السودان: آمال وشكوك حول مستقبل اتفاق جوبا للسلام

السودان: آمال وشكوك حول مستقبل اتفاق جوبا للسلام

مشاهدة

10/09/2020

تسود بين المراقبين لأوضاع الحركات المسلحة في السودان حالة من التفاؤل الحذر، عقب توقيع اتفاق بالأحرف الأولى في جوبا بين الحكومة الانتقالية، وتحالف الجبهة الثورية السودانية، لإنهاء عقدين من الصراع الدامي في ولايات دارفور، والنيل الأزرق، وجنوب كردفان.

ووقعت عدّة حركات مسلحة منضوية تحت تحالف الجبهة الثورية على الاتفاق، بينما رفضت حركتان كبيرتان التفاوض، وهناك تفاؤل بنجاح هذه الاتفاقية؛ نظراً لتغير طبيعة السلطة في السودان، بعد إطاحة نظام البشير، بماضيه الدموي تجاه المناطق الثائرة.

عن حركة تحرير السودان يقول الناشط عمر طبيق: كلّ المعسكرات الموجودة في دارفور تميل إلى جناح عبد الواحد نور، ويؤيده جناح طلابي في الجامعات السودانية

وفي المقابل؛ هناك تخوّفات جدية حول قدرة أطراف الاتفاق على الالتزام به، خصوصاً أنّه ليس الأول من نوعه، فضلاً عن؛ الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها السودان، التي تمثّل عائقاً أمام تحسين الوضع في مناطق النزاع، وحلّ مشاكل النازحين، إلى جانب كيفية تطبيق البنود الأمنية، والمشاكل الداخلية التي يعاني منها الائتلاف الحاكم، والحركات المسلحة، وضعف الوسيط الجنوب سوداني.

ويبقى الرهان على تطبيق بنود الاتفاق كاملة، ورعاية الأطراف الإقليمية خصوصاً مصر والإمارات وإثيوبيا وتشاد، والمجتمع الدولي لتطبيق الاتفاق، والمساعدة على توفير الأموال اللازمة.

بنود الاتفاق

وشارك في الاتفاق قطاع عريض من الحركات المسلحة، ينضوي تحت مسمى "الجبهة الثورية"، وعن دارفور شاركت كلاً من؛ حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، وحركة العدل والمساواة، بزعامة جبريل إبراهيم، وحركة تحرير السودان-المجلس الانتقالي بقيادة الهادي إدريس يحيى، وهو الذي يرأس تنظيم الجبهة الثورية حالياً، بينما امتنعت حركة تحرير السودان-جناح عبد الواحد نور عن المشاركة.

صورة تجمع الرؤساء وقادة الحركات والوفد الإماراتي في جوبا

وعن منطقة النيل الأزرق وجنوب كردفان تفاوضت الحركة الشعبية بقيادة مالك عقار، بينما انسحبت الحركة الشعبية-جناح عبد العزيز الحلو، وشارك تنظيم حركة كوش النوبية باسم شمال السودان، وتيارات تمثّل شرق ووسط السودان.

وشمل الاتفاق على ثمانية بروتوكولات، تناولت القضايا محلّ النزاع، هي؛ ملف السلطة، وملف الثروة والنازحين واللاجئين، وملف قضايا الرحل والرعاة، وملف العدالة والحقيقة والمصالحة، وملف التعويضات وجبر الضرر، وملف الأرض والحواكير، وملف الترتيبات الأمنية، وملف اتفاق سلام دارفور.

اقرأ أيضاً: هل تُرفع السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب قريباً؟

وفي ملف السلطة؛ اتفق الطرفان على استعادة نظام الحكم الإقليمي الفدرالي، وأن يحصل الموقّعون من الفصائل المسلحة فيما بينهم، على الصعيد الوطني، على ثلاثة مقاعد في المجلس الحاكم، وخمس وزارات، ورُبع مقاعد المجلس التشريعي الانتقالي، البالغة إجمالياً 300 مقعد.

وعلى نسبة 40% من المناصب في حكوماتهم الإقليمية، التي ستحصل على 40% من الإيرادات المحصلة محلياً، وسيدفع صندوق جديد 750 مليون دولار سنوياً لمدة 10 سنوات لتنمية مناطق النزاع.

الصحفية السودانية شمائل النور لـ"حفريات": أخطر ما يهدّد الاتفاق هو بند الترتيبات الأمنية، وهناك عقبة قوات الدعم السريع برئاسة حميدتي، والتي تتمسك باستقلالها عن الجيش

وفي ملف الترتيبات الأمنية؛ تقرر دمج قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان-شمال، ومؤسساته الأمنية الأخرى، والقوى المسلحة في حركات دارفور الأخرى، في الجيش السوداني المهني الموحد والقوات النظامية الأخرى، في عملية مرحلية، تستغرق 39 شهراً، وأن يتعاون الطرفان في حلّ مشكلة الحركات التي لم تنضم للاتفاق.

وكان رئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك، قد ناشد القائد عبد العزيز الحلو، والقائد عبد الواحد نور للانضمام لركب السلام، ومن المنتظر التوقيع النهائي على الاتفاق، بحضور دولي كبير، في دولة لم تُحدد بعد،

اقرأ أيضاً: بعد السودان... هذا ما فعلته الفيضانات في الجزائر

وحول موقف الشعب السوداني من الاتفاق، يقول الناشط الاجتماعي السوداني، عمر طبيق: "الشعب السوداني يرحّب بالسلام، وبكلّ اتفاق يُسكت أصوات الرصاص، واتفاق جوبا هو سياسي في المقام الأول، ويحتاج إلى إرادة شعبية وحواضن اجتماعية في إقليم دارفور ومناطق جبال النوبة والنيل الأزرق كي ينجح في تنفيذ بنوده".

قلق حول البنود المالية

ولا يبدو أنّ السودان قادر وحده على توفير مبلغ 7 مليار دولار، لمدة 10 أعوام، لإعادة الإعمار، وحلّ مشاكل اللاجئين، وإعادة توطين المهجرين، وهو الأمر الذي يهدّد الاتفاق.

حميدتي مع قادة الحركات المسلحة في جوبا

وحول ذلك يقول الناشط والمحلل السياسي السوداني، خالد بابكر أبو عاقلة: "اتفاق جوبا هشّ، وقد لا يستمر طويلاً، فلنا تجارب كثيرة مع اتفاقيات الحركات المسلحة، لم تنجح، إلى جانب أنّ الحكومة لا تمتلك موارد اقتصادية كافية، والاتفاقية أصلاً هي اقتصادية ومالية وتقاسم ثروة غير موجودة حتى الآن".

ويتابع أبو عاقلة، لـ "حفريات": "هناك مئات آلاف النازحين من دارفور، داخل السودان وخارجه، فقدوا بيوتهم ومزارعهم وقراهم، يعيشون على أموال الإغاثة، ولنجاح الاتفاق يجب حلّ ذلك".

اقرأ أيضاً: الإمارات تواصل إرسال طائرات المساعدات إلى السودان

وتغذي الأوضاع المعيشية الصعبة بذور التمرّد في البلاد، وتهدّد بظهور حركات مسلحة أخرى، ويبيّن عمر طبيق، لـ "حفريات" ذلك قائلاً: " السلام يحتاج إلى تمويل مالي ودعم فني، ولا بدّ من أن ينزل السلام السياسي الفوقي؛ من تقاسم سلطة وامتيازات إلى برامج تمس المواطن، وبدون هذا سنشهد حركات تمرد أخرى، تجد السند من المواطنين".

تحدّي الترتيبات الأمنية

وتمثّل إعادة دمج القوى المسلحة للحركات في الجيش السوداني التحدي الأكبر، والصخرة التي تحطمت عليها الاتفاقيات الشبيهة السابقة، وتشرح ذلك الصحفية السودانية، شمائل النور، بقولها: "أخطر ما يهدّد الاتفاق هو بند الترتيبات الأمنية، وعلى مرّ التاريخ فإنّها ظلّت الشيطان الذي يكمن في التفاصيل؛ وهناك عقبة قوات الدعم السريع برئاسة حميدتي، والتي تتمسك باستقلالها عن الجيش، مما يغري بقية الحركات بتبني الموقف ذاته".

اقرأ أيضاً: المقاومة الشعبية تبرز في السودان لمواجهة الفيضانات... وهذه تحديات الحكومة

وتردف شمائل النور، لـ "حفريات"، قائلة: "اتفاق جوبا نصّ على تشكيل قوات مشتركة من جيوش؛ الحركات والدعم والسريع والأمن والشرطة والجيش، مهمّتها حفظ الأمن في دارفور، على أن تستمرّ حتى نهاية الفترة الانتقالية، لكنّ الأمر يحتاج إلى حسم مبكر لما ستكون عليه هذه الجيوش بعد الفترة الانتقالية".

الأقوى لم يوقع بعد

وتحوز الحركتان اللتان لم توقع على اتفاق جوبا؛ حركة تحرير السودان-جناح عبد الواحد نور، والحركة الشعبية-جناح عبد العزيز الحلو وزناً أكبر عسكرياً، ويلتف حولهما أغلبية المواطنين في مناطق النزاع، وهو ما يعني أنّ الكتلة الأكبر من السلاح والمواطنين لم تقبل بالاتفاق بعد.

عبد الواحد نور، رئيس حركة تحرير السودان، لم يوقّع على الاتفاق

ويشرح الناشط والمحلل السياسي، خالد بابكر أبو عاقلة، وضع الحركة الشعبية-الحلو بقوله: "حركة الحلو تحتلّ مناطق واسعة في جنوب كردفان، وهي الأكثر عدة وعتاداً، وتطالب بتقرير المصير أو إقامة دولة علمانية، ولها شعبية كبيرة. وشاركت في البداية في المفاوضات، لكنّها انسحبت لقيادة حميدتي الوفد الحكومي، والذي خاضت قواته معارك معها".

أما عن حركة تحرير السودان، عبد الواحد نور، فيقول الناشط الاجتماعي، عمر طبيق: "كلّ المعسكرات الموجودة في دارفور تميل إلى جناح عبد الواحد نور، ويؤيده جناح طلابي في الجامعات السودانية، ويتمتع بأكبر حاضنة اجتماعية وسياسية في دارفور".

معادلة السلطة الجديدة

ورغم المخاوف السابقة إلا أنّ ذلك لا يعني الحكم بالإخفاق على الاتفاق، فهناك متغير حاسم، بيده إنجاح الاتفاق، وهو الحكومة الانتقالية التي ضمّت معارضي النظام الراحل، ممن شاركوا الحركات المسلحة الرؤى السياسية، واختلفوا معها في تبني خيار التغيير المسلح.

اقرأ أيضاً: هل ينزلق السودان إلى صراع هوياتي بعد إعلان علمانية الدولة؟

وترى الصحفية شمائل النور؛ أنّ الاتفاق قد يخلق تحالفاً عريضاً من قوى الهامش، يغيّر معادلة الحكم في السودان، بمشاركة من همّشهم البشير في الحكم، ومشاركة الأطراف، بعد أن ظلّ السودان تحت حكم أهل الوسط لقرون.

ولا يتفق مفكرون ممن يصنفون أنفسهم من قوى الهامش مع ذلك، ويرون أنّ اتفاق جوبا هو مجرد تقاسم للنفوذ والسلطة، دون تحقيق المساواة الحقيقة للمواطنين.

هل جنوب السودان الراعي الأمثل؟

رعت دولة جنوب السودان المفاوضات بين الطرفين، لكنّها عجزت عن إقناع حركة عبد العزيز الحلو بالبقاء في المفاوضات، رغم العلاقات القوية التي تجمعهما.

وتثار تساؤلات حول قدرة الدولة التي تعاني في الأساس من حركات التمرد، في رعاية اتفاق لإنهاء التمرد، وحول ذلك يقول عمر طبيق، لـ "حفريات": "جنوب السودان ملمّ بالتكوين الاجتماعي للحركات، وبعض قيادات الحركات موجودون في جوبا، لكنّ منبر جوبا يفتقد الأموال لإنجاح الاتفاق، ومن المتوقع أن تساهم دولة الإمارات في حلّ هذه المشكلة".

عبد العزيز الحلو، رئيس الحركة الشعبية-شمال، لم يوقع بعد

ويرى الناشط السياسي، خالد أبو عاقلة؛ أنّ الاتفاق تمّ دون رعاية دولية أو إقليمية؛ فلا وجود للاتحاد الأفريقي، أو دول الجوار الرئيسة، كما أنّ دولة الجنوب الراعية هي نفسها تعيش في مشكلات الحروب الأهلية، ما يؤثّر في دورها كراعية للاتفاق.

ويبقى الأمل معقوداّ على المشاركة الإقليمية  والدولية الكبرى المتوقعة في الاحتفال المرتقب بالتوقيع النهائي للاتفاقية، والذي ستسضيفه عاصمة لم يُعلن عنها بعد.

الصفحة الرئيسية