"الديول": تجارة مربحة لفقراء الجزائر في زمن كورونا

"الديول": تجارة مربحة لفقراء الجزائر في زمن كورونا

مشاهدة

26/04/2021

شكّل حلول شهر رمضان في الجزائر فرصة متجددة لإنعاش جيوب الفقراء الذين يستثمرون بشكل جدّي في تجارة "الديول" الموسمية، التي تمنح أرباحاً محترمة لذوي المداخيل المحدودة، خصوصاً أصحاب المهن الحرة الذين تسبّب تمدّد فيروس كورونا في العصف بمصدر قوتهم.  

دون كلل أو ملل، تشهد عدة شوارع وساحات في العاصمة الجزائر، وغيرها من المدن، نشاطًا دؤوباً للكثير من الشباب الذين يبيعون "الديول"، وهي رقائق عجينية رائجة محلياً، تستخدم لإعداد طبقي "البوراك "و"البريك".

وفي تصريح لـ "حفريات"، أشار عثمان أحد باعة "الديول" إلى أنّ حيّه "باب عزون" يتحوّل، على مدار شهر الصيام، إلى خلية كبرى تنخرط فيها نساء العوائل الضعيفة، حيث يصنعن الديول، ثمّ يبعنها بكميات ضخمة للجيران أو لشباب أغراب مقابل مبلغ معلوم من المال، أو تكليف أبنائها بالمتاجرة بها في الأسواق والساحات.

تمنح أرباحاً محترمة لذوي المداخيل المحدودة

ويؤكد سليم وعماد ويحيى، وغيرهم من الباعة، أنّ المهنة المتوارثة عن الرعيل الأول من النساء اليهوديات بحي القصبة الشهير، وسط العاصمة الجزائرية، تتيح مكاسب مجزية، خاصة أنّ موائد مواطنيهم لا تخلو أبداً من طبقي "البوراك" و"البريك".

وتوضح الخالة حورية؛ أنّ أسرتها تضرّرت كثيراً، بفعل استمرار تدابير الحجر الصحي ضدّ الوباء القاتل، حيث اضطرّ زوجها الرصّاص للتوقف عن العمل، ووجدت ضالتها في إعداد "الديول" لجني المال ومساعدة ربّ عائلتها، خصوصاً مع الغلاء الفاحش الذي تعرفه المواد الغذائية خلال شهر رمضان، الأمر الذي يضع زوجها تحت ضغط شديد.

تشهد عدة شوارع وساحات في العاصمة الجزائر نشاطًا دؤوباً للكثير من الشباب الذين يبيعون "الديول"، وهي رقائق عجينية رائجة محلياً، تستخدم لإعداد طبقي "البوراك "و"البريك"

ويقول الكهل ربيع؛ إنّ زوجته صاحبة السمعة الهائلة في "الديول"، لقّنت الحرفة الرائجة لبناتها، على نحو ضاعف مداخيل الأسرة الكبيرة، لا سيما مع الطلبات الكثيرة على الرقائق التي تتفنّن الأنامل النسائية في تصنيعها بشكل ممتاز، بما مكّن عائلة ربيع من تجاوز الأعطال الناجمة عن غلق المدن منذ أزيد من عام.

متنفّس للعاطلين

يعدّ شهر الصيام متنفّساً للعاطلين، للاسترزاق، وتعد زيادة الطلب على العجائن والنقانق مع افتتاح الشهر الكريم، مجالاً يستغله الشباب المحلي، لا سيما طلبة الجامعات القادمين من الأرياف، لجني بعض المال خلال الشهر الكريم، فيشمّر هؤلاء عن سواعدهم، وتتحول غرف الأحياء الجامعية إلى ورش كبيرة لبيع "الديول" (يقصد بها لفائف العجين الرفيعة)، و"الباربيكيو" (هذا الأخير لفظ محلي يطلق على حبات النقانق (المرقاز) المشوية على الجمر).

اقرأ أيضاً: كيف اختطف الإسلامويون شهر رمضان من البسطاء؟

وبحي "القبة" الشعبي؛ التقينا "أنيس" (20 سنة) وهو طالب سنة ثالثة حقوق، نصب طاولة في قلب المدينة ووضع فوقها أصنافاً من "الديول" والبوراك" (رقاقة عجينية يتم حشوها باللحم المفروم البصل المرحي مع بعض التوابل)، في هذا الشأن، يقول أنيس: "لا أخفي عنكم أنّني، في البداية، كنت أرى التجربة مغامرة حقيقية، ولم أكن أتخيّل أنها ستلقى النجاح الذي لقيته، جاءتني الفكرة بعد أن صار وضعي المادي سيئاً للغاية، فأنا لا أقطن في العاصمة، وعليّ تدبّر مصاريفي، لذا عندما شاهدت الديول والبوراك يباعان بأحد المحلات، قلت في قرارة نفسي لما لا أقوم بالمثل"، وبعد أيام من التدريب على يد إحدى قريباته، استطاع أنيس إنجاز أولى دزينات الديول، فضلاً عن تمكّنه من طهي حبّات البوراك بشكل متميّز، ولدى نزوله إلى الميدان، لم يصدّق الفتى عينيه وهو يرى تهافت الناس على بضاعته، ففي كلّ يوم يزداد عدد الزبائن حتى صار البعض يطلب منه تحضير حبات البوراك مبكّراً، النقطة السوداء هي أنّهم يريدونها جاهزة دقائق قبل الأذان''.

تعد زيادة الطلب على العجائن والنقانق مع افتتاح الشهر الكريم مجالاً يستغله الشباب المحلي

من جانبه، يلاحظ سعيد (23 سنة)، المتخرج حديثاً من كلية التجارة، أنّ كلّ شاب يحرص على التوجّه في الصباح الباكر لبيع منتوجه من "الديول"، طالما أنّ بيع أكبر كمية ممكنة من الديول كل يوم، يعني الحصول على أموال كثيرة.

ويفضّل عدّة شبان بيع "الديول" تحديداً؛ لأنّها لا تتطلب ميزانية كبيرة، فكيلوغراماً واحداً، أو اثنان، من الدقيق الرطب مع كمشة ملح وقليل من الماء تكفي لصنع ما يزيد عن 60 "دزينة " من الديول، علماً بأنّ الدزينة الواحدة تضمّ 12 ورقة من الديول، وكلّ دزينة تباع بثمن يتراوح بين ما بين 25 إلى 30 ديناراً، أي ما يعادل ربع دولار تقريباً، بينما يعلّق صالح (22 سنة): "وجدت في حرفة الديول التي ورثتها عن أمي، رحمة الله عليها، إحساساً بالمتعة".

النقانق إلى السحور

اختار حليم (21 عاماً)، الذي يدرس بمعهد الفندقة، نصب طاولة لـ "الباربيكيو" في منطقة بن عكنون الآهلة، هناك يبدأ حليم عمله مباشرة بعد انتهاء صلاة التراويح، حيث يطهو حبات النقانق (المرقاز) على الجمر، ويبيعها على شكل ساندويتشات، فيما تملأ ألسنة النيران والروائح الزكية المكان، يوضح حليم أنّه يضطر إلى البقاء قائماً إلى السحور، حتى يستطيع تأمين بعض مصاريف الدراسة واحتياجاته الاجتماعية المتزايدة.

اقرأ أيضاً: عادات وتقاليد صنعت المشهد الرمضاني ومنحته طابعاً خاصاً

وعن سرّ اختيار "الباربيكيو" دون سواه، يجيب حليم: "غالباً ما يداعب الجوع جمهور الصائمين، لا سيما الشباب، بحلول الساعة العاشرة ليلاً، فيفضّلون تناول ألوان من الشواء بعد أن حصّن هؤلاء بطونهم بمأكولات مختلفة خلال الإفطار"، وتبعاً لعدم وجود محلات خاصة بالشواء في هذه المنطقة، وجد حليم ضالته، ويلفت إلى أنّ أكثر زبائنه هم من عابري السبيل الذين لم ينعموا بإفطار عادٍ.

مثل هذا المكسب أغرى الشباب فغزا هؤلاء الأرصفة والساحات بطاولات تبهج الناظرين

وتثميناً لمصدر رزقهم، يقوم أنيس وحليم وعشرات الآخرين بإيلاء اهتمام خاص لشراء المستحضرات والحفاظ عليها؛ فعبد القادر (22 سنة) الطالب في السنة رابعة بكلية الطب، يحتفظ بالمكونات من جمبري ولحم مفروم وغيرها في ثلاجة أحد معارفه، القريب جداً من الرصيف الذي يعرض عليه حبات البوراك، حتى لا تلحق بها أضرار، الشيء نفسه بالنسبة إلى فتحي (29 سنة)، الذي يحضّر رسالة ماجستير في الآداب، يعتني هو الآخر بمكونات الباربكيو، ويحرص على نظافتها، حتى لا يصاب زبائنه بأذى.

اقرأ أيضاً: هل يستطيع اللبنانيون توفير "إفطار رمضان"؟.. مرصد الأزمة يجيب

ومع توالي رمضانات الجزائر، تحولت طاولات هؤلاء الشباب إلى مقصد مفضّل للناس، الذين يستنشقون حلاوة رائحة البوراك، وهو يطهو في انتظار أن يؤذّن المؤذن للإفطار، ما يخلق زحمة بين جموع الصائمين الباحثين عن شيء نادر يستحق المشقة.

مكاسب وتنافس

دفعنا الفضول إلى استفسار هؤلاء (الباعة) عن خصوصيات السوق وحجم مكسبهم اليومي، ردّ محمد (31 سنة) بكلّ تلقائية: "ربحي يزيد عن ألفي دينار يومياً (ما يعادل نحو مئتي دولار)، وأكسب أحياناً أكثر من ذلك، وإذا ما نجحت في بيع مئتي دزينة من "الديول" كلّ يوم، لكم أن تقوموا بعملية حسابية لمعرفة مدخولي اليومي".

 

أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة تيزي وزو عز الدين كنزي لـ"حفريات": مجالس القرى أسهمت في استبعاد تداعيات وخيمة بفعل حكمة تسييرها لفترة الحجر الصحي عبر منطقة القبائل
 

ويبدو أنّ مثل هذا المكسب أغرى الشباب، فغزا هؤلاء الأرصفة والساحات بطاولات تبهج الناظرين، ما خلق تنافساً من طراز خاص بين هذا الشاب وذاك، تراهم وهم يتفنون في التعليق على جودة ما يعرضونه، وقد بدأت هذه الظاهرة في التزايد عاماً بعد آخر.

وبهذا استطاع ممتهنو "الديول" و"الباربكيو" من تحصيل مورد مالي محترم يسدّون به متطلبات شهر رمضان التي عادة ما ترهقهم ميزانياته، فضلاً عن تمكّنهم من تأمين مبلغ محترم يستطيعون من خلاله شراء كسوة العيد والوفاء بمتطلبات الحياة.

إبداع "تاجماعت"

أشادت فعاليات جزائرية بنجاح منظومة "تاجماعت" الأمازيغية (مجالس القرى) في إدارة الأزمة الناجمة عن تفشي فيروس كورونا.

وفي وقت ما تزال عدة مناطق جزائرية تشكو من اختلالات كبيرة في نظام التوزيع، عادت منظومة "تاجماعت" لتتألق عبر الأطر الفعّالة التي تستخدمها في تغطية سائر حاجيات القرى الواقعة في محيط منطقة القبائل الكبرى، على منوال ما نهضت به في كوارث سابقة هزّت الجزائر من زلازل وفيضانات.

وفي جولة قادتنا عبر محافظات البويرة وبومرداس وتيزي وزو وبجاية، برزت مجموعات شبانية موزّعة بشكل منسّق مع السلطات المحلية، تسهر على إيصال المواد الغذائية إلى السكان، وتوزيع المعونات على الفقراء، بشكل أسهم في تخفيف آثار الأزمة الصحية التي تربك الجزائر، منذ 12 آذار (مارس) 2020.

وأوضح أكلي، ابن منطقة "أزفون" الساحلية؛ أنّ "تاجماعت هي نسيج جمعوي هائل ومتفاعل في منطقة القبائل منذ قرون، منوّهاً إلى أنّ المنظومة تستمدّ أصولها من العمق المجتمعي والمرجعية التاريخية والأسس الثقافية للأمة الجزائرية"، علماً بأنّ القائمين على "تاجماعت" يحرصون على الاستجابة لمتطلبات الساعة من خلال تجديد الشكل التنظيمي تماشياً مع الظروف والتحدّيات.

اقرأ أيضاً: رمضان في زمن كورونا

من جهتها، أشارت الحاجة فطّة إلى أنّ أدوار "تاجماعت" تبرز في الملمّات، فيضاعف المتطوعون جهودهم مقارنة بالفترات العادية، وبشكل يراهن على نجاعة أكبر من خلال الوفاء بموجبات حزمة إجراءات توحيدية تسيّر الحياة العامة بهدف الإبقاء على تجانس الصالح العام.

ويرى عز الدين كنزي، أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة تيزي وزو (110 كيلومترات شرق العاصمة الجزائر)؛ أنّ مجالس القرى أسهمت في استبعاد تداعيات وخيمة بفعل حكمة تسييرها لفترة الحجر الصحي عبر منطقة القبائل منذ ظهور وباء كورونا.

بدوره، يذهب السوسيولوجي حبيب بوخليفة؛ أنّ منظومة "تاجماعت" تلهم مواطنيه في مناطق أخرى، للنسج على المنوال ذاته، وتكريس عرى التكافل والتعاضد والاعتماد على النفس.

الصفحة الرئيسية