أنّ فكرة الشماتة متجذرة في ثقافة "التنظيم الخاص"، ففي مذكرات العديد من قادة الجماعة يتم تصوير خصومهم الذين ماتوا في مواجهات أو بأمراض طبيعية كأنّهم سقطوا بـ "لعنة الجماعة"، ويروج الخطاب الإخواني الداخلي لفكرة أنّ "من عادى الجماعة ساءت خاتمته"، وهي فكرة تهدف إلى ربط الولاء التنظيمي بالخلاص الأخروي.
هذا الخطاب يُحوّل الجماعة من "حركة دعوية" إلى "طائفة مغلقة" تحتكر الجنة وتوزع صكوك الغفران. فبينما يتم تمجيد قتلى الجماعة كـ "شهداء" و"عرسان في الجنة" مهما كانت جرائمهم، يتم تصوير الخصم السياسي، مهما كانت نزاهته، باعتباره "طاغية" أو "خائناً" يستحق الفرح بموته. هذه الازدواجية الأخلاقية هي التي تبرر لعضو الإخوان أن يسجد "سجدة شكر" عند سماع خبر وفاة معارض، في مشهد ينسف كل قيم الوقار الديني.
"الاغتيال المعنوي" ما بعد الرحيل
تستخدم الجماعة الشماتة في الموت أداة لـ "الاغتيال المعنوي" الذي لا ينتهي بانتهاء الحياة. ففي حالة مختار نوح ركزت الحسابات التابعة للجماعة واللجان الإلكترونية على استعادة مواقفه السياسية المعادية للتنظيم بعد عام 2013، وتصويرها كـ "خيانة للمنهج". الهدف هنا هو منع القواعد الشبابية من التعاطف مع الراحل أو قراءة كتبه ومراجعاته.
إنّ الشماتة هنا تعمل كـ "حائط صد" معرفي. فلو تم التعامل مع وفاة نوح بوقار، لربما تساءل شاب إخواني: "لماذا غادر هذا الرجل الجماعة وهو من قادتها؟". لذا، يكون الحل هو تشويه صورته وهو ميت، وإسقاط صفة "الإيمان" و"الصلاح" عنه، ليصبح في نظر الأتباع "عبرة" وليس "قدوة". هذا النوع من التحريض الإلكتروني يعكس حالة من الإفلاس القيمي، حيث لم يتبقَّ للجماعة من أدوات المواجهة سوى اللعب على أوتار الغيبيات وتفسير الموت وفق الهوى السياسي.
تهافت الخطاب الإنساني الإخواني
دائماً ما يتحدث الإخوان في الغرب عن "حقوق الإنسان" و"الكرامة الإنسانية" و"قيم الإسلام السمحة". لكنّ حملات الشماتة المتكررة "التي طالت سابقاً مفكرين وكُتاباً وساسة، ووصلت ذروتها مع مختار نوح" تكشف أنّ هذا الخطاب هو "للاستهلاك الخارجي" فقط.
الحقيقة البنيوية داخل الجماعة هي "الولاء والبراء" المسيس. فالإنسان عندهم لا يستحق الكرامة لمجرد كونه إنساناً، بل بقدر خدمته لمشروع الجماعة. هذا التهافت الأخلاقي يجعل من الجماعة عاجزة عن الاندماج في أيّ مجتمع ديمقراطي حقيقي؛ لأنّ الديمقراطية تقوم على احترام الخصم، بينما تقوم أدبيات الإخوان على "استئصال الخصم" معنوياً حتى بعد رحيله عن الدنيا.
الشماتة علامة على الانحدار النهائي
إنّ سيل التدوينات والبيانات والتعليقات التي نضحت بالشماتة في وفاة مختار نوح، لم تكن مجرد سقطة لسان لبعض الأنصار، بل كانت مرآة عاكسة لما وصلت إليه الجماعة من انحدار أخلاقي وتيه استراتيجي. الشماتة في الموت هي "سلاح الضعفاء" الذين يعجزون عن مقارعة الحجة بالحجة في ميدان الحياة، فينتظرون الموت ليمارسوا بطولاتهم الوهمية خلف الشاشات.
لقد أثبت مختار نوح في حياته زيف خطابهم، وأثبتوا هم في وفاته صدق كل ما قاله عن "دموية وتوحش" تفكيرهم. إنّ الجماعة التي لا تحترم "هادم اللذات" ولا تُقدر جلال الموقف بين يدي الخالق، هي جماعة فقدت بوصلتها الروحية وتحولت إلى محض ماكينة حقد إيديولوجي.
وفي نهاية المطاف، سيبقى إرث مختار نوح النقدي مرجعاً لكل من ينشد الحرية من أسر التنظيمات الشمولية، بينما ستظل شماتة الإخوان وصمة عار تلاحق تنظيماً يقتات على الموت ويكره الحياة، ويثبت يوماً بعد يوم أنّه يفتقر لأبسط مقومات المروءة التي عرفها العرب حتى في جاهليتهم، ناهيك عن إسلامه.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_9.jpg.webp?itok=h5nc3PPx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=GITWNTHB)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_19_1.jpg.webp?itok=Sr99NZL9)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_5.png.webp?itok=h3R86nbr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

