
رغم سقوط نظام البشير عام 2019 فإنّ كثيراً من شبكات النفوذ المرتبطة بالحركة الإسلامية بقيت حاضرة داخل مؤسسات الدولة، خاصة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، وهو ما جعل عملية تفكيكها إحدى أعقد القضايا التي واجهت المرحلة الانتقالية، مع الأخذ في الحسبان أنّ الحرب الحالية وفرت بيئة مناسبة لإعادة تموضع الإسلاميين داخل المشهد السوداني، إذ سمحت حالة التعبئة العسكرية والاستقطاب الأمني بعودة كوادر مرتبطة بالنظام السابق تحت لافتات "المقاومة الشعبية" و"الدفاع عن الدولة". وأسهمت أجواء الحرب في تهميش القوى المدنية التي قادت الحراك الشعبي بعد سقوط البشير، وتحويل النقاش العام من قضايا الانتقال الديمقراطي والإصلاح السياسي إلى أولويات الأمن والبقاء العسكري.
توسع النفوذ الإيراني
إعادة فتح قنوات التواصل بين الخرطوم وطهران أعادت إلى الواجهة المخاوف القديمة المرتبطة باستخدام السودان كمنصة لوجستية ضمن شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة. فخلال عهد البشير لعب السودان دوراً محورياً في العلاقات الإيرانية الأفريقية، وشكّل ممراً لوجستياً حساساً في ملفات إقليمية متعددة. من ثمّ عودة هذا المسار، ولو بصورة جزئية، تثير قلقاً متزايداً لدى الولايات المتحدة ودول الخليج، خاصة في ظل التوترات الإقليمية الحالية واتساع المواجهة غير المباشرة بين إيران وخصومها في المنطقة.
ويوضح "معهد واشنطن" في تقرير له أنّه خلال تلك المرحلة لم تقتصر هيمنة الإسلاميين على المؤسسات المدنية، بل امتدت إلى الجيش والأجهزة الأمنية والقطاع الاقتصادي، ضمن مشروع "التمكين" الذي أعاد تشكيل مؤسسات الدولة على أسس إيديولوجية وتنظيمية. وارتبط السودان آنذاك بعلاقات وثيقة مع إيران، واستضاف شخصيات وتنظيمات متشددة، من بينها أسامة بن لادن خلال تسعينيات القرن الماضي، في وقت واجه فيه النظام السوداني اتهامات دولية بدعم جماعات متطرفة والتورط في أنشطة إقليمية مزعزعة للاستقرار.
وقال المعهد الأمريكي إنّه بحسب البيان الأمريكي الرسمي بشأن التصنيف، ساعدت "جماعة الإخوان المسلمين" في السودان في تجنيد ما يزيد على 20 ألف مقاتل لقوات البرهان خلال الحرب في السودان، وقد تلقى العديد منهم تدريبات على يد "الحرس الثوري". وتعود جذور هذه العلاقة إلى عهد رئاسة البشير الذي خضع نظامه لعقوبات أمريكية بسبب اتهامات بدعم الإرهاب، واستضافة عدد من الجماعات المتطرفة، وارتكاب انتهاكات مرتبطة بالنزاع في دارفور. وعلى الرغم من أنّ السودان قطع علاقاته مع طهران في عام 2017 ضمن إعادة تموضع إقليمي بقيادة السعودية التي قطعت علاقتها بإيران في ذلك الوقت، إلا أنّ هذا الفصل لم يكن كاملاً. فقد أعاد عبد الفتاح البرهان، رئيس "مجلس السيادة السوداني" وقائد الجيش السوداني، الذي لديه صلات بـ "جماعة الإخوان المسلمين"، فتح قنوات الاتصال مع إيران في تشرين الأول/أكتوبر 2023، بحثاً عن أسلحة، بعد أشهر من اندلاع الحرب في السودان.
ومن المرجح أنّ هذا التوقيت لم يكن عفوياً، حيث تشير التقارير إلى أنّ أحد دوافع تحركات إيران لاستئناف العلاقات مع السودان كان إمكانية إعادة تفعيل مسارات لوجستية لنقل الأسلحة إلى حماس عبر السودان. وقد زودت طهران الجيش السوداني بطائرات مسيّرة، ممّا أعاد الخرطوم تدريجياً إلى دائرة النفوذ الإيراني بطريقة تستحضر مرحلة حكم البشير. وهو ما يفسر أيضاً سعي إيران إلى استخدام السودان كمستودع لتخزين الأسلحة وإعادة تسليح حلفائها في المنطقة. ومن هذا المنطلق، فالسودان ليس مجرد شريك لإيران، بل هو محور لوجستي هائل واستراتيجي في شبكة نفوذها الإقليمي، وهو الأمر الذي جرّ البلاد إلى تحالف استراتيجي يتجاوز بكثير حدود أزمتها الداخلية.
واشنطن تعيد تصنيف السودان ضمن أولويات الأمن القومي
رغم أهمية التصنيف الأمريكي من الناحية السياسية والرمزية، فإنّ مراقبين يرون أنّ العقوبات وحدها لن تكون كافية لتفكيك شبكات الحركة الإسلامية داخل السودان. حيث إنّ التيارات المرتبطة بالنظام السابق تمتلك، وفق تقديرات عديدة، نفوذاً متجذراً داخل قطاعات الجيش والأمن والاقتصاد، إضافة إلى شبكات مالية وتجارية معقدة مرتبطة بالذهب والاستيراد والتصدير. كما أنّ التجارب الإقليمية، بحسب ما يشير المعهد الأمريكي، أظهرت قدرة الجماعات العقائدية على إعادة التموضع تحت مسمّيات جديدة أو عبر واجهات سياسية وأمنية مختلفة، وهو ما يجعل عملية تفكيكها أكثر تعقيداً من مجرد فرض عقوبات قانونية.
وعليه، فإنّ أيّ تحول حقيقي في المشهد السوداني سيظل مرهوناً بقدرة المؤسسة العسكرية على إعادة تعريف علاقتها بالتيارات الإيديولوجية، إلى جانب إطلاق عملية سياسية شاملة تؤدي إلى وقف الحرب وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية ومدنية. وفي ظل استمرار الحرب، وتعدد مراكز النفوذ داخل السودان، يبدو أنّ البلاد تدخل مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الحسابات الداخلية بالصراعات الإقليمية، بينما يبقى مستقبل الدولة السودانية معلقاً بين مسارين؛ إمّا تسوية سياسية تعيد بناء الدولة ومؤسساتها، وإمّا استمرار حرب مفتوحة تعيد إنتاج دوائر الانقسام والفوضى لسنوات طويلة مقبلة.
لهذا، تعكس الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمكافحة الإرهاب لعام 2026 تحولاً لافتاً في طريقة تعاطي واشنطن مع الأزمة السودانية، إذ لم يعد السودان يُنظر إليه فقط باعتباره ساحة حرب أهلية أو أزمة إنسانية معقدة، بل بات يُدرج بصورة متزايدة ضمن ملفات الأمن القومي الأمريكي المرتبطة بمكافحة الإرهاب وأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي واحتواء النفوذ الإيراني في المنطقة. ويشير إدراج السودان ضمن المناطق التي تشهد "تهديدات إرهابية متصاعدة" إلى جانب الساحل الأفريقي وغرب أفريقيا وحوض بحيرة تشاد وموزمبيق والصومال، إلى أنّ واشنطن بدأت تنظر إلى الصراع السوداني من زاوية أوسع تتجاوز الحسابات السياسية المحلية، لتربطه بشبكات التهريب والتسليح والتنظيمات العابرة للحدود والتوازنات الإقليمية الحساسة.
خلال السنوات الماضية تركزت المقاربة الأمريكية تجاه السودان على ملفات الانتقال السياسي ووقف إطلاق النار والاستجابة الإنسانية، غير أنّ التطورات الميدانية والعسكرية الأخيرة دفعت دوائر صنع القرار في واشنطن إلى إعادة تقييم المشهد السوداني ضمن منظور أمني واستراتيجي أكثر تشدداً.
وتربط تحليلات أمريكية وأوروبية بين هذا التحول وبين تنامي دور الجماعات الإسلامية المرتبطة بالنظام السابق داخل الحرب، بالإضافة إلى تصاعد النفوذ الإيراني في السودان، والتوترات المتزايدة في البحر الأحمر، والتوسع في استخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة غير التقليدية في النزاعات الإقليمية. إذ إنّ السودان بات يُنظر إليه باعتباره نقطة تقاطع بين عدة ملفات حساسة تشمل أمن الملاحة الدولية، وشبكات التهريب الإقليمي، والصراع على النفوذ في القرن الأفريقي، وهو ما يفسر تصاعد الاهتمام الأمريكي بإعادة إدراجه ضمن أولويات مكافحة الإرهاب.
اللافت في المقاربة الأمريكية الجديدة هو التركيز على ما تصفه واشنطن بـ "الشبكات الهجينة"، وهي الكيانات التي تمزج بين النشاط العسكري والإيديولوجي والاقتصادي، وتستفيد من الفوضى والحروب لبناء نفوذ عابر للحدود. وفي الحالة السودانية تتزايد المخاوف الغربية من تحوّل بعض المجموعات المرتبطة بالحركة الإسلامية إلى شبكات معقدة تجمع بين العمل العسكري والتمويل غير الرسمي وعمليات تهريب الذهب والأسلحة والتنسيق الإقليمي مع أطراف خارجية.
وتثير عودة العلاقات بين الخرطوم وطهران منذ أواخر 2023 قلقاً متزايداً داخل المؤسسات الأمنية الأمريكية، خاصة مع الحديث عن دعم إيراني تقني وعسكري للجيش السوداني في مجالات الطائرات المسيّرة والتسليح. وترى دوائر غربية أنّ السودان قد يتحول تدريجياً إلى ساحة نفوذ إيرانية متقدمة على البحر الأحمر، بما يمنح طهران موطئ قدم استراتيجياً قرب أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
في قلب هذا التحول الأمريكي يبرز ملف جماعة الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية السودانية، اللتين تعتبرهما واشنطن جزءاً من البيئة السياسية والتنظيمية التي أسهمت في تعقيد الصراع وإطالة أمد الحرب. وتعتقد دوائر أمريكية أنّ شبكات الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة، خاصة المؤسسة العسكرية والأمنية، ما تزال تمتلك نفوذاً واسعاً رغم سقوط نظام عمر البشير عام 2019، وأنّ الحرب الحالية وفّرت لهذه الشبكات فرصة لإعادة التموضع تحت مظلة "المقاومة الشعبية" والدفاع عن الدولة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/kolds5bJ.jpg.webp?itok=XhkLPCxd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88_0.jpg.webp?itok=5vQRr4dD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_1_0.jpg.webp?itok=5LhvMVBt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A_0_2_0.jpg.webp?itok=_sFlPzn8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B8%D9%84%D8%A7%D9%84_0_2.jpg.webp?itok=hQGL9w4e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D9%85%D8%AF%D9%8A%D8%B1-%D8%A3%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%B9%D8%B2-%D9%86%D8%A8%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AF%D9%87%D9%8A.jpg.webp?itok=tiXXhcD0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_0.jpg.webp?itok=Di4TYWFQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/81872688-fbc4-42e8-89c8-2a104ba8fefe.png.webp?itok=E_fyVLVH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A_1_1_0_0_0.jpg.webp?itok=mo5Wod39)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/474d1761-eb23-42bc-9067-7e2924393dd2.jpg.webp?itok=B_iW5YGn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_9_0.jpg.webp?itok=1nRP-ZIv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_90.png.webp?itok=nqFTAzIc)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20_2.jpg.webp?itok=AnV0Unc7)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-16%20142601.png.webp?itok=2qlF45oa)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)