
في خطوة وُصفت بأنّها إعادة ترسيم صارمة لقواعد اللعبة السياسية في المملكة، حسمت الدولة الأردنية الجدل حول محاولات جماعة الإخوان المسلمين "التنظيم الأم" للالتفاف على وضعها القانوني ككيان "منحل وغير مرخص".
جاء قرار وزارة الداخلية، ممثلة بمديرية شؤون الأحزاب، بمنع الجماعة من إجراء انتخاباتها الداخلية لاختيار قيادة جديدة، بمثابة" مطرقة قانونية" حطمت آمال التنظيم في استثمار نتائجه الانتخابية البرلمانية الأخيرة لتحقيق شرعية واقعية تتجاوز الشرعية القانونية المفقودة.
هذه التطورات تضعنا أمام مشهد جديد: الدولة تسمح بالعمل السياسي تحت مظلة القانون عبر حزب جبهة العمل الإسلامي، لكنّها ترفض بشكل قاطع إحياء "الهيكل التنظيمي السرّي" الذي تعتبره القوانين الأردنية والقرارات القضائية العليا كياناً فاقداً للوجود القانوني منذ عام 2020.
"فخ الشرعية"... لماذا منعت الدولة انتخابات الإخوان؟
تستند السلطات الأردنية في قرارها الأخير إلى سلسلة من الأحكام القضائية القطعية، وأبرزها قرار محكمة التمييز أعلى سلطة قضائية في الأردن الصادر في تموز (يوليو) 2020، الذي قضى بحلّ الجماعة لعدم قيامها بتصويب أوضاعها القانونية وفقاً لقانون الأحزاب والجمعيات.
محاولة الإخوان إجراء انتخابات لموقع" المراقب العام" ومجلس الشورى في هذا التوقيت لم تكن مجرد إجراء روتيني، بل كانت محاولة لفرض" أمر واقع" تنظيمي. فإجراء الانتخابات يعني ضمناً اعتراف الدولة بوجود شخصية قانونية للجماعة، وهو ما فطن إليه صانع القرار الأردني مبكراً. منع الانتخابات هو تأكيد على أنّ فوز جبهة العمل الإسلامي" الذراع السياسية المرخصة" في البرلمان لا يمنح "التنظيم المنحل "حصانة من القانون، ولا يعيد له الروح التي أزهقها القضاء.
توقيت القرار... كسر" نشوة الانتصار "البرلماني
يأتي هذا المنع الرسمي بعد أسابيع قليلة من تحقيق الإخوان لكتلة برلمانية وازنة 31)) مقعداً، وهو ما ولّد لدى قيادات التنظيم شعوراً بالقدرة على ابتزاز الدولة أو المناورة لاستعادة مكتسباتهم التنظيمية التاريخية.
يرى مراقبون أنّ الدولة الأردنية أرادت إرسال رسالة "توازن" مفادها: "نجاحكم في صناديق الاقتراع هو نجاح لعملية التحديث السياسي الوطنية، وليس صك غفران لتجاوزات التنظيم غير المرخص".
لقد حاول الإخوان استغلال الزخم الشعبي الناتج عن مواقفهم من الحرب في غزة لتوسيع نفوذهم التنظيمي، إلا أنّ الدولة، بقرار المنع هذا، وضعت حداً فاصلاً بين النشاط السياسي البرلماني الذي ترحب به كجزء من التعددية، وبين" النشاط التنظيمي الإيديولوجي" المرتبط بأجندات عابرة للحدود، والذي تعتبره الدولة تهديداً لبنيتها السيادية واستقرارها القانوني.
"ازدواجية الهيكل"... محاولة التنصل من عباءة الحزب
تعتمد استراتيجية الإخوان في الأردن على توزيع الأدوار بين حزب مرخص "جبهة العمل الإسلامي "وتنظيم أم يدير الخيوط من الخلف. قرار السلطات الأردنية الأخير يضرب هذا العمق الاستراتيجي للجماعة؛ فالدولة تضغط باتجاه "دمج "الحالة الإخوانية بالكامل في العمل الحزبي المرخص، ومنع وجود" قيادة ظل" غير مراقبة قانونياً.
منع الانتخابات الداخلية للجماعة الأم يعني حرمانها من تجديد الدماء ومن شرعية التمثيل أمام قواعدها .هذا الإجراء يضع التنظيم في مأزق بنيوي؛ فبدون قيادة منتخبة تفقد الجماعة قدرتها على اتخاذ القرارات الملزمة للأعضاء، ويتحول نشاطها إلى عمل" مجموعات غير قانونية "تقع تحت طائلة الملاحقة. وبذلك تُجبر الدولة الجماعة على الاختيار بين الانخراط الكامل في المسار الحزبي الوطني أو البقاء في عتمة العمل السري التي لا تتسامح معها القوانين الحالية.
هواجس" الحمسنة "والأمن القومي
لا يمكن فصل هذا التشدد القانوني الأردني عن المخاوف السيادية من تنامي نفوذ الجناح الراديكالي داخل الإخوان، الذي بات يتماهى بشكل مطلق مع حركة حماس. وترى الدوائر السيادية في الأردن أنّ محاولة الجماعة إجراء انتخابات داخلية في هذا التوقيت تهدف إلى تصعيد قيادات "صقورية" قادرة على قيادة الشارع نحو الصدام، واستخدام الساحة الأردنية كـ "ساحة إسناد" عسكرية أو لوجستية، وهو ما يرفضه الأردن جملة وتفصيلاً.
إنّ منع النشاط التنظيمي هو إجراء وقائي لمنع اختطاف القرار الإخواني من قبل قوى خارجية أو إقليمية. فالدولة تدرك أنّ التنظيم الأم هو القناة التي تمر عبرها التوجيهات الإيديولوجية والتمويلات غير المراقبة، ومن ثم فإنّ إغلاق هذا الباب هو حماية للأمن القومي الأردني من مخاطر "الأجندات الموازية" التي قد تضحي بمصالح الأردن العليا لصالح محاور إقليمية.
ردود الفعل والمستقبل القانوني المظلم للجماعة
أثار القرار حالة من الارتباك داخل أروقة الجماعة، حيث وصفت قيادات إخوانية الإجراء بأنّه تضييق على العمل السياسي. لكنّ الرد القانوني للدولة كان مفحماً: "لا يمكن لكيان غير موجود قانوناً أن يطالب بممارسة نشاط قانوني". هذا الحائط المسدود يضع الجماعة أمام خيارين أحلاهما مر:
الاستسلام للواقع القانوني: والذوبان التلقائي في حزب جبهة العمل الإسلامي، وهو ما يعني نهاية "هيبة "المراقب العام والتنظيم التاريخي.
المواجهة القانونية الخاسرة: محاولة اللجوء للقضاء مجدداً، وهو مسار استنفدته الجماعة سابقاً وانتهى بقرار حلها.
التطور الأخير يشير إلى أنّ الدولة الأردنية لن تتراجع عن"حل الجماعة"، وأنّها انتقلت من مرحلة الحل الورقي القضائي إلى مرحلة" المنع الميداني" الشامل لأيّ ممارسة تنظيمية، ممّا يعني أنّ الجماعة بصدد خسارة آخر معاقلها التنظيمية في المنطقة العربية التي كانت تظن أنّها ما تزال تمتلك فيها هامشاً للمناورة.
نهاية عصر" الاستثناء الإخواني"
إنّ قرار الأردن بمنع عودة نشاط تنظيم الإخوان المسلمين يمثل نهاية لحقبة "الاستثناء "التي تمتع بها التنظيم لعقود. الرسالة التي صاغتها الدولة الأردنية بوضوح هي أنّ" المواطنة السياسية "تمر عبر الأحزاب الوطنية الملتزمة بالدستور، وليس عبر التنظيمات العابرة للحدود التي تستمد شرعيتها من تاريخ ملتبس أو مرجعيات خارجية.
بمنع هذه الانتخابات، تكون الدولة قد أحكمت "القفل القانوني" على التنظيم، وأكدت أنّ النجاح الانتخابي ليس "صك براءة "من الالتزامات القانونية. إنّ إخوان الأردن اليوم أمام لحظة الحقيقة؛ فإمّا الانضواء تحت سيادة الدولة وقانونها كـ" حزب سياسي" لا يملك مرجعية سوى الدستور الأردني، وإمّا الاستمرار في التلاشي كتنظيم منحل يطارده القانون وتلفظه مؤسسات الدولة الرسمية.
لقد اختار الأردن أن يحمي مسار تحديثه السياسي من "الألغام التنظيمية"، مؤكداً أنّ الميدان يتسع للجميع، شريطة أن يكون الجميع تحت مظلة القانون، لا فوقه.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/05erlanger-superJumbo_0_0.jpg.webp?itok=-Tza18-v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=GITWNTHB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_0_0_0.jpg.webp?itok=uJwkIJTA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_9.jpg.webp?itok=h5nc3PPx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1000009697_0.jpg.webp?itok=JAIdHlpn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/banna_9.jpg.webp?itok=7S1FOv5R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_37_0_0_0.jpg.webp?itok=X_cwWGwT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0_0.jpg.webp?itok=PovzOHl2)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/SNGZDFKJ2_9prgp7ql5B9129WyEmpUs-UKOADbixh_qXbiwowHq7ChMr4jRIS6ihFHxzpIG5kfBpOIdHtWgE9m_iB76kRJO-dkOJS_-G1Iqb3tVRXr2dpiBX0FqgsSuimkVnRsISBSGXXWdzCkaaX6BtrWdxUWEIJ8T5Te3-UXE7d85VNOKRdK7TVnjNv257.jpg.webp?itok=aZkbWm9D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_0_0.jpg.webp?itok=XgaEsisb)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

