الحروب على الطريقة الترامبيّة

الحروب على الطريقة الترامبيّة

مشاهدة

09/05/2019

لم يُجانب الصواب، علي خامنئي، القائد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران، عندما وصفَ الحالة القائمة اليوم بين بلاده والولايات المتحدة الأمريكية؛ بأنّها "حالة حرب، لا حالة حصار"، فما يجري هي حرب فعلاً، تُستخدَم فيها مختلف الأسلحة والأدوات الناعمة والصلبة، لكنّها حرب من نوع جديد، غير مألوف، تحمل الكثير من سمات العصر، وملامح المرحلة، كما تحمل بعض الملامح الخاصة التي يمكن اعتبارها بصمات "ترامبيّة" فريدة.

اقرأ أيضاً: ما مدى واقعية اندلاع حرب أمريكية إيرانية؟
تواجه إيران هذه الأيام خليطاً مُركّباً، في غاية التعقيد، من تكتيكات حروب اللّاعُنف، وهي نمط جديد من الحروب، يروق للبعض تسميتها بحروب الجيل الخامس (5GW)، في إشارة ضمنية إلى تجاوز مرحلة حروب الجيل الرابع (4GW)، وهو الاسم الذي أطلقه باحثون أمريكيون على حروب الولايات المتحدة الأمريكية ضدّ المنظمات الإرهابية، بحسب المفهوم الأمريكي، والتي كان طرفا الحرب فيها جيش نظامي لأقوى دولة في العالم، مسنود بتحالف دولي واسع، مقابل تنظيمات ما دون الدولة؛ حيث كان العدو يتشكل من خلايا وشبكات محدودة، منتشرة في أنحاء مختلفة من العالم الحقيقي والافتراضي، ونادراً ما كان يتخذ أية تشكيلات عسكرية معروفة.

تواجه إيران هذه الأيام خليطاً مُركّباً من تكتيكات حروب اللّاعُنف التي يروق للبعض تسميتها بحروب الجيل الخامس

ولعلّ أبرز وسائل حروب اللاعنف المستخدمة حتى الآن في الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، والتي يمكن مشاهدة مظاهرها علناً، تتمثل في أدوات سوسيو – اقتصادية، وسياسية، وإعلامية، وهجمات سايبرية محدودة.
وضعت الإدارة الأمريكية شروطها على الطاولة على طريقة رجال الأعمال، وأوضحت أنّ المطلوب من طهران تنفيذ اثني عشر شرطاً، أعلنها وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، مرتّبة في قائمة أنيقة، ومدروسة بعناية.
في الحروب التقليدية؛ كانت الشروط تفرض على المهزوم، وتأتي لاحقة للمعركة، أما في حروب ترامب؛ فشروط الاستسلام تأتي أولاً، وبما يوحي بالثقة الكاملة بالقدرة على الحسم، أعقب طرح الشروط، فرض ضغوط غير مسبوقة؛ تضمنت عقوبات اقتصادية هي الأشدّ في التاريخ، تم توجيه الضغوط باتجاه مركز القوة الرئيس في النظام الإيراني، والمتمثل في تحالف (مؤسسة "بيت القائد" – ومؤسسة الحرس الثوري) الحاكم.

اقرأ أيضاً: خطط إيرانية لاستهداف قوات أمريكية.. تفاصيل
لكنّ المخفي، ربما يكون أعظم، والقادم أخطر؛ فهناك "هجمات سايبرية" شاملة جاهزة للتنفيذ في مرحلة لاحقة، من شأنها شلّ الحياة في عموم البلاد، وربما التسبب في وقف أو اضطراب مختلف خدمات الاتصالات، والماء، والكهرباء، فضلاً عن ضرب مختلف الأنظمة المعلوماتية، والشبكات ذات الطبيعة الأمنية والحساسة في البلاد.
شاهدنا في الحرب الترامبيّة على إيران حتى الآن، الضغط في حدّه الأقصى اقتصادياً وسياسياً وإعلامياً، وهناك مؤشرات على تحريك مناطق الصدع الإثني والهوياتي-الديموغرافي، وتحفيز محركات الغضب الطبقي الاجتماعي، والجندري، وتعميق صراع الأجيال، ودعم المعارضات الخارجية، وباختصار؛ يبدو أنه يجري توظيف كل طاقات وأدوات الحروب النفسية، والحروب الاقتصادية المتوافرة في هذه الحملة.

اقرأ أيضاً: هل تشنّ أمريكا حرباً على إيران؟
ومن المرجح أن نشهد قريباً أشكالاً من الهجمات السايبرية، أكثر تقدماً، وأوقع أثراً من سابقاتها التي كانت تستهدف حصراً البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، وقد يفضي تطور الصراع إلى توسيع نطاق هذه الهجمات لتشمل مختلف البنى التحتية الإلكترونية والمعلوماتية في إيران.
وما يزال الهدف من توظيف كل هذه الأدوات هو التطبيق الحرفي لمقولة "الضغط في حدّه الأقصى غير العنيف"، ودفع الخصم نحو التحول الكامل إلى وضعية "الدولة الفاشلة"، وربما "العاجزة" تماماً عن القيام بأية ردة فعل "انتقامية"، ولا حتى "انتحارية".
وأثناء ممارستها عملية الدفع إلى أقصى مدى ممكن، قبل حافة الهاوية، تحرص الإدارة الأمريكية، على ضمان توافر كل عوامل الرّدع الممكنة، لمنع حدوث المواجهة المباشرة، أو الانجرار إليها، فالصراع العسكري المباشر غير مطلوب؛ بل مرفوض في هذه المواجهة، وإن كان اللعب يجري على مسافةِ أقرب بميكروميتر من خط النار المفترض.

اقرأ أيضاً: لماذا تدافع إيران عن جماعة الإخوان؟
وقد مثل إرسال الولايات المتحدة إحدى أهم تشكيلاتها العسكرية البحرية الضاربة إلى المنطقة رسالة مهمة إلى طهران في هذا السياق، وأعلنت واشنطن إرسال حاملة الطائرات "يو إس إبراهام لينكولن"، ترافقها قوة من عدة سفن حربية، وفرقاطات، وطرّادات، وكاسحات ألغام، وغواصات، تحمل أكثر من 7500 فرد، وأعقب ذلك الإعلان عن إرسال 4 قاذفات إستراتيجية من طراز (B-52)، والتي شكلت في مجموعها رسالة واضحة إلى طهران مفادها؛ أنّ العمق الإيراني سيكون في لائحة الأهداف العسكرية في حال تطور الصراع بين الجانبين إلى مواجهة عسكرية.
لقد كانت الحروب التقليدية، وغير التقليدية، من الجيلين الثاني والثالث، تقوم على أساس الدفع بالقوة العسكرية الصلبة أولاً، وإقحامها في المواجهة، ثم إسنادها بالقوة الناعمة، والعقوبات الاقتصادية، والحرب النفسية، وما إلى ذلك من أدوات مساندة غير عسكرية، لكنّ الحروب على الطريقة الترامبية، اليوم، عكست هذه العملية؛ إذ تدفع بالأدوات غير العنيفة أولاً، وتمنحها أقصى مدى ممكن للتأثير والفاعلية، ثم تسندها بالقوة الصلبة عند تطور الصراع إلى حافة المواجهة المباشرة، لا لغايات الاشتباك العسكري؛ بل لغايات الردع، وتلزيم الخصم بقبول قواعد اللعبة، التي تقول: إنّ "الردّ على الأدوات غير العنيفة، يجب أن يبقى في إطار غير عنيف"، وهو ما يصب في النهاية في صالح الطرف الأقوى.

شاهدنا في الحرب الترامبيّة على إيران حتى الآن الضغط في حدّه الأقصى اقتصادياً وسياسياً وإعلامياً

وتعدُّ الزيارة المفاجئة التي قام بها وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، إلى بغداد، أمس، تحركاً حاسماً من جانب الولايات المتحدة للتحقق من ضبط وإدامة قواعد اللعبة، ومنع طهران من استغلال وكلائها الإقليميين لجرّ الولايات المتحدة إلى معارك ومناوشات عسكرية جانبية، الرسالة الأمريكية جاءت واضحة في هذا الصدد؛ وكلّ عمل قد يقدم عليه أيّ من وكلاء طهران الإقليميين، سجري الردّ عليه في إيران، وليس في أيّ مكان آخر.
لكنّ تكريس قواعد اللعبة بهذا الشكل يعني خسارة حتمية بالنسبة إلى طهران، وعلى سبيل المثال؛ فقد ردت طهران على تصنيف واشنطن الحرس الثوري الإسلامي ضمن قوائم التنظيمات الإرهابية الأمريكية، بتصنيف القيادة المركزية للجيش الأمريكي برمتها منظمة إرهابية، لكن ما ينبني على قرار واشنطن من أحمال وأعباء تتحملها طهران اقتصادياً وسياسياً، لا تقابله أيّة أحمال وأعباء منظورة، قد تتحملها واشنطن نتيجة القرار الإيراني الذي يبقى مجرد رد فعل عاطفي لا أكثر.
وفي حال نجحت الولايات المتحدة في إبقاء قواعد اللعبة بهذا الشكل، فلا شكّ في أنّ طهران ستخرج من هذه المنازلة خاسرة تماماً، ولذلك يبقى من المحتمل جداً أن تلجأ طهران إلى إعادة خلط الأوراق من خلال جرّ الصراع إلى مواجهات عسكرية محدودة، ومحسوبة بدقة، ربما بهدف رفع أسعار النفط، ورفع الأكلاف الداخلية للمواجهة على الرئيس ترامب وإدارته، مثل هذه المقترحات (المغامِرة)، التي يجري تداولها بشكل شبه علني في طهران اليوم، لكنّ النصائح المشفقة تُوجه إلى القادة الإيرانيين من الداخل والخارج، بأنه عندما يكون الخصم من شاكلة الرئيس ترامب يتعين عليك التفكير ملياً قبل اتخاذ الخطوة القادمة.

الصفحة الرئيسية