الحرب الباردة على ضفاف "فيسبوك"

السوشال ميديا

الحرب الباردة على ضفاف "فيسبوك"

مشاهدة

02/05/2018

"وكالة أبحاث الإنترنت الروسية، تهدف إلى زرع الفتنة في النظام السياسي الأمريكي"، هذه العبارة، وردت على لسان روبرت موللر، المحقق الخاص في التدخل المزعوم لروسيا بالانتخابات الأمريكية عام 2016.
وربما تقود العبارة إلى ذكريات الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي، وامتدت بين عامي 1947، وحتى 1990، حيث انهار الاتحاد، غير أنّ السياسة الدولية للبلدين، لم تخلُ من عبارات الحرب الباردة، وهو ما يبدو أنّ المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "فيسبوك"، مارك زوكربرغ، أحسنَ استغلاله، لرد اتهامات أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي عن شركته، بعد الكشف أواخر آذار (مارس) عن فضيحة تسريبٍ لبيانات المستخدمين.
بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت مصالح أمريكا تنفصل عن مصالح الاتحاد السوفييتي

من أدبيات الحرب الباردة
بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت مصالح أمريكا تنفصل عن مصالح الاتحاد السوفييتي؛ حيث صار أحدهما ممثل الليبرالية، إن صح التعبير، والثاني؛ ممثلاً للشيوعية، وأفضل ما يمكن وصف الحرب الباردة به، خصوصاً من جهة السياسات الأمريكية القائمة على السيطرة والنفوذ منذ العام 1945، هو خلق عالم مضاد لهذه السياسات في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، يوصف أنّه مقاومٌ للهيمنة الغربية.

إن العالم طالما كان بالنسبة إلى أمريكا "سوقاً لرأسماليتها" وتُبنى لأجله منظوماتٌ أمنية لمحاربة الشيوعية

لكن، يمكن اختزال السياسات الأمريكية خلال الحرب الباردة، من خلال امتداح الرئيس الثالث للولايات المتحدة توماس جيفرسون العام 1785، للروح السياسية لبلده، وتقوم هذه الروح؛ على فرض الحريات الداخلية والخارجية، ويعلق جيفرسون بقوله "تحسين الحريات لا يعني تجنب الحرب، قد يكون تجنب الحرب نظرية لا يملك المواطن الأمريكي أن يتبعها"، بحسب ما ينقله "أود وستاد" في كتابه "الحرب الكونية الباردة"، الصادر العام 2006 عن المركز القومي للترجمة.
وفي الكتاب ذاته، يرى المؤلف أنّ العالم، طالما كان بالنسبة إلى أمريكا "سوقاً لرأسماليتها"، وتُبنى لأجله منظوماتٌ أمنية لمحاربة الشيوعية، ومثالها الأبرز حلف الناتو العسكري الأوروبي. بينما عمل الاتحاد السوفييتي من جهته على محاولة إقناع العالم بأنّه يحمل منطلقاتٍ ثابتة للمساواة وأنّه يدعم كل محاولةٍ من الشعوب حول العالم، للتحرر من القهر الاستعماري، مما جعل الصراعات بين الطرفين تحتدم منذ العدوان الثلاثي على مصر العام 1956، أو أزمة خليج الخنازير العام 1962 عندما كاد كل من أمريكا والاتحاد السوفييتي يدخلان حرباً نووية بعد صراعٍ على النفوذ في كوبا ومنح الاتحاد صواريخ متقدمة في حينه إلى كوبا.

عمل الاتحاد السوفييتي من جهته على محاولة إقناع العالم بأنه يحمل منطلقاتٍ ثابتة للمساواة

سباق التسلح والتكنولوجيا والجاسوسية، رسم الصورة العالمية للصراع بين البلدين، حتى أنّ الاتحاد السوفييتي جعل من صعود رائده يوري غاغارين، إلى الفضاء؛ حدثاً عالمياً العام 1961، تلاه هبوط الأمريكي أرمسترونغ على سطح القمر العام 1969.
الدولتان العظميان، بقيتا تحاولان جذب أنظار العالم وفرض النفوذ من خلال الإيحاء أنّ كل واحدةٍ منهما تملك زمام التكنولوجيا والمعرفة الأكثر تقدماً، والمعلومات الأكثر سرية، وتحولت مدنُ مثل برلين، إلى ساحة صراع بين الشيوعية وأمريكا، وكذلك دول كالصين ومصر وكوريا وفيتنام، أما أمريكا اللاتينية، فخاضت شعوبها صراعاتٍ محلية متفرقة، بين "اليسار" و"اليمين"، وكانت الدولتان لعقود، تتبادلان تهمة الشيطان الأكبر حول هذه الصراعات.
الصراع محتدم إلى اليوم
التوسع اليوم، والنفوذ، يحملانِ أبعاداً مختلفة، أو أدوات جديدة، ربما هذا ما أشار به بشكلٍ مبطن مارك زوكربرغ، خلال جلسة استماع الكونغرس لشهادة مؤسس موقع فيسبوك يوم 10 نيسان (أبريل) الجاري، بخصوص "فضيحة" شركة "كامبريدج أناليتيكا" المختصة بجمع وتحليل البيانات، التي "حصلت على معلومات ما لا يقل عن 87 مليون مستخدم، مستخدمة إياها بطريقةٍ غير مشروعة، مستغلةً المعلومات في توجيه الناخبين خلال الحملة الرئاسية للرئيس الحالي دونالد ترامب في 2016".
وفي السياق ذاته، كانت صحيفة "expressen" السويدية، نشرت في تقريرٍ موسع بتاريخ 8 نيسان (إبريل) الجاري، أنّ "الوضع المتأزم حالياً بين روسيا والغرب، يشبه الوضع الذي سبق الحرب العالمية الأولى قبل أكثر من 100 عام، معتبرة أنّ ما نعيشه أخطر بكثير من عهد الحرب الباردة".
وكان كاتب التقرير، "ماتس لارسن"، أشار إلى أنّ حقبة تصارع الأيديولوجيات بين الغرب وروسيا "انهارت بانهيار جدار برلين".

سباق التسلح والتكنولوجيا والجاسوسية، رسم الصورة العالمية للصراع بين البلدين

وهو ما يقود بطبيعة الحال، إلى الصراع في الشرق الأوسط، والتدخل الروسي في سوريا منذ العام 2015، للحفاظ على ميناء طرطوس مثلاً، آخر الموانئ الدافئة التي تسمح لروسيا بالملاحة منها بعد فقدانها ميناء البصرة بسقوط العراق في العام 2003.
أوجه الصراع؛ الجيوسياسي والاقتصادي والتوسعي، لم تعد ذات أسسٍ أيديولوجيةٍ فقط، وفق قول لارسن. وهو ما يقود إلى أوجه صراعٍ على التكنولوجيا والبيانات الضخمة، التي أصبحت تمنح الجاسوس، إن صح التعبير، كماً كبيراً من المعلومات، وهو جالس في سريره لو شاء.
من هنا، يمكن العودة إلى "فضيحة" فيسبوك الأخيرة مع شركة كامبريج أناليتيكا، فمقولة زوكربرغ أثناء مساءلته من قبل مجلس الشيوخ الأمريكي، أنّ "شركته تخوض حرباً مستمرة ضد مشغلين روس يسعون لاستغلال شبكة التواصل الاجتماعي. بالإضافة إلى قوله "إنّه سباق للتسلح. والروس سيستمرون في التحسن". هي إشارةٌ واضحةٌ إلى هذا الصراع، حول البيانات التي يمكن من خلالها إحداث تغييراتٍ على أرض الواقع، مثلما حصل في الانتخابات الأمريكية العام 2016.
ملخص لجلسة استجواب زوكبرغ: 

 

 

وربما أنّ زوكربرغ، قال ما قاله؛ من أجل التهرب ولو قليلاً من الضغط الموجه إلى "فيسبوك"، محاولاً تصدير أزمته. غير أنّ فكرة جمع البيانات وانتهاك الخصوصيات، وتهم أخرى "بإعادة تصميم شاشة (news feed) لتوجيه المستخدمين وفق مصالح شركاتٍ اقتصادية أو مصالح سياسية"، هي جميعها، صنيعة فيسبوك بالأساس.

الحروب الصغيرة على تخوم الشرق الأوسط وفي أوروبا الشرقية تستثمرها شركات المعلومات مثلما تستثمرها شركات السلاح

ومن زاويةٍ أخرى، يحدث هذا كما حدث في الحرب الباردة، حين قامت أمريكا بتطوير سلاحٍ نووي، فقام الاتحاد السوفييتي بالرد من خلال تطوير السلاح ذاته، في محاولة استغلال قدرات الآخر والتفوق عليها، أما شركة مثل "فيسبوك"، فمهمتها التنصل قدر الممكن من أي عقابٍ قانوني أو أخلاقي، بإظهار الخلاف على تسريب البيانات، مرتبطاً بصراع خارجي. وكانت جلسة المساءلة وصفت "بالعار"، بعد أن تم منح كل نائب في مجلس الشيوخ مدةً لا تزيد عن خمس دقائق أمام زوكربرغ الذي اكتفى بالاعتذار عموماً.
وبالعودة إلى كتاب "أود وستاد"، والنظر في الصفحات من 128 وإلى 133، نجده يركز على حرب المعرفة والبيانات والعلم في كل المجالات، وكيف أنّها "بدت متاحةً للطرفين بلا نهاية"؛ لأنّ الحرب لم تحصل أبداً، بل بقي الغرب، وروسيا، يتحضران للتمدد الاقتصادي والقوة العسكرية والسيطرة، وفي سياق صراعهما، سقطت مبادئ كثيرة، ليس أولها حماية الخصوصية للأفراد، كما أن آخرها، لن يكون الحروب الصغيرة التي تخاض هنا وهناك، على تخوم الشرق الأوسط وفي أوروبا الشرقية. تستثمرها شركات المعلومات مثلما تستثمره شركات السلاح.
ومن غير الواضح إلى أين يذهب العالم في ركب أمريكا وروسيا، ولاعبين كبار آخرين كالصين، إلا أنّ التاريخ يأتي من الباب الخلفي دوماً، ليقول إنّ الإنسان ومبادئه، كانا دوماً، ضحية أي حرب محتملة.

الصفحة الرئيسية