الجلسات العرفية في مصر تهمّش القانون وتصارع العدالة

9073
عدد القراءات

2018-07-01

تحقيق:  كريم شفيق

تتصل بالجلسات العرفية، ودورها في حل النزاعات والاعتداءات، إشكاليات كبرى، وخاصة في الجوانب الطائفية. فتلك الجلسات، هي إحدى الآليات التي تضعف القانون وأحكام الدستور.

وبسبب ذلك، تتعرض الجلسات العرفية في مصر لانتقادات شديدة وواسعة، من جهات رسمية وحقوقية؛ لأنها تشكل جزءاً بديلاً، عن منظومة العدالة الرسمية، وضماناتها الحقيقية، التي مرجعيتها القانون وأحكام الدستور.

ويستند القضاء العرفي أو الجلسات العرفية؛ إلى أصول وقواعد، يجري العمل، وفقاً، لأسسها الخاصة، كما أنّ لها أحكامها وعقوباتها، فضلاً عن، شروط خاصة، يفرضها "رجال" هذه الجلسات، في مخرجاتها ونتائجها، حسب كل حالة، بالصلح أو تحديد غرامة.
وتتفاوت العقوبات وتسميتها، حسب الموقف، وطبيعة النزاع، والأضرار الناجمة عنه، وكذلك من الناحية الجهوية، فالصعيد يختلف في بعض عقوباته وأحكامه عن الوجه البحري.
ما هو قضاء الجلسات العرفية وأحكامه؟

تلتزم العائلة التي صدر في حقها أو في أحد أفرادها حكم بالامتثال لقرارات القضاء وأحكامه ودفع الفدية

في حديثه لـ "حفريات"، يشير الشيخ محمد الرفاعي، من عائلة الرفاعية، إلى عدد من الأحكام الخاصة، بالقضايا العرفية، ومن بينها، "الدية" الشرعية، التي أقرها الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية، أو ما يعادلها من الذهب أو الإبل، أو الأموال السائلة. وموعد دفعها، يكون في مدة أقصاها 40 يوماً، من وقت انعقاد الجلسة.
و"تلتزم العائلة، التي صدر في حقها، أو في أحد أفرادها، هذا الحكم، بالامتثال لقرارات القضاء وأحكامه، ودفع الفدية، ومن ثم، لا يكون بالضرورة، دفعها من الجاني، وذلك، في حال عدم مقدرته المادية، حيث ينوب عنه أي من رجال العائلة، حيث إنّ الثأر، لا يكون من الفاعل، بصفة خاصة، وإنما قد يطال أبرز أطراف العائلة"، بحسب الرفاعي الذي يضيف: هناك "التغريب"، حيث يحكم قضاء الجلسة، بهجرة الجاني، من المحل الذي يسكن فيه، إلى محافظة أو حي سكني بعيد، عن أهل المجني عليه، خاصة، في بعض القضايا، التي قد يتسبب تواجد فاعل الجريمة، بعدم ضمان فاعلية الصلح، وانتكاسته، وإثارة الضغائن، وحدوث مشاكل، واحتراب بينهم.
وبخلاف الوجه البحري، لا يوجد في الصعيد، مثلاً، دفع الدية الشرعية، لكن، يتم عوضاً عنها ما يعرف بـ"الجودة"، وهي حمل الكفن،لافتداء الجاني نفسه، كما يقول الرفاعي.
جلسة عرفية معتادة في الخصومات العائلية في مصر (أرشيفية)

هل هي العدالة الناجزة؟

"إتمام إجراءات الصلح في النزاعات القائمة بين 6 عائلات، وأنهت حالة الاحتقان، بين العائلات الست بالمحافظات الثلاث، وتم وقف نزيف الدم بينها، بسبب خلافات الثأر". هذا ما أعلنته قبل أسبوعين، وزارة الداخلية المصرية، عما جرى في مديريات أمن الإسماعيلية والمنيا والأقصر، بخصوص نجاح لجان الصلح العرفية، من فض نزاع بين عائلات، نجم بينهم خلاف، وتمكن مديرو أمن هذه المحافظات، بالتنسيق مع كبار العائلات، من عقد لجان للصلح، فى ظل وجود أمني مكثف، بالإضافة إلى حضور أعضاء لجان المصالحات، وأعضاء مجلس النواب، وكبار رؤوس العائلات، وأفراد العائلات (أطراف النزاع)، وتم التوفيق والصلح بين جميع الأطراف وإقرارهم بالصلح النهائي.
كما تم إقرار التعهد، اللازم بعدم تعرض أحدهما للآخر، وأخذ الضمانات اللازمة، على جميع الأطراف، لمنع تجدد الاشتباكات، والخصومات الثأرية بينهم.

الجلسات العرفية تعد نمطاً يضرب بكل المواثيق الدولية والحقوقية والقانونية التي وقعت عليها مصر وتهدر هيبة الدولة

في إحدى قرى مدينة بنها، يشير محمد، الطالب بكلية الطب، إلى أنّ أسرته، قتل منها 20 فرداً، بسبب نزاع على أرض زراعية، وملكيتها مع عائلة أخرى، ووقعت بينهم الخصومة، منذ سبعينيات القرن الماضي، ولم تنته، حتى اليوم، رغم انعقاد الجلسات العرفية، أكثر من مرة.
لكن، النتيجة، هي انتكاسة العهود وتجدد الاشتباكات، في فترات متباينة، وحسب الحالة الأمنية في البلاد، فإبان ثورة يناير 2011، ومع التراخي الأمني، حدثت مجازر وقتل العشرات، وكانت هناك إصابات بالغة، لشباب من العائلتين، وحرق لمنازلهم، وبعضهم تعرض لبتر في الساق، أو عجز كلي، في أطرافه، وضمور في خلاياه، وحروق، من الدرجة الأولى.

اقرأ أيضاً: الأزهر..المعارك التي لا تنتهي

الخصومة والثأر
يؤكد، الشاب العشريني، في حديثه لـ"حفريات"، والذي فقد في مأساة الخصومة والثأر، والده وشقيق والده، وأبناء عمومته، عدم فاعلية هذه الجلسات، وقضائها، الذي لا يحقق أي عدالة ناجزة، بل يؤدي إلى ضياع الحقوق، وإفلات الجاني من العقاب، وفقدان قيمة القانون وتهميشه.
ويردف محمد، أنه لا يبقى من تلك الجلسات العرفية، سوى بعض الصور الباهتة والتقليدية، التي توثق لحضور رجال الأمن الكبار، وممثلي مؤسسات الدولة، ورجال الدين، من الأزهر ووزارة الأوقاف، الذين يحضرون هذا "الكرنفال" الاحتفالي.
بيد أنّ الأمر يظل بمثابة هدنة مؤقتة، وربما، اضطرارية، قد تندلع بعدها الخصومة، مرة أخرى، في أية لحظة، تتوافر لها شروطها، وتكون أقسى من المرة التي سبقتها.
وفي السياق ذاته، يوضح ريمون سمعان، مهندس إلكترونيات، أن حوادث العنف الطائفي، في قريته تنجم عن أسباب عديدة وتقليدية، أبرزها، إشاعات من بعض الأطراف، بتحويل منزلهم إلى كنيسة، والتي تتسبب في أحيان كثيرة، في تهجير الأسرة القبطية.
ويشير لـ"حفريات"، إلى ما يحتاجه المسيحيون، في كثير من القرى والأماكن، هو تعديل قانون بناء الكنائس وصدور قانون العبادة، وتشريعاته الجديدة، التي تلغي النصوص التعجيزية لبناء الكنائس، والتي يجري العمل بها، منذ أصدر السلطان عبد المجيد الأول، مرسوم الخط الهمايوني، عام 1856، في عهد سعيد باشا لمصر، حتى يصبح بمقدورهم، تأدية طقوسهم الدينية وشعائرهم، كحق من حقوق المواطنة.

انتهاء خصومة بين عائلتين مصريتين وفق النظام العرفي بحضور الشرطة (أرشيفية)

الفتنة نائمة في النفوس
وبحسب سمعان، هناك قرى وتجمعات سكنية للمسيحيين، لاتيتواجد فيها كنائس، لأداء صلواتهم، وليس من السهل بناء كنيسة، لذلك يجري تأدية الصلاة في بيوت أحد المسيحيين، ما يزعج بعض الأطراف المتشددة، والسلفية بالقرية، ويتحول الأمر إلى نزاع طائفي.
ومن بين تلك الحوادث، ما جرى في قرية، عرب أسمنت، التابعة لمركز أبو قرقاص، جنوب محافظة المنيا، والتي تعرضت لحادث طائفي، بدأ بتجمهر عدد من المسلمين، أمام منزل قبطي، واتهامهم بتحويل المنزل إلى كنيسة؛ حيث إنّ أقرب كنيسة، لقرية عرب أسمنت، تبعد بنحو 5 كيلومترات.
ورصدت المبادرة المصرية، في الفترة من 25 كانون الثاني (يناير) 2011، حتى نهاية العام 2014، وقوع 45 حادثة اعتداء طائفي، تم التعامل مع كل حادثة وتداعياتها، عن طريق جلسات الصلح العرفية، وهذا الرقم، على كل حال، لا يمثل جميع حالات الاعتداءات، والتوترات الطائفية، التي شهدتها مصر، خلال هذه الفترة.

هناك قرى وتجمعات سكنية للمسيحيين لا تتوفر فيها كنائس لأداء صلواتهم وليس من السهل بناء كنيسة

كما لم تتضمن هذه القائمة، أعمال النهب والحرق، التي أعقبت فض اعتصامي رابعة والنهضة، بالكنائس والمباني الدينية وممتلكات الأقباط، التي طالت ما يزيد على مائة منشأة دينية مسيحية.
وبالتالي، لم تتناول الدراسة، التي قدمتها المبادرة المصرية، بعض أشكال الحماية الشعبية للكنائس، في هذه الفترة، كما لا يمثل هذا العدد كل الحوادث، التي شهدت جلسات صلح عرفية، إنما هي الحالات التي تمكنت الجهة الحقوقية، من رصدها وتوثيق المعلومات بشأنها، وأسباب الحادثة وتداعياتها وكيفية إنهائها، بحسب الشهادات التي تمكنت من جمعها، من أطرافها المباشرين، سواء ممن وقع ضدهم ضرراً، أو ممن شاركوا في الجلسات العرفية.
العنف ضد الأقباط
وكشفت الدراسة، التي أعدها عادل رمضان، المسؤول القانوني بالمبادرة المصرية، عن أربعة أنماط للعنف الطائفي، هي الانتقام الجماعي من المسيحيين، والقتل على أساس الهوية الدينية، واستهداف الكنائس، ومنع المسيحيين، من إقامة شعائرهم الدينية.
ورصدت الدراسة، تعامل الدولة مع أحداث العنف الطائفي، والتي سيطرت وجهة النظر الأمنية البحتة عليها، وهي وجهة نظر تهدف، فقط، لفرض السيطرة والتهدئة على منطقة التوتر بالقوة، واستخدام الاعتقال الإداري، كورقة ضغط، لعقد جلسات صلح عرفية، بعيدة عن آليات العدالة.
وتشير المحامية دعاء صبحي إلى أنّ الجلسات العرفية، تعد نمطاً يضرب بكل المواثيق الدولية، والحقوقية والقانونية، التي وقعت عليها مصر، وتهدر هيبة الدولة، وعدم احترام القانون، ولا يؤدي إلى ضمانات حقيقية، في السلم الاجتماعى بين المواطنين.
وعن ذلك، يقول جرجس فكري، الصحافي المتخصص في الملف القبطي، لـ"حفريات" إنّ هناك انتقادات توجه للكنيسة، بسبب قبولها بحلول وقضاء الجلسات العرفية، لكن، الطرف الأقل حيلة لا لوم عليه (يقصد الكنيسة والأقباط)، حيث إنّ دور الدولة هو تطبيق القانون، لكن، في عدد من المحافظات، نجد المسؤولين، يشرفون على الجلسات العرفية، فلا يكون بمقدور الكنيسة أن ترفض.

اقرأ أيضاً: تدمير الإسلام بالطائفية والدول بالتجزئة

الفتن الطائفية قوس مفتوح بلا نهاية
يتفق مع فكري، الباحثُ إسحق إبراهيم، الذي تؤكد دراسة أعدها، بعنوان:"في عرف من، وتبحث في دور الجلسات العرفية، في النزاعات الطائفية، أنّ كل تاريخ حوادث الفتن، يشهد عدم انتصار الجلسات العرفية للمسيحيين، وإن انتصرت فإن العقاب يتساوى بين الجاني والمجني عليه.
وفي كثير من المناطق لا احترام للقانون، ويصبح الفيصل هي الجلسات العرفية، والتي تعد تغييباً للدولة وقوانينها، والكنيسة غير مسؤولة بتطبيق القوانين، وعندما ترى الدولة ترعى تلك الجلسات فتوافق رغماً عنها.
وبمرور الوقت، تحولت هذه الجلسات، إلى ما يشبه النظام القضائي، الذي يصارع نظام العدالة الرسمي، وأصبح الصلح العرفي بوابة للهروب من تنفيذ القانون، وذلك لما تتضمنه هذه الجلسات من فرض الجانب، صاحب الحضور القبلي والعشائري القوي لشروطه، وهي الشروط التي وصلت، في بعض الأحيان، إلى النص صراحة، على عقوبات، لمن يستخدم حقه الدستوري والقانوني، في اللجوء إلى القضاء لجبر الضرر.
وإلى ذلك، تعتقد أحد المصادر الكنسية الأرثوذكسية، التي فضلت عدم الإفصاح عن هويتها، في ردها على التساؤلات التي وجهتها إليها "حفريات"، أن ثمة أماكن كثيرة في محافظات مصر، تضطر المسيحيين، للسفر والانتقال لمسافات بعيدة، للصلاة في كنائسهم، التي لا تتوافر بالقرب من أماكن سكنهم، أو داخل قراهم ومراكزهم. ففي مدينة المحلة الكبرى، أحد أشهر المدن العمالية، والصناعية بمصر، لا يتواجد إلا سبع كنائس فقط، وفي قرية المريناب، شمال أسوان، هناك كنيسة واحدة، رغم وجود نسبة كبيرة من الأسر المسيحية بها، ناهيك عن طوائف مثل الإنجليين، تنعدم في محافظات كثيرة، كنائس لهم.
ويضطر المسيحيون، في كثير من الأحيان، إلى الصلاة في بعض المنازل القبطية، وهو ما يواجهه بعض المتشددين من الجماعات السلفية، بالعدوان والاعتداءات، على هذه المنازل، التي تتسبب في حدوث نزاعات طائفية، ويبقى الأمر غير محسوم، ومرشح للتكرار وعدم الحل، طالما أنّ القانون معطل، من ناحية، الانتهاء من تشريعات بناء الكنائس، وتنظيم دور العبادة، بحسب التوزيع الديموغرافي، أو وضع حد، للمعتدين والجناة، وحماية المجني عليهم، من ناحية أخرى.

 

 

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: