"الثورة الفلسطينية واليهود": استعادة لتاريخ الصراع

"الثورة الفلسطينية واليهود": استعادة لتاريخ الصراع

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
09/06/2021

ترجمة: مدني قصري

تضافرت إصدارات دار "Libertalia" و"Orient XXI" لإنجاز مجموعة من الأعمال المكرّسة للشرق الأوسط. العنوان الأوّل، الذي يصدر الخميس 3 تموز (يوليو) 2021؛ هو نصٌّ واضح ورائع نشرته حركة فتح الفلسطينية عام 1970 "الثورة الفلسطينية واليهود".

أكّدت الأزمة في القدس، وأعمال الشغب، والاعتقالات في المدن الإسرائيلية ذات الكثافة السكانية الفلسطينية الكبيرة، والهجمات على غزة، أنّ الإبقاء على الوضع الراهن غير ممكن، أو بالأحرى يعني حروباً متكرّرة، لقد قَتل توطينُ أكثر من 750 ألف مستوطن إسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية فكرةَ حلّ الدولتين.

وهذا هو السبب الذي جعل نصّ "الثورة الفلسطينية واليهود"، الذي نشرته "فتح"، وهي منظمة ياسر عرفات عام 1970، لدى "مينوي" (Minuit) يستعيد ألقَه وألوانَه من جديد.

المشروع؟ إقامة مجتمع تقدّميّ مفتوح للجميع من اليهود والمسلمين والمسيحيين، ورفضُ شعارات "العرب في الصحراء"، "اليهود في البحر"، لوضع حدّ لمجتمع الفصل العنصري الذي أسّسه الاحتلال واستنكرته للتوّ منظمات حقوق الإنسان؛ حزب بتسيلم "B’Tselem" (الإسرائيلي)، و"هيومن رايتس ووتش" (Human Rights Watch) الدولية.

الثائر الفلسطيني مستعدّ للموت من أجل تحرير فلسطين، ولن يقبل بديلاً مَهْما كان الثمن الذي سيدفعه، لكن لديه فكرة واضحة عن العدوّ والهدف النهائي

تعيد دار نشر "Libertalia" و"Orient XXI" نشر هذا العمل بعرضٍ افتتاحي قدّمه آلانْ غريش، رئيس التحرير السابق لصحيفة "Le Monde Diplatique"، ومدير موقع "Orient XXI" ناظر هذا المقال، والذي يعود إلى الشروط التي كُتب فيها هذا النص، وأسباب آنيّته، يشهد مقتطف الجزء الأول من الكتاب أدناه على رغبة المؤلفين في "الشروع في حوار بناء".

الثورة.. حقبة جديدة

"في الأول من كانون الثاني (يناير) 1965، أطلقت فتح، بعد ستّ سنوات من الاستعداد العسكري والعمل السياسي، عمليةَ الثورة الفلسطينية، كُرِّست السنتان الأوليان في ترسيخ وجودٍ حقيقي على "الساحة" الفلسطينية، التجربة المؤلمة لعام 1967، والنزوح الثاني الذي أعقب ذلك ما لبثا أن وضعَا الفلسطينيين بشكلٍ نهائي على طريق الثورة، لقد أمكنهم أخيراً حمل السلاح، والعودة إلى ديارهم للقتال ضدّ المحتل.

اقرأ أيضاً: مصر تتقدّم على تركيا وقطر لوقف إطلاق النار في غزة

أدركت الجماهير الفلسطينية أنّ تحريرها لا يمكن أن يأتي من عمل الجيوش العربية، في شكل حرب كلاسيكية، ولكن من حرب تحرير شعبية، استعاد الشعب ثقته، فوُلِدت أمّةٌ من جديد، لقد جسّدت الكرامةُ وسائر الانتصارات والتضحيات والمقاتلون الذين ماتوا في ساحة المعركة، والتصعيد المسلح، الشعور بالانتماء إلى فلسطين وعزّزته.

في الوقت نفسه، جلبت الثورة نضجاً للمقاتلين، ومن المفارقات أنّ أولئك الذين كانوا يقاتلون أصبحوا أكثر تسامحاً، فالعنف في الفكر والكلام يرافق الإحباط واليأس فقط .

بدأت طريقةُ النظر إلى العدو تتغيّر، واكتسب التمييزُ بين اليهودي والصهيوني معنًى جديداً، الرغبة في الانتقام لا تكفي لشنّ حرب تحرير، بدأ المقاتلون بالتفكير في أهدافهم النهائية، وأدّت المناقشات مع اليهود المثقّفين التقدّميين الذين أتوا من جميع أنحاء العالم للانخراط في حوار مع الثورة الفلسطينية، إلى فهمٍ أعمق بكثير من أيّ وقت مضى.

العقيدة الجديدة

أجرى قادة الثورة دراسات ومناقشات أدّت إلى مراجعات جِديّة، لقد عانى اليهود من الاضطهاد على أيدي المجرمين العنصريين، النازيين، كما نعاني نحن على أيدي الصهاينة. هكذا تمّ رسمُ أوجُهِ تشابهٍ كاشفة.

تساءل الثوار: كيف يمكن لنا أن نكره اليهودَ كيهود؟ كيف وسعنا الوقوع في فخّ العنصرية؟

أجرى قادة الثورة دراسات ومناقشات أدّت إلى مراجعات جِديّة، لقد عانى اليهود من الاضطهاد على أيدي المجرمين العنصريين، النازيين، كما نعاني نحن على أيدي الصهاينة

تمّ إجراء دراسة للتاريخ والفكر اليهودي: لقد فرّ غالبيةُ الذين جاءوا إلى فلسطين من معسكرات الاعتقال الألمانية، قيل لهم: "أنتم شعبٌ بلا أرض لأرضٍ بلا شعب، وتم التأكيد لهم على أنّ الفلسطينيين غادروا فلسطين بمحض إرادتهم، بناء على أوامر قادة عرب، في إطار خطة غادرة لتنفيذ مجزرة عامة ضدّ اليهود".

ثم استمرّت "الآلة" الصهيونية تُردِّد على المهاجرين اليهود الجدد، وكذلك المستوطنين القدامى، أنّه لم يكن هناك سوى بديل واحد: إمّا القتال من أجل البقاء وإنقاذ "إسرائيل"، وإما التعرض للمذبحة، أو في أحسن الأحوال الهروب في قارب على البحر الأبيض المتوسط، حتى اليهود العرب، الذين أطلَق عليهم الصهاينة "يهود الشرق"، والذين تعرّضوا، داخل إسرائيل، للتمييز من قبل الأوليغارشية الأوروبية، كان عليهم أن يتقبّلوا الحجّةَ والقتال من أجل ما اعتبروه "قتالاً من أجل بقائِهم".

كان على الكفاح ضدّ الصهيونية أن يكشف لفلسطينيين عن نقاط القوة وحدود الشخصية اليهودية، لم يكن اليهود وحوشاً أو خارقين أو أقزاماً، كانت هناك صورة إنسانية جديدة قد بدأت تتشكل عن اليهودي، مارتن بوبر، وإسحاق دويتشر، وإلمَرْ بيرغر، وموشيه مينوهيم؛ كلّ هؤلاء المفكّرين الإنسانويين كانت كتاباتهم هي الأكثر رواجاً ومقروئية.

صورة جديدة

لقد حرر الثوري الفلسطيني نفسَه من معظم صوره النمطية القديمة.

تفاجأ الزوار الأجانب برؤية ذلك وهم يزورون قواعد الكوماندوز، وبشكل خاص معسكرات الأشبال، أشبال الأسود المقاتلة.

اقرأ أيضاً: لماذا تربط إسرائيل التهدئة وإعمار غزة بإعادة أسراها؟

الثائر الفلسطيني مستعدّ للموت من أجل تحرير فلسطين، ولن يقبل بديلاً مَهْما كان الثمن الذي سيدفعه، لكن لديه فكرة واضحة عن العدوّ والهدف النهائي، عندما جاء الطلاب اليهود من أوروبا لقضاء جزء من الصيف في الأردن في معسكر فتح، تمّ تبنيهم بشكل عفوي.

فتحْ تتطلع إلى اليوم الذي يأتي فيه آلاف اليهود للقتال إلى جانبها من أجل تحرير فلسطين، فبالنظر إلى الأحداث الأخيرة، قد يحدث هذا في وقت أقرب ممّا تعتقد.

الخطوة الأولى

اتّخذ الثوار الفلسطينيون الخطوةَ الأولى، بالدعوة إلى إنشاء فلسطين ديمقراطية غير طائفية، هناك تغييرٌ حدث في الموقف: الفلسطينيون المنفيون والمضطهَدون بدؤُوا يعيدون تحديدَ أهدافهم، ويريدون إنشاء فلسطين جديدة تضمّ أيضاً اليهود الموجودين الآن في إسرائيل، لكي يصبح هذا الهدف قابلاً للتحقيق، يجب أن نبدأ بالاهتمام بالمُحاور: ما هو الموقف الحالي لليهود فيما يتعلّق بهذا الهدف، وما الذي يمكن أن يُغيّر عقليّتهم؟

هذا الموضوع سيعالَج الآن، ثم سندرس فلسطين الجديدة، ونفحص كيف تُقدِّم نفسَها في المرحلة الحالية من الثورة، نأمل بهذه الطريقة في أنّ نساعد في بدء حوار على أساس دراسة جادة، ثورتُنا شابة وديناميكية، وسيواصل نشطاؤُها القتال والتعلّم حتى النصر.

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

https://orientxxi.info

الصفحة الرئيسية