
يظل الفريق سعد الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية أثناء حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، حالة فريدة في التاريخ المصري الحديث، فقد جمع بين العبقرية العسكرية الفائقة وبين كونه شخصية قابلة للاستغلال السياسي بعد خروجه من السلطة. وقد ظهر ذلك بوضوح في عام 1999 عندما استضافه المذيع الإخواني أحمد منصور عبر منصة "الجزيرة" في برنامج "شاهد على العصر" لسرد روايته الخاصة عن الحرب.
إلا أنّ اللقاء لم يسر في إطار التوثيق التاريخي، بل اتخذ مسارًا مختلفًا بفعل طريقة إدارة الحوار. فقد تعمّد منصور توجيه الأسئلة نحو نقاط الخلاف بين الشاذلي والسادات، مع التركيز المكثف على القرارات السياسية أثناء الحرب، بما أوحى للمشاهد بوجود تقصير أو تعارض حاد داخل القيادة. وبهذا الأسلوب جرى تضخيم الخلاف العسكري وتحويله إلى محور الحلقة، وهو ما استغلته جماعة الإخوان لاحقًا للتشكيك فى نصر (أكتوبر) وتصويره على كونه مجرد هزيمة مقنعة، رغم أنّ الشاذلي نفسه كان يطرح رؤيته في سياق عسكري مهني.
لا يختلف اثنان على عبقرية الشاذلي؛ فهو واضع خطة المآذن العالية وصاحب التوجيه41 الذي نظم أدق تفاصيل الحرب، لكنّ الإشكالية بدأت عندما تحول الخلاف العسكري بينه وبين السادات إلى مسألة شخصية.
كان الخلاف بين الشاذلي والسادات خلافًا طبيعيًا قد ينشأ بين أيّ قادة داخل غرفة عمليات المعركة في لحظة مصيرية، خاصة حين تتداخل الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية. لكنّ تهميش الشاذلي لاحقًا وحرمانه من التكريم في احتفالية النصر في شباط (فبراير) 1974 تركا في نفسه شعورًا عميقًا بالغبن، وهو إحساس إنساني مفهوم لرجل يرى نفسه شريكًا في صنع النصر. ومع تراكم هذا الشعور بالظلم، جاءت بعض ردود أفعاله حادة ومبالغًا فيها، حتى وصل الأمر في لحظات انفعال إلى الشماتة في اغتيال السادات، وهو ما يمكن تفسيره تحت إطار الغضب الإنساني الذي قد يسيطر على أيّ شخص يشعر أنّه لم يُنصف.
سردية الإخوان واختزال التاريخ
تاريخ الإخوان الموازي
المشكلة الحقيقية هي أنّ الإخوان استغلوا هذا الخلاف سياسيًا، وحوّلوه من مجرد اختلاف فى وجهات النظر بشأن إدارة معركة معقدة إلى صدام مصطنع ومفتعل. ومنذ ذلك الحين كرّست منصاتهم خطابًا يختزل ملحمة (أكتوبر)، بكل أبعادها العسكرية والاستراتيجية، لمجرد خلاف بين القائد الأعلى ورئيس أركانه، متجاهلين حجم التخطيط والإنجاز الذي تحقق، بغرض توصيل فكرة مفادها أنّ القادة أصحاب النزاهة يتم استبعادهم، بهدف تعزيز فكرة المظلومية لدى الرأي لعام.
الخلاف بين القادة أمر طبيعي، فمثلاً في إنزال نورماندي 1944 اختلف أيزنهاور مع مونتغمري حول توقيت ومكان الهجوم. لكنّ الإخوان، لأغراض خبيثة، أخذوا هذه التفصيلة الصغيرة من حرب أكتوبر لتضخيم الخلاف وتشويش الصورة، بغرض تزييف الوعي العام والتشكيك في نصر أكتوبر.
وإذا كان البعض يفسر تعيين الشاذلى سفيرًا فى لندن باعتباره إبعادًا، فإنّ السادات نفسه هو من اختاره رئيسًا لهيئة الأركان قبل الحرب، متجاوزًا عشرات القيادات الأقدم منه في الترتيب. ولو كان يحمل له عداءً أو شكًا في كفاءته، لما أسند إليه هذا المنصب الحساس في أخطر مرحلة من تاريخ الصراع. كما أنّ استمراره في موقعه طوال فترة الإعداد للحرب وإدارتها يؤكد أنّ العلاقة بين الرجلين كانت قائمة على الثقة المهنية والاحترام، وأنّ الخلاف الذي وقع لاحقًا لم يكن سوى مجرد تباين في الرؤى.
تناول انتقائي
أمّا ما ينفي أيّ صحة لمحاولاتهم تصويره كرَمْز محسوب عليهم هي أسرة الشاذلي نفسها التي نفت مرارًا أيّ صلة له بالإخوان. فقد أكدت ابنته السيدة شهدان الشاذلي في حوار صحفي عام 2014 أنّ الجماعة استغلت اسم والدها سياسيًا، وأنّه لو كان حيًا لرفض ممارساتهم التي استهدفت مؤسسات الدولة والقوات المسلحة، وهو تصريح يعكس بوضوح أنّ الرجل لم يكن محسوبًا عليهم، ولا متماهيًا مع خطابهم.
عاش الشاذلي طوال حياته عسكرياً محترفاً لم يُعرف عنه أيّ انتماء تنظيمي أو ميول سياسية. ومع ذلك استغل الإخوان اسمه سياسياً، متجاهلين أنّه كان قائدًا وطنيًا بكل معنى الكلمة، عمل بكامل جهده لإحراز النصر في حرب أكتوبر وشارك في جميع حروب الدولة المصرية منذ 1948حتى 1973، دون أيّ تحزب أو انحياز سياسي.
لا يمكن فصل هذا التناول الانتقائي لسيرة الفريق الشاذلي عن السياق الأوسع لمحاولات الجماعة إعادة صياغة تاريخ الدولة المصرية بما يخدم خطابها السياسي. فالهجوم لم يكن موجّهًا إلى الرئيس الراحل السادات وحده، بقدر ما كان يسعى إلى تقويض أحد أبرز إنجازات الدولة؛ انتصار حرب تشرين/أكتوبر 1973، من خلال تصويرها ليس كلحظة لاستعادة الكرامة الوطنية، بل كحدث ملتبس أو حتى كهزيمة مزيفة، جرى تلميعها إعلاميًا بالنصر، متجاهلين أنّ الهدف الأساسي من المعركة تحقق بعودة كامل أراضي سيناء في محاولة لزرع الشك حول أيّ إنجاز مرتبط بمؤسسات الدولة، وخاصة المؤسسة العسكرية التي تمثل لهم مصدر رعب كبير، فقد أجهضت مخططاتهم وجعلتهم يجرون أذيال الهزيمة بعد أحداث حزيران/يونيو 2013. وفي هذا الإطار يصبح استدعاء اسم الفريق الشاذلي أداة ضمن سردية أوسع لا تهدف إلى إنصاف الرجل، بقدر ما تستغل رمزيته لإعادة تشكيل الوعي العام بما يخدم السردية الإخوانية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_3.jpeg.webp?itok=hc_VaQOg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=tTV7VYQo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_0.jpg.webp?itok=nRwtHFUN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D9%84_10_4.jpg.webp?itok=Tb3ja79D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_2.jpg.webp?itok=3IurMJHw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_5.jpg.webp?itok=4ZjqR8pK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_0.jpg.webp?itok=cfMu1WMs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A_1_3_1_1.jpg.webp?itok=o3ONEK_p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_1.jpg.webp?itok=ZHdchJGw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_38.jpg.webp?itok=jH4JYkNB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%B4%D8%A71.jpg.webp?itok=kuO7Yy_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_3_0.jpg.webp?itok=XgfaK1jy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_176.jpg.webp?itok=aL0i-O1b)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_2.jpeg.webp?itok=R9lPs42T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_27.jpg.webp?itok=3Lue5fk6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%88%D8%B2%D9%8A_1.jpg.webp?itok=l-buhOgN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%88%D9%86%D8%A7%D9%86_10.jpg.webp?itok=lZKGjScW)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4e45cd14-609d-41dc-8337-47bdff5ee0cc_0.png.webp?itok=aZAFci1K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=TYJr2e66)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ViYLxN7VkltvpvRG-BjwxijOzunHI9I_yZcM-e_K1TvKFCw4ds6oGRnGjeoTuODbDJZmxErM8WUpMaoSmGVs1o2jjcTozGzw4UwThDP3UDzeljr5wkQNDW3VWrMykNYUsRHwLAOMXx7_q52ErSNBggk2RD-IprWZcNisyCgWBHQYHnnJWha4GC1CQRvIuX5h%20%281%29.jpg.webp?itok=iKGLY69d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_1.jpg.webp?itok=PBow1BGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GDwvCo_zMvwWviO1UBjZOIncr8lBppACdNT5J2TgfLKiQt_Gch5Mbarh28Jo_9qBwcr2yCAGeE6sde8thVaLC2axkS3EdFlt0lVf9sRMY3oGNK4DR-i8hDLKVbVwbGpBttMNqPlZ0db_UOo4RUv8BtbOP3ye6_zuKhmtGTMdUL1NuxY8S1_j8dcMOIUPl9Ht%20%281%29.jpg.webp?itok=nS9xUUct)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7_82_1_2_0_0_0_0_1.jpg.webp?itok=--QJOt8O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
