التسامح والقوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة

التسامح والقوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة

مشاهدة

06/08/2019

جمال سند السويدي

ثمَّة ارتباط وثيق بين مفهومَي التسامح والقوة الناعمة بتعريفاتها المختلفة، فمصطلح القوة الناعمة الذي وضعه المفكر الأميركي جوزيف ناي، في مطلع تسعينيات القرن الماضي، يشير إلى قدرة دولة ما على التأثير في سلوك الآخرين بأساليب تقوم على الجذب والإقناع، وليس عبر الإكراه، وذلك من خلال امتلاك الخصائص والقيم التي تجعل الآخرين ينظرون إلى هذه الدولة بصفتها نموذجاً يحتذون به، ويحاولون تقليده. وما من شك في أن قيمة التسامح هي من أعظم القيم التي تعلي مكانة الدول والمجتمعات في نفوس الآخرين، وتعزِّز قوتها الناعمة لديهم، فالدول أو المجتمعات التي يسودها التسامح والوئام والتعاون وقبول الآخر، وتلفظ كل أشكال العنف والتطرُّف والكراهية، هي مجتمعات أو دول ينظر إليها الآخرون بإعجاب وتقدير، ويرون فيها النموذج الجذاب الذي يمكن الاقتداء به واقتفاء أثره.
آليات القوة الناعمة
ومن المعروف لدى جمهور الباحثين أن القوة الناعمة لأي دولة تقوم في الأساس على آليات وأساليب معنوية، مثل ثقافة الدولة، بما تشمله من آداب وفنون وتراث وتقاليد ونظم تعليمية، ومنظومة القيم السائدة في هذه الدولة، كالتسامح والمحبة والتعاون والكرم وقبول الآخر والعدل والحكم الرشيد. لكن هذا المفهوم يتسع أيضاً ليشمل بعض الآليات المادية التي تخلق نوعاً من الجاذبية والإقناع لدى الآخرين، كالنموذج الاقتصادي والتنموي الناجح الذي تتبناه الدولة أو دورها في تقديم المساعدات التنموية إلى المحتاجين أو حتى بعض السياسات الخارجية التي تتبناها الدولة عندما يراها الآخرون مشروعة وأخلاقية، مثل الدفاع عن قضايا الحق والعدل، أو الدفاع عن حقوق الإنسان، أو غير ذلك. فمن خلال هذه الأساليب والآليات وغيرها تستطيع دولة ما أن ترسم صورة ذهنية إيجابية عن نفسها لدى أبناء شعوب الدول الأخرى ومجتمعاتها، وتجعلهم يحاولون الاقتداء بها، أو حتى تبنِّي قيمها وثقافتها ومبادئها وطريقتها في الكثير من أوجه الحياة.
«قوة النموذج الملهم»
ويمكن التعبير عن مفهوم القوة الناعمة ببساطة بأنها «قوة النموذج الملهم» الذي تقدمه الدولة، والذي يجذب الآخرين، ويؤثر فيهم، ويدفعهم إلى محاولة الاحتذاء به أو تقليده من دون أي وسائل إكراه. وتمثل دولة الإمارات العربية المتحدة واحدة من الدول القلائل التي تملك «قوة النموذج» في منطقتها، وحتى على المستوى العالمي، فهي تمثل نموذجاً تنموياً رائداً يشار إليه بالبنان، ليس بالنظر إلى حجم الإنجازات التي حققتها في مختلف المجالات من دون استثناء فقط، ولكن بالمعيار الزمني أيضاً، حيث استطاعت تحقيق هذه الطفرة التنموية في فترة قصيرة لا تُقَاس بعمر التجارب التنموية الأخرى، لتنتقل من دولة يعاني سكانها ندرة الموارد وشظف العيش إلى دولة تنافس على المركز الأول عالمياً في معظم المؤشرات التنموية. كما تقدم نموذجاً وحدوياً رائداً من خلال تجربتها الاتحادية الفريدة التي تُعَدُّ التجربة الوحدوية العربية الوحيدة الناجحة، فضلاً عن كونها واحدة من أنجح التجارب الوحدوية وأقواها في المنطقة والعالم، لأنها قامت على الاختيار الطوعي والقناعة التامة من قبل الآباء المؤسسين، رحمهم الله، بحتميَّة خيار الوحدة لتحقيق نهضة الإمارات، والتغلُّب على التحديات التي تواجهها. وهي كذلك تقدِّم نموذجاً رائداً في الإدارة الحكومية الاستثنائية في فاعليتها، وفي طريقة إدارتها لشؤون الحكم، واعتمادها على التخطيط الاستراتيجي للمستقبل على أسس علمية، والابتكار في تقديم الخدمات بمعايير تنافس أعرق الدول المتطوِّرة عالمياً، والعمل الدؤوب على تحقيق سعادة المواطنين ورفاهيتهم. والأهم من ذلك كله امتلاك قيادتنا الرشيدة، حفظها الله، الرؤية والطموح والإصرار على وضع دولة الإمارات العربية المتحدة في المركز الأول بجميع المؤشرات التنموية عالمياً.
نموذج الإمارات
ويكفي هنا أن نشير إلى مثال واحد للقوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة من خلال نموذجها القيادي، وهو تصريحات رئيس وزراء إثيوبيا، آبي أحمد، عندما تحدث عن قيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، ورؤيته لشعب بلاده وأجيالها المقبلة، حيث قال مخاطباً شعبه: «نحن بحاجة إلى تفكير ورؤية شبيهة بتلك التي يتبناها هؤلاء القادة الساعون إلى مستقبل الأجيال القادمة». كما يمكن أن نشير هنا إلى تمنيات كثير من المواطنين العرب التي يعبِّرون عنها في مقالات الرأي، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أن يكون لديهم قادة مثل صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، يعملون بدأب وبلا كلل من أجل خدمة شعبهم ووطنهم، وقبل ذلك القائد المؤسس المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيَّب الله ثراه، الذي كان ولا يزال يمثل أحد أهم مصادر القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة، فأقوال زايد الخير وقيمه ومبادئه وأياديه البيضاء لا يزال صداها يتردَّد حتى يومنا هذا في مختلف أرجاء العالم العربي، وحتى على المستوى العالمي.
الإمارات مركزاً للثقافة العربية
وإذا كانت الثقافة تمثل أحد الأركان المهمَّة للقوة الناعمة، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة تقدم نموذجاً مهماً في الاهتمام بالبعد الثقافي والتحول لتكون مركزاً للثقافة العربية، وقبلة للمثقفين العرب والأجانب، من خلال معارض الكتب والفعاليات الفنية والثقافية والتراثية التي تنظمها باستمرار وتشكل جسوراً للتواصل الثقافي العالمي، والجوائز التي تقدمها لدعم الفنون والثقافة، مثل: جائزة البوكر للرواية العربية، وجائزة الشيخ زايد للكتاب، إضافة إلى جهودها الرامية إلى نشر وترسيخ القيم الثقافية الإنسانية العالمية التي جسدها إنشاء متحف اللوفر أبوظبي، وغيرها الكثير من المظاهر والمؤشرات التي حولت الدولة إلى «منصة عالمية» للمبدعين والمثقفين من الشرق إلى الغرب، ومنحتها مساحة مهمَّة من النفوذ والتأثير في المجال الثقافي العربي وحتى العالمي.
إن «قوة النموذج» الذي تقدمه دولة الإمارات العربية المتحدة، ويعكس قوتها الناعمة المتنامية في المنطقة والعالم، لا يقتصر على هذه النماذج التي أشرت إليها، فهناك مجالات أخرى كثيرة تشكل فيها الدولة نموذجاً وقدوة للآخرين، ولكن ما يهمني في هذا المقال هو النموذج الذي تقدمه الدولة في مجال التسامح والتعايش وقبول الآخر، والذي يمثل في تقديري العنصر الأهم من بين عناصر القوة الناعمة الإماراتية، وذلك بالنظر إلى مجموعة من الاعتبارات المهمة، أولها: أن النماذج الأخرى الرائدة التي تقدمها الدولة أسِّست على ثقافة التسامح المترسِّخة في المجتمع الإماراتي، فالنموذج الوحدوي الإماراتي أسِّس على قيم التسامح وقبول الآخر، والنموذج التنموي الإماراتي لم يكن له أن ينجح من دون سيادة هذه القيم التي وفرت أجواء التعاون والمحبة والاستقرار المجتمعي، وكذلك الحال في باقي المجالات التي شكلت فيها الدولة نموذجاً ملهماً. وثانيها أن ثقافة التسامح والوسطية والاعتدال، التي ميزت المجتمع الإماراتي كانت، ولا تزال، من أهم العوامل التي جعلت دولة الإمارات العربية المتحدة قبلة للسائحين والزائرين والمقيمين من مختلف أرجاء المعمورة، فلم يكن من المتصوَّر أن تجذب الدولة هذه الملايين من الزائرين والسائحين من مختلف دول العالم سنوياً، إذا لم تكن ثقافة التسامح متجذِّرة فيها، كما أنه لم يكن من المتصوَّر أن تحافظ الدولة على حالة التعايش الفريدة بين أبناء أكثر من 200 جنسية يقيمون على أرضها في وئام وسلام في غياب ثقافة التسامح. والأهم من ذلك هو الصورة الذهنية الإيجابية التي يحملها أبناء هذه الجنسيات عن أجواء التسامح في المجتمع الإماراتي، والتي يعودون إلى أوطانهم وهم محمَّلون بها، ما يعزز جاذبية نموذج التسامح الإماراتي عالمياً.
والاعتبار الثالث أن ترسُّخ ثقافة التسامح في المجتمع الإماراتي جعل دولة الإمارات العربية المتحدة تبدو منارةً مضيئةً وسط ظلام دامس يخيِّم على منطقة الشرق الأوسط بسبب انتشار خطاب الكراهية وجماعات التطرف والإرهاب والعنف، وهو ما جعل شعوب المنطقة المختلفة تنظر إلى الإمارات بصفتها نموذجاً يتطلَّعون إلى الاقتداء به، أو يحاولون استنساخه للخروج من دائرة الكراهية والعنف التي تعصف بمجتمعاتهم. ويعزز من ذلك الخطابُ الرسميُّ الإماراتيُّ الذي يدعو ويعمل بقوة على نشر التسامح ومحاربة التطرف والإرهاب وخطابات العنف والكراهية على المستويَين الإقليمي والدولي، وليس على المستوى المحلي فقط، وهو الخطاب الذي يلقى ترحيباً إقليمياً ودولياً، ويضفي بعداً أخلاقياً مهماً على السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة، ويعزز من قوتها الناعمة.
«دولة تسامح»
وليس من باب المبالغة القول إن «نموذج التسامح الإماراتي» هو العنصر الأهم في تعزيز القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة، فالصورة الذهنية الإيجابية للدولة، بصفتها «دولة تسامح» تعمل على بناء جسور التعاون والتواصل بين الثقافات والأديان المختلفة، وتنبذ خطاب العنف والكراهية والتطرف، كانت من بين العوامل الرئيسية التي جعلت دول العالم المختلفة تشرع أبوابها أمام المواطنين الإماراتيين من دون خوف أو تردد مثلما يحدث مع دول أخرى كثيرة تعاني انتشار نزعات التطرف والكراهية في مجتمعاتها، حتى أصبح جواز السفر الإماراتي هو الأقوى في العالم، وحصَد المركز الأول عالمياً بجدارة واستحقاق، في ترجمة حقيقية وقاطعة لقوة الإمارات الناعمة المتنامية عالمياً.
إن «نموذج التسامح الإماراتي»، وغياب خطاب الكراهية والتحريض، الذي بدأ ينتشر حتى في الدول المتقدمة، أسهما بصورة كبيرة في أن تكون دولة الإمارات العربية المتحدة هي الدولة الأولى التي يحلم الشباب العربي بالسفر إليها والإقامة فيها، فوفقاً لنتائج استطلاع «أصداء بي سي دبليو» السنوي الحادي عشر لرأي الشباب العربي، الصادر هذا العام، حلَّت دولة الإمارات العربية المتحدة، للعام الثامن على التوالي، خياراً أولَ للدول التي يرغب الشباب العربي في الإقامة بها، متقدِّمةً على جميع الدول المتقدمة الأخرى، وأكد هذا الاستطلاع أن الشباب العربي ينظر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة بصفتها نموذجاً تحتذي به الدول الأخرى، والبلد المفضَّل للعيش فيه، في ترجمة أخرى مهمَّة لتنامي قوة الإمارات الناعمة إقليمياً وعالمياً، بفضل ما تتمتع به من رسوخ لقيم التسامح والعيش المشترك.
ولا شك أن هناك الكثير من الدول التي استطاعت، بنهجها المبني على التسامح وقبول الآخر ونبذ العنف، أن تمثل نماذج مضيئة للبشرية، وأن تعزز قوتها الناعمة لدى الدول والمجتمعات الأخرى، مثل نموذج جمهورية جنوب أفريقيا بقيادة الزعيم نيلسون مانديلا، ونموذج جمهورية الهند بقيادة المهاتما غاندي، وغيرهما من النماذج التي سنتناولها في مقال آخر لاحقاً، ولكن ما يميز «نموذج التسامح الإماراتي» أنه نموذج شامل يضرب بجذوره في عمق التاريخ الإماراتي، ويتغذَّى بالقيم الإماراتية الأصيلة التي تتوارثها الأجيال الإماراتية، ويتعزز ويترسخ أكثر فأكثر بسياسات حكيمة تضع القوانين التي تجرِّم أي مساس بثقافة التسامح، أو تحاول أن تنشر خطابات الكراهية والتطرف، وتنشئ أُطراً مؤسسية تحمي قيم التسامح وترسخها كثقافة مجتمعية لا ميل عنها، بالتوازي مع تحركات لا تهدأ للتصدِّي لجماعات التطرف والإرهاب، التي تمثل التهديد الأكبر لقيم التسامح والوسطية والاعتدال.
«وثيقة الأخوَّة الإنسانية»
فحينما تستضيف الدولة أكبر رمزين من الرموز الدينية في العالم، وهما قداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية، وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، وترعى إصدار «وثيقة الأخوَّة الإنسانية» التي ترسم خطوط التعايش السلمي، وتحث على نشر ثقافة التسامح والتعاون بين بني البشر، وتنشئ وزارة للتسامح لضمان استمرارية ترسيخ هذه القيم الإنسانية، ومراكز للتصدي لخطابات التطرف والكراهية، مثل مركزَي «صواب» و«هداية»، وغير ذلك الكثير من الجهود التي سبق أن ناقشناها في مقالات سابقة، فإنها بذلك تعزز من قوتها الناعمة وجاذبيتها للعالم كله بصفتها نموذجاً رائداً للتسامح والاعتدال يحاول الآخرون الاقتداء به.
إن مضيَّ دولة الإمارات العربية المتحدة قُدُماً في ترسيخ نموذجها الفريد في مجال التسامح، في وقت يشهد فيه العالم تنامياً ملحوظاً في نزعات الكراهية والعنصرية، حتى في بعض الدول المتقدمة، سيعزِّز بلا شك القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة على المستويَين الإقليمي والعالمي، وهو أمر يجب أن يستثمره بفاعلية «مجلس القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة»، الذي أسِّس عام 2017، في تحقيق أهدافه الرامية إلى تعزيز سمعة الدولة إقليمياً وعالمياً، وترسيخ احترامها ومحبتها بين شعوب العالم.

عن "الاتحاد الإماراتية"

الصفحة الرئيسية