الرئيس الإيراني الجديد بين السياسة والاقتصاد

الرئيس الإيراني الجديد بين السياسة والاقتصاد

مشاهدة

13/07/2021

تتعدد الملفات المطروحة على طاولة الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي، وجميعها ملفات شائكة ومعقدة تختلط فيها العوامل والمؤثرات الداخلية مع الخارجية، في ثنائية تعكس البنية المعقدة للنظام السياسي الإيراني، وتحديداً ثنائية السياسي والديني، وتنازع قيادة الدولة بين ولاية الفقيه ومؤسسات الجمهورية التي تم تأسيسها لتكون مؤسسة من مؤسسات الثورة.

إنّ انتخاب رئيسي حسم ما يوصف "تجاوزاً" بأنّه معركة بين التيارين "المتشدد والإصلاحي" لصالح التيار المتشدد، باعتبار رئيسي أحد الأعضاء البارزين في هذا التيار، وهو ما يعني أنّ هذا التيار سيكون بمواجهة التعامل مع كل الملفات الداخلية والخارجية، مع غياب التيار الإصلاحي عن مركز القرار، وانتهاء الصيغة السابقة التي كانت عنواناً لمراحل سابقة، والتي تم استثمارها من قبل التيار المتشدد باتجاهين هما؛ تقديم صورة حول الديمقراطية الإيرانية، والتنوع في إيران أمام الغرب، بإظهار أنّ هناك تيارات لها مقاربات ووجهات نظر في مركز صناعة القرار، وإلقاء اللوم على التيار الإصلاحي بتحميله أسباب ونتائج التنازلات للغرب، وهو ما حصل بتخوين "روحاني وظريف" عند إنجاز الاتفاق النووي عام 2015 مع إدارة أوباما.

 

يبدو أنّ تغيراً عميقاً لن يحدث في إيران تجاه ملفاتها الداخلية والإقليمية والدولية بعد انتخاب رئيسي إلا بحدود إحكام التيار المتشدد بقيادة المرشد والحرس الثوري قبضته على الحكم في إيران

 

يبدو أنّ تغيراً عميقاً لن يحدث في إيران تجاه ملفاتها الداخلية والإقليمية والدولية بعد انتخاب رئيسي، إلا بحدود إحكام التيار المتشدد بقيادة المرشد والحرس الثوري قبضته على الحكم في إيران، وسيمارس رئيسي دوره في ملفات  المفاوضات مع أمريكا والدول الأوروبية بما يمليه عليه هذا التيار، ولن يكون له حضور في الملفات التي يتولى الحرس الثوري الإيراني إدارتها بإشراف المرشد الأعلى، بما في ذلك البرنامج النووي والصاروخي والتدخل الإقليمي في المنطقة، وهو ما يطرح تساؤلات حول الملفات التي يمكن أن يديرها رئيسي؟

اقرأ أيضاً: أي إيران ستكون في عهد رئيسي؟

المرجح أنّ رئيسي سيتولى إدارة ملفات داخلية معقدة، بإشراف مباشر من الحرس الثوري، وفي مقدمتها التعامل مع المعارضة الإيرانية، والانتفاضات المتوقعة في مناطق عديدة في إيران، والتي "قد يسهم رموز التيار الإصلاحي في تغذيتها مع رموز معارضة كانت تنتمي للتيار المتشدد، تم إقصاؤها عن مواقعها" على خلفية تداعيات الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.

معالجة تداعيات الأزمة الاقتصادية ستكون المهمة الأولى والأخيرة لحكومة رئيسي، لكنّ تلك الأزمة تشير أرقامها إلى انخفاض معدل نمو الناتج إلى حوالي "7%"، وارتفاع معدل التضخم إلى حوالي "37%"، وتراجع مبيعات النفط إلى أقل من 29 مليار دولار بسبب العقوبات الأمريكية وجائحة كورونا.

اقرأ أيضاً: ثورة نقابية عمالية في إيران... كيف سيواجهها رئيسي؟

وفي ظل إدراك لعمق الأزمة الاقتصادية، طرح رئيسي برنامج إصلاح اقتصادي يتضمن: منح قروض منخفضة الفائدة للأسر الفقيرة، وزيادة الدعم الحكومي للرعاية الصحية، وبناء 4 ملايين منزل، بالإضافة إلى إيجاد 4 ملايين فرصة عمل، وإعطاء الأولوية لذوي الدخل المنخفض والخريجين الحاصلين على شهادات جامعية، وخفض الإيجار من 50% إلى 30%، ومن الواضح أنّ هناك شكوكاً بمدى قدرة رئيسي على تطبيق برنامجه الاقتصادي في ظل استمرار العقوبات الاقتصادية الأمريكية والدولية على إيران، وربما يدرك الإيرانيون أنّ هذا البرنامج مجرد وعود انتخابية سبق أن طرحت من قبل مرشحين آخرين خلال الحملات الانتخابية، ولكن على الأرض تتفاقم المشكلات الاقتصادية.

 

من المرجح أن يتولى رئيسي إدارة ملفات داخلية معقدة، بإشراف مباشر من الحرس الثوري، وفي مقدمتها التعامل مع المعارضة الإيرانية، والانتفاضات المتوقعة في مناطق عديدة في إيران

 

لا شكّ أنّ هناك تغيراً في اتجاهات السياسة الأمريكية ومعها الأوروبية تجاه إيران، لكنها ستبقى اتجاهات محكومة بالبناء على ما "أنجزه" ترامب، ومدى التنازلات التي ستجترحها إيران في القضايا الخلافية، وعلى رأسها التدخل الإقليمي، إضافة إلى ملفها النووي والصاروخي، ويبدو أنّ إيران ستواصل في المدى المنظور عبر حرسها الثوري، مقاربة "عض الأصابع" في إدارة النزاع مع أمريكا عبر ساحات" العراق وسوريا واليمن".

إنّ صورة المشهد الإيراني اليوم تشبه إلى حد بعيد صورة الاتحاد السوفييتي في أيامه الأخيرة أواخر ثمانينيات القرن الماضي: نظام شمولي يقدّم صورة غير واقعية بإنتاج منظومات صاروخية وخوض حروب فضاء وقدرة تأثيرية في الإقليم فيما الداخل ينهار، وبالتزامن فلم تعد مقاربات تبرير الأزمات الاقتصادية فقط بالعقوبات "الظالمة" التي تستهدف الجمهورية الإسلامية وثورتها مقنعة، ليس فقط للشعوب الإيرانية، بل ولحلفاء إيران، لا سيّما أنها لم تنجح في تشكيل نموذج يُحتذى به في المنطقة، على غرار النموذج الذي قدمته تركيا، تحديداً في سياساتها الاقتصادية الداخلية.

الصفحة الرئيسية