الخريطة الإسلاموية في النيجر: إرهاب يتغذى على الأزمات وقلة الموارد

الخريطة الإسلاموية في النيجر: إرهاب يتغذى على الأزمات وقلة الموارد

مشاهدة

16/08/2021

على غرار أغلب دول الساحل ودول غرب أفريقيا، لا يُذكر اسم الحركات الإسلامية في النيجر، سواء في المتابعات الإعلامية أو المتابعات البحثية، إلا ويُذكر بالتحديد المشروع الإسلامي الحركي في نسخته الجهادية، خاصة أنّ الظروف المغذية للحالة الجهادية، متوفرة بشكل أكبر في النيجر، مقارنة مع باقي دول المنطقة.

كان الحضور الإخواني أو الإسلامي، مجسداً في الأعمال الخيرية التي تقوم بها بعض الجمعيات الخليجية، وفي مقدمتها مبادرات "جمعية إحياء التراث الإٍسلامي" [الكويت]، "جمعية العون المباشر" [الكويت]، و"الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية" [قطر] و"مؤسسة الشيخ ثاني بن عبد الله للخدمات الإنسانية" [قطر]، ولكن، ثمة مستجد، مرتبط بهذه السنة بالذات، سيجعل المتابعات نفسها، سواء كانت إعلامية أو بحثية، تتحدث في الأمد القريب، عن الحضور الإخواني في النيجر، بعد أن كان متواضعاً جداً.

اقرأ أيضاً: تعرف إلى الخريطة الإسلاموية في تونس

نبدأ بالماضي الإخواني، وإن كان ضعيفاً، ولكنه كان حاضراً عبر البوابة الأهلية، لأنّه لم يصل بعد إلى مرتبة العمل السياسي والحزبي، والحديث عن المبادرات الأهلية الخليجية، وفي مقدمتها المبادرات الكويتية، وأحدثها، مباشرة جرت منذ أسبوع ونيف، أشرفت عليها "الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية"، في 30 أيار (مايو) 2021، من خلال افتتاح ثلاث قرى نموذجية للأسر الفقيرة، في حقل تميز بحضور وزير الصحة إدي إلياسو مايناسارا ممثلاً عن الرئيس النيجيري بازووم محمد، ووالي ولاية طاوا إبراهيم ميكو، ولفيف من المسؤولين، بتكلفة إجمالية بلغت 213 ألف دولار.

شارك في الحفل المدير العام للهيئة الخيرية، محمد بدر الصميط، الذي أشار إلى أن هذا المشروع المتكامل ينطلق من الخطة الاستراتيجية للهيئة الخيرية 2020- 2024 الهادفة إلى بناء الإنسان وتمكينه اقتصادياً وثقافياً؛ ليكون قادراً على إحداث الأثر الإيجابي في مجتمعه، مضيفاً حرص الهيئة على أن تضم كل قرية إلى جانب الوحدات السكنية مسجداً للعبادة، ومدرسة لتعليم الأجيال، ومركزاً مهنياً لتنمية قدرات الشباب، وبئراً ارتوازية لتوفير المياه الصالحة للشرب لسكان القرية وخدمة مرافقها.

نأتي للمستجد الثاني والحديث زمنياً، والذي يهم الأداء الميداني للمشروع الإخواني في النيجر، على الصعيد القريب والمتوسط، ففي غضون شباط (فبراير) 2021، أعلنت منظمة "الدعوة الإسلامية" ومقرها السودان، وتعتبر من أبرز أكبر أذرع التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، أنّها ستنقل نشاطها ومقرها إلى النيجر، وفق ما جاء في بيان مؤرخ في 4 شباط (فبراير) 2021، وصدر عن الأمين العام للمنظمة عطا المنان بخيت، تنفيذاً لقرار لجنة "إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال بالسودان" التابعة لمجلس السيادة السوداني بحلها ومصادرة أموالها وممتلكاتها ومنقولاتها.

الظروف المغذية للحالة الجهادية متوفرة بشكل كبير في النيجر مقارنة مع باقي دول المنطقة

بل تضمن البيان الصادر عن الأمين العام للمنظمة، تعميماً إدارياً إلى جميع رؤساء بعثات المنظمة المنتشرة في أفريقيا، يبلغهم فيه موافقة حكومة جمهورية النيجر على استضافة رئاسة المنظمة، وتوقيعها اتفاقية مقر مع قيادة المنظمة، مشيراً إلى أنه وقع على الاتفاقية كل من وزير خارجية النيجر ورئيس مجلس أمناء المنظمة، وأن الاتفاقية دخلت حيز التنفيذ، مضيفاً أنّ الإجراء الأخير جاء تنفيذاً لقرار مجلس أمناء المنظمة في 19 كانون الأول (ديسمبر) 2020، القاضي بإيجاد مقر بديل للمنظمة بعد قرار حكومة السودان بإغلاقها، مضيفاً أنّ الأمانة العامة للمنظمة تواصلت مع عدد من الدول الأفريقية بهذا الشأن، ووجدت ترحيباً كبيراً، قبل أن يستقر اختيارها على جمهورية النيجر.

اقرأ أيضاً: كيف نقرأ واقع العمل الإخواني في الجزائر في الأعوام الأخيرة؟

نتحدث عن منظمة عالمية إنسانية طوعية غير ربحية ومستقلة، ولكنها محسوبة على المشروع الإخواني الدولي، ما دامت تتخذ من العمل الخيري والإنساني ستاراً للتغطية على نشاطها السياسي المتمثل في دعم مشروع التمكين للإخوان، خاصة أن الأمر يتعلق بمنظمة تقدم خدمات طوعية من خلال مكاتبها المنتشرة في أكثر من 42 دولة أفريقية.

ومرد نقل مقر المنظمة إلى النيجر، مرتبط على الخصوص باستغلال الحالة الاقتصادية والاجتماعية المتواضعة لهذه الدولة الفقيرة [على غرار ما قام به القذافي في مرحلة سابقة، وتنظميه لمؤتمر دولي حول التصوف في مدينة أغاديس، الذي جاء في هذا السياق]، وليس صدفة أن تعلن حكومة جمهورية النيجر موافقتها على استضافة رئاسة المنظمة، وأن توقع على اتفاقية تأسيس مقر، ودخول الاتفاقية حيز التنفيذ، كما أعلنت عن ذلك المنظمة المعنية. 

صورة من قرار الموافقة الصادر عن النيجر

أحد القواسم المشتركة بين المشروع الإخواني والمشروع الجهادي في النيجر، أنّه إضافة إلى محددات الفقر والهشاشة الاجتماعية [حوالي 63% من ساكني النيجر، تحت خط الفقــر بحســب تقريــر لمنظمــة اليونيســكو] وتواضع أداء المؤسسات الحكومية في مشاريع التنمية المحلية والتشغيل، نعاين عوامل موازية، ساهمت في تغلغل الإسلاموية، ومن بين هذه العوامل، نجد تأثير وسائل الإعلام الجديدة مثل التلفزيون والإنترنت والإذاعات، والتي سهلت الوصول إلى المعلومة، ومنها المادة الدينية، لولا أنّ التدين السلفي كان في مقدمة أنماط التدين الوافدة على التدني التقليدي، المالكي، الصوفي للنيجر. [كانت هناك أقلية مسيحية في النيجر، لم تعانِ سابقاً من مشكلات اجتماعية، ولكن دخول الإسلاميين، جعل الرأي العام يعاني قلاقل ابتداء من كانون الثاني (يناير) 2012، بعد اندلاع أحداث شغب استهدفتها، على إثر تداعيات الرسوم الكاريكاتورية في مجلة "شارلي إيبدو" الفرنسية]، بما يتطلب التوقف عند أداء المشروع الجهادي.

المشروع الجهادي

تعرف النيجر منذ عدة أعوام موجة متزايدة من أسلمة المجتمع، ومنذ حوالي عقد ونصف، أصبحت مظاهرة التدين الإسلامي حاضرة بقوة في الحياة اليومية في هذا البلد الذي يعتبر من بين الدول الأكثر فقراً في العالم. ولكن بخلاف الأمر مع التدين الصوفي أو التدين التقليدي الذي كان سائداً ومميزاً للنيجر ولباقي دول المنطقة التي دخلها الإسلام عبر التجارة وعبر التصوف على الخصوص، إضافة إلى حضور المذهب المالكي، وهو المذهب الأكثر انتشاراً في غرب أفريقيا وهو تقليدي والأكثر ملاءمة لتلك الدول، فإننا نعاين في النيجر خلال هذه الفترة، مؤشرات التطرف الديني، فكان أرضية خصبة لكي تصبح هذه الدولة محطة للمشروع الجهادي.

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن الخريطة الإخوانية في المغرب؟

صحيح أنّ الحالة الجهادية في النيجر متواضعة مقارنة مع السائد في الجزائر أو ليبيا أو مالي ودول أخرى، ولكن استمرار العوامل الاقتصادية والاجتماعية والعرقية، تساهم في تغذية تلك الحالة، بما يُفسر وقوع العديد من الاعتداءات خلال السنوات الأخيرة (بين 2019 و2021)، من قبيل الاعتداءات التالية:

ــ اعتداء 5 آب (أغسطس) 2020، الذي قُتل فيه 8 أشخاص هم 6 فرنسيين ونيجريان، على أيدي مسلحين يستقلون دراجات نارية في منطقة كوريه في النيجر.

ــ اعتداء 12 كانون الأول (ديسمبر) 2020، والذي أسفر عن مقتل 28 شخصاً.

ــ مجزرة تيلابيري، ووقعت في 2 كانون الثاني (يناير) 2021 غرب النيجر، من خلال هجومين منفصلين، قتل فيهما 100 شخص وجُرح 75، في سابقة جعلت هذا الحادث الأكثر دموية ضد المدنيين في البلاد.

  • اعتداء 32 آذار (مارس) 2021 الذي قُتل فيه 137 فرداً، على إثر الغارات المنسقة التي شنت على ثلاث قرى في النيجر من قبل جهاديين.

ــ اعتداء 29 أيار (مايو) 2021، حيث قُتل فيه أربعة على الأقل من قوات الأمن وأربعة مدنيين في هجوم إرهابي لتنظيم "داعش"، استهدف مدينة كبيرة في جنوب شرق النيجر بالقرب من الحدود النيجيرية.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن التعامل مع الظاهرة الإخوانية في أفريقيا؟

ــ إضافة إلى مجموعة هجمات أخرى، جرت بين نهاية 2020 وبداية 2021، على هامش تنظيم الانتخابات البلدية والإقليمية.

من باب التذكير أيضاً، قُتل حوالي 4 آلاف شخص في كل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو في العام 2019 وحده، حتى إن منطقة الحدود الثلاث لهذه الدول تحولت إلى مركز الثقل الرئيسي لتنظيم "داعش"، بعد هزيمته في العراق وسوريا وليبيا.

هناك عوامل أمنية واستراتيجية، خاصة بقوى عظمى، تساهم في تأسيس ما يُشبه جاذبية للمشروع الجهادي، ويتعلق الأمر بوجود قواعد عسكرية أجنبية، أمريكية وفرنسية على الخصوص، على غرار السائد في دول مجاورة مثل مالي. وضمن هذا السياق، نجد في النيجر أكبر قاعدة أمريكية جوية للطائرات بدون طيار في منطقة الساحل على أراضيها.

المتابعات الإعلامية والبحثية تتحدث في الأمد القريب عن حضور إخواني بعد أن كان متواضعاً

بالنسبة لفرنسا، فإنها تملك قواعد عسكرية بالنيجر، ولكن هذا الحضور العسكري الفرنسي، لم يمنع من ازدياد الهجمات الإرهابية على النيجر، رغم قيادتها لتحالف مجموعة الخمس، والتي تضم النيجر ومالي وموريتانيا وبوركينا فاسو وتشاد، في مواجهة "داعش الصحراء الكبرى"، وتنظيم "القاعدة"، المجسد هناك في "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين".

والأمر نفسه مع "تحالف دول الميدان" الذي تقوده الجزائر، والذي يضم إلى جانب النيجر كلاً من مالي وموريتانيا وبوركينا فاسو، والذي يهدف إلى تنسيق الجهود الأمنية والعسكرية في مواجهة الحركات الإسلامية والجماعات كل داخل أراضيه، على عكس التحالفات الأخرى، حيث كانت نتائجه متواضعة، وإحدى أسباب ذلك، بالنسبة لحالة النيجر بالتحديد، أن الجيش يخوض حرباً ضد الجهاديين على جبهتين؛، الأولى من الجهة الغربية في مواجهة تنظيم "داعش في الصحراء الكبرى"، وتنظيم القاعدة ممثلاً في "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"؛ والثانية من الجهة الجنوبية الشرقية بالقرب من بحيرة تشاد في مواجهة "جماعة بوكو حرام" في شمال شرق نيجيريا، وأيضاً تنظيم "داعش في غرب أفريقيا"، وهذه من الأسباب التي جعلت النيجر تلقب بأنها "دولة فاشلة".

الافتقار إلى القيادة المحلية وآليات السلام والعلاقات القوية مع الحكومة المركزية تسهم بإبقاء واستمرار الظاهرة الجهادية

وهناك معضلة أخرى، تساهم في إبقاء واستمرار الظاهرة الجهادية في النيجر، عنوانها الافتقار إلى القيادة المحلية وآليات السلام والعلاقات القوية مع الحكومة المركزية في نيامي في المناطق التي تعج بالجهاديين، مما يساهم في استمرار الخصومات العرقية وبالتالي استمرار الهجمات، وليس صدفة أن الجماعات المتشددة كسبت مجندين من بين السكان المحليين المستائين الذين يعتقدون أنّ الدولة تخلت عنهم، وهم ضحايا الفقر والتفكك الاجتماعي والإقصاء الاقتصادي بسبب الوضع الاقتصادي المتأزم أساساً للدولة، ما دام الأمر يتعلق بأحد أفقر الدول في العالم، وليس في أفريقيا وحسب، وفي ظل أجواء الهشاشة الاجتماعية والأزمات الاقتصادية وقلة الموارد الطبيعية، من الطبيعي أن تكون مُجمل هذه الظروف، مغذية لمشاريع وأهداف الإسلاموية في النيجر.ىتاىة

الصفحة الرئيسية