الزمن الجميل... الحنين إلى الماضي إذ يعكس أزمة الإنسان مع حاضره

الزمن الجميل... الحنين إلى الماضي إذ يعكس أزمة الإنسان مع حاضره

الزمن الجميل... الحنين إلى الماضي إذ يعكس أزمة الإنسان مع حاضره


30/12/2025

هناك مصطلح حاضر بقوة في الثقافة العربية اسمه "الزمن الجميل"، يستخدمه العوام والمثقفون على السواء، يقصدون به حالة من النوستالوجيا والحنين إلى الماضي، سواء كان هذا الحنين لزمن شخصي عاشوه وانقضى، أو لفترة العيش في أحضان الآباء والأجداد، أو لزمان خاص بالفن والثقافة، أو كان تخيلًا عامًّا لأيام من البركة والوفرة، فالزمن الجميل هو مصطلح فضفاض يطوي أمورًا انقضت يحنّ إليها العربي، ويعتبر تلك الأيام الفائتة أفضل من أيامه الحالية. حتى أيامه الصعبة مع البُعد الزمني تكتسب هالة من الحنين بعد أن تكون نَعِمَت حوافها المسنونة، فيستطيع المخيال العربي أن يُكسب الماضي هالة حنين مهما احتوى ذلك الماضي على آلام ومتاعب؛ وهو ما تشير إليه دراسات الذاكرة الحديثة من أنّ الزمن لا يحفظ الأحداث كما وقعت، وإنّما تُحفظ بما يخدم التوازن النفسي لا الحقيقة التاريخية.

ولا يقتصر الحنين على ثيمات تخصّ القرن الماضي فقط، بل يصل إلى قرون ماضية يُشيع فيها العربي القداسة.

فهل كان الماضي بكل هذا البهاء الذي تصوره الذهنية العربية، أم هو موروث ثقافي ممتد من البكاء على الأطلال والتغني بالماضي والولاء للأجداد ورسوخ اعتقادٍ لفكرة أنّ الزمن في تدهور عام، وأنّ كل جيل أسوأ من سابقه.

الذهنية العربية ذهنية ماضوية للأسف تعيش في عباءة الماضي، وتترك الماضي يتحكم في الحاضر والمستقبل.

إنّ الماضي في العقل العربي لا يقتصر على حالة الحنين التي قد توجد في كل الثقافات، بل هو يعني له أكثر من ذلك، فهو زمن من الفخر والعزّ والمجد القومي، وهو زمن من صعود تلته انحدارات، فالعربي ينظر إلى الزمن من خلفية قومية وشخصية.

وتعاقب الزمن بالنسبة إليه لم يحمل إلا سلسلة من التدهورات المتتالية، فالزمن في نظر العربي قومي عروبي وديني، بينما الحنين داخل منظومة التفكير الغربي فردي وجمالي ونوستالوجي أكثر من كونه تحسريًا، يؤخذ بجدية حين يوضع قيد الدراسة، لكنّه لا يترك متحكمًا في الحاضر.

هل الذاكرة العربية ذاكرة انتقائية تستدعي من الزمن القديم ما يخدم تصورها العام فقط؟ هل الحنين للمجد العربي صحي أم آلية نفسية دفاعية لواقع مأزوم؟

إذا عدنا إلى ماضٍ قريب وليس بعيدًا جدًا، القرن الماضي مثلًا، وجدنا اجتماع عدة شخصيات أدبية وفنية في وقت واحد أتحفونا بتراث خالد ما زلنا نعيش على ضياء سناه إلى الآن، والمنطقي أنّه مع تضاعف عدد السكان في الوطن العربي فإنّ احتمالية وجود مواهب حقيقية قد تضاعفت، ولكنّ آلية الاختيار والذائقة قد اختلفت، والواقع يشير إلى أنّ الثقافة والفن في تدهور، أو لنقل في حالة ارتباك وفقدان بوصلة، حيث لم يعد معيار القيمة هو الجودة بقدر ما أصبح محكومًا بالانتشار والسرعة والسوق، فهل العيب في الزمن فعلًا، أم في وعي جمعي مأزوم ومحاصر؟

نرى آلية الانتقاء هذه إذا عُدنا إلى أمثلة تاريخية محددة، مع من يعيشون على نوستالوجيا الملكية وأيامها، مُعتقدين في القصور والبيوت الفخمة والملابس الراقية والحديث بأكثر من لغة أنّها سمة عامة لأبناء العصر كله، غير مدركين أنّ غالبية الشعب كانت تعيش في فقر مدقع، وأنّ الأمّية والمرض مستشريان، وأنّ اللغة الفرنسية والإنجليزية لم يعرفها إلا أبناء الأسر الأرستقراطية بينما الشعب بأكمله كان أمّيًا. لكنّه الانتقاء الذي يعجز عن رؤية صورة عصر بشكل كامل، ويتخير ما يخدم آليته فقط.

العربي لا يحنّ فقط بل يُقدّس، ويجعل من "هذا ما وجدنا عليه آباءنا" قاعدة حكمية لكثير من خطط سير حياته، أذكر أنّ هناك قصة بسيطة كانت تُروى توضح كيف يرث العربي عاداته دون تفنيد، تحكي القصة عن أم وابنة أوصتها أمها بأنّها إذا وضعت السمكة في المقلاة فعليها أن تقصّ ذيلها، ولمّا سألتها الابنة لماذا؟ قالت: وجدت أمي تفعل ذلك. لم تقتنع الابنة، وذهبت إلى جدتها وسألتها: لماذا يا جدتي تقصين ذيل السمكة؟ فأجابتها الجدة: وجدت أمي تفعل ذلك. وصادف أنّ أم الجدة كانت ما تزال حية، فذهبت إليها الحفيدة لتسألها عن حكمتها من قصّ ذيل السمكة قبل وضعها في المقلاة، فأجابتها الأخيرة بأنّ مقلاتها كانت صغيرة، فكانت تقصّ الذيل لتستوعب السمكة. إنّ هذه القصة تكشف كيف تتحول العادة إلى عبء. إنَّ الكثير من عاداتنا العربية أخذت بُعد القداسة والقانون لمجرد أنّها من الماضي، ولأنّ العربي لا يُحكّم عقله بل يتحكم فيه موروثه. إنّ معنى "تجاوز الماضي" الذي أدعو إليه هنا لا يتعارض مع الاعتزاز بالحكمة الإنسانية والاعتراف بتراكم المعرفة البشرية، لكنّ هناك فارقًا بين التراكم المعرفي والجمود الفكري.

العقل العربي ما يزال يقع في خطأ التعميم وتقديس الموروث وتعظيم الحكمة حتى لو لم يكن لها فائدة في الحاضر، ولا ينظر إلى الماضي كما ينظر إليه الغربي على أنّه فترة لها خصائصها وانعكاساتها على الفن والثقافة والأدب والمعمار، نحنّ إليها ونحن نتطلع إلى المستقبل، ونستطيع أن ننظر إليها بعين النقد، حتى لو أنّها كانت فترة قوة وازدهار.

حتى لا نُمجّد بعماء زمنًا صادف أننا لم نكن أحد ضحاياه، متذكرين أنّ ما نستقبله عن عصور ماضية هو بعين الراوي لا بعين من عايشوا الحكاية وتأذوا داخلها. ربما الحنين والنوستالوجيا والتقدير للماضي والقديم ليست غير اعترافات مواربة لأزمة مع الحاضر، والشعور بالانتكاس على المستوى الفردي والجمعي أمام شعوب استطاعت أن تخلق حاضرًا تعيش فيه، ولم تنظر إلى ماضيها غير أنّه انطلاقة للمستقبل. وربما أيضًا أزمتنا في عدم التفرقة ما بين الذاكرة العاطفية الممتلئة بالشجن والذاكرة الواقعية التي تحمل الكثير من المؤامرات والحروب والدماء والقيود والأغلال. فهل مع كل هذه الدماء يظل للماضي كل هذا البهاء؟

إنّ الحنين إلى البساطة والبطء وحياة الريف يعكس أزمة الإنسان مع حاضره ولا يعني مغالطة الرجوع إلى الوراء، لأنّ الخلف فاتورته باهظة، وكانت له أحداثه الإنسانية الموجعة، أعتقد أنّ العربي عليه أن يعالج أزمته مع الحاضر كحاضر دون استخدام آليات نفسية ودون شجن وبكاء على الأطلال، لا أدعو أيضًا إلى قطيعة مع الماضي، بل دعوة لوضعه في مكانه الصحيح كخبرة إنسانية لا كوصاية أبدية، فالماضي الذي لا يُنقد يتحول إلى عبء. وربما يكون "الزمن الجميل" هو زمن لم يأتِ بعد، ونحتاج فقط الشجاعة لصناعته.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية