البهائيون في مصر: من الاعتراف الرسمي حتى اتهامهم بـ "الردّة"

مصر

البهائيون في مصر: من الاعتراف الرسمي حتى اتهامهم بـ "الردّة"

مشاهدة

05/08/2019

تمثل قضية البهائيين أحد أبرز الحالات التي تعكس صور التنوع في الملف الديني المصري؛ ذلك التمايز والاختلاف في المجتمعات الذي يصنعه التفاوت على مستوى العقيدة والفكر، ويكشف مساحة القبول للآخر، من ناحية، ودرجة المدنية والمواطنية على مستوى البنية التشريعية والقانونية للدولة، من ناحية أخرى، ومن ثم، توضيح التعقيدات والمشكلات التي تعترض تلك القضية وتمسّ حدودها ومكوناتها، وتشكّل واقع أفرادها.
من البابية إلى البهائية.. ما القصة؟
عام 1844؛ ظهرت الأصول الفكرية الأولى لنشوء ما عرف بـالديانة "البهائية"، بواسطة رجل الدين الإيراني، علي بن محمد رضا الشيرازي، الملقب بـ "الباب"، والذي أسّس عقيدة "البابية"، ثم ما لبث أن بدأ في نشر دعوته وأفكاره، وزعم أنّه رسول الله إلى البشرية، فالتحق بدعوته نحو 17 شخصاً، شكلوا إلى جانب المؤسس (الشيرازي)، ما عُرف بـ "حروف الوحي" الثمانية عشر.

صورة تظهر فيها أسرة بهائية أوائل القرن العشرين
ومن بين هؤلاء الأفراد؛ كان ثمة شخص يدعى "الميرزا حسين علي النوري"، الملقَّب بـ "البهاء"؛ شرع في استكمال الدعوة بعد مقتل "الباب"، إثر تعرّض أتباع الأخير للسجن والتعذيب، والعديد من الملاحقات الأمنية، على يد السلطات الإيرانية، بينما لقب نفسه بـ "حضرة البهاء"، أو "بهاء الله"، وأعلن ديانته الخاصة، عام 1866، ليتعرض لنفس المشكلات من اضطهاد وتعسف في طهران، فينتقل إلى فلسطين، بعد اتّهامه بنشر الفتن، ومنها إلى بغداد، التي تعدّ المحطة الأكثر قوة وانتشاراً في مسيرته الدعوية.

اقرأ أيضاً: كيف نفهم قضية البهائيين في مصر؟

تعدّ وفاة الشيرازي بمثابة اللحظة المفصلية والتأسيسية، التي تمخّض عنها ظهور الحالة الجنينية للعقيدة أو الديانة البهائية"؛ حيث نجم عن تلك الوفاة، انشقاق في مجموعة الشيرزاي؛ إذ تنازع على خلافته شخصان؛ أحدهما يحيى علي، الملقَّب "صبح الأزل"، ووضع كتابين هما: "الألواح" و"المستيقظ"، عُرف أتباعه بـ "الأزلية"، والآخر ميرزا حسين علي، الذي لُقب بـ "البهاء"، وعُرف أتباعه بـ "البهائيين".
وبحسب تقرير الحالة الدينية في مصر؛ فإنّه يمكن التمييز بين مرحلتين في حياة البهائية؛ المرحلة الأولى، كانت البهائية خلالها جزءاً من البابية، بينما تمثّلت المرحلة الثانية في لحظة الانفصال عن الأولى على يد "البهاء"، الذي أضحت البهائية من خلاله مذهباً مكتملاً، له عقائده الخاصة، وطقوسه المميزة، وكتب كتاباً سمّاه "الأقدس".
بماذا يؤمن البهائيون؟
يزعم البهاء أنّ الروح الإلهية قد حلّت فيه؛ حيث تؤمن البهائية بمبدأ الحلول والاتحاد والتناسخ، وخلود الكائنات، كما أنّ الديانات عند البهائيين هي في الأصل دين واحد، فتحت طياته شيئاً فشيئاً، ويعدّ بهاء الله أحد حلقاته.
وبينما تعتقد البهائية أنّ البشر في حاجة إلى التوجيه والإرشاد الإلهيين، طوال الوقت، وأنّ الوحي الإلهي لا ينقطع، فإنّ قوامها الديني يقوم على خمسة مبادئ، هي: وحدة الأديان، وحدة الأوطان، وحدة اللغة، السلام العالمي، المساواة بين الرجل والمرأة.

ويوضح الموقع الرسمي للبهائيين؛ أنّ "البهائية تشترك مع بعض الأديان في الدعوة إلى التوحيد، وتعترف بالأديان السماوية السابقة لها، ولا تخالف جوهر مبادئها الروحانية الخالدة، وإنما تختلف في تعاليمها وأحكامها التي تناسب متطلبات العصر، وتقضي على بواعث الحروب، وتوفق بين العلم والدين، وتساوي بين الجنسين".

تعدّدت محافل البهائيين بين عامَي 1924 و1960 حتى تمّ إلغاؤها بقرار من عبد الناصر وبلغت نحو 13 محفلاً

نالت البهائية هجمات شديدة من شيوخ الأزهر، ورجال الدين، بصفة عامة، منذ لحظة ظهورها في مصر، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ حيث رأى الشيخ الأزهري، محمد أبو زهرة، أنّ عقيدة البهائية، مؤامرة من الاستعمار والغرب على الديار الإسلامية، بحسب توصيفه، فقد اشتد نشاطها إبان الحربين العالميتين؛ الأولى والثانية.
ويرى أبو زهرة؛ أنّ البهائية تأثرت بخليط من الأفكار المتنوعة لمؤسسيها؛ حيث كان الميرزا علي شيعياً إثني عشرياً، لكنّه تجاوز المذهب إلى حدود أوسع، وجمع بينه وبين المذهب الإسماعيلي، إضافة إلى فكرة الحلول، والتي يقول بها السبتيون، فدشّن هذا المزيج الذي ينبذه الدين الإسلامي، بحسب رأيه.
انتشرت البهائية في مصر، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عبر المهاجرين الإيرانيين، وتحديداً طائفة تجّار السجاد منهم، ممن وفدوا إلى القاهرة، عام 1864، ومن بين الشخصيات الدعوية المهمة والمؤثرة، الميرزا عباس أفندي، المعروف بـ "عبد البهاء"، والذي عاش بمصر لمدة عام كامل، وتنقّل بين عدّة مدن؛ كالإسكندرية وبورسعيد، عام 1910، وغادر منها إلى نيويورك، أوائل عام 1912، قبل أن يعاود الاستقرار في بورسعيد، عام 1913، الأمر الذي مكّنه من التعرف إلى رموز الفكر والثقافة في مصر والتواصل معهم.
الانتشار في المحروسة
واللافت أنّ الصحافة المصرية قدمت أفكار البهائيين، وعقائدهم، وأشارت إلى هيكلهم الموجود في نيويورك ومصر، وذلك عبر صفحات "الأهرام"، و"الهلال"، و"المجلة الجديدة"، واستفاضت في الحديث عن الأدوار المختلفة التي يؤديها ميرزا عباس أفندي، في بورسعيد؛ حيث تعقبت نشاطاته وقامت بتغطيتها صحفياً، مثل الزيارات التي يقوم بها أتباعه في القطر المصري، أو من خارجه، لرؤيته والتبرك به.

اقر أ أيضاً: إلغاء احتفال لمعتنقي البهائية في الأردن بذريعة "منع الفتنة"
ويبدو أنّ نشاط البهائيين في أوساط النخبة المصرية كان غير محدود، كما تعددت نقاشاتهم الفكرية وسجالاتهم العقائدية، حتى كتب عنهم بإعجاب العديد من رموز تلك الفترة التاريخية؛ مثل: الإمام محمد عبده، وسلامة موسى، وعباس العقاد، وإسماعيل مظهر.


ففي مجلة العصور؛ كتب سلامة موسى: "ونحن نحبّ أن يلقى هذا الدين تأييداً في مصر، حتى بين الطبقات التي لا تجد من الأديان السائدة، أو من الآداب والفنون ما يقنع نفوسها".
وبحسب رشيد رضا، تلميذ الإمام محمد عبده؛ فإنّه ينقل عن الأخير رأيه في عباس أفندي، والذي يقول عنه: "أسمع أنّه بارع في العلم والسياسة، وأنّه عاقل يرضي جميع المجالس"، لكنّ رضا يعقب على ذلك بأنّ أستاذه وقع كغيره في خديعة كبيرة، بسبب ما أسماه "التقية" التي تعامل بها الميرزا، ويتبع في ذلك سلوكاً مناوراً يخفي حقيقة ما يؤمن به، ويشير في ذلك إلى أنّ "عباس أفندي كان يصلي الصلوات الخمس والجمع، ويحضر دروس الشيخ محمد عبده، ويتحدث كأنه مسلم سنّي".

اقرأ أيضاً: الأحمدية: طائفة دينيّة بأصول فارسيّة تستلهم أفكاراً هندوسية
واستطاع البهائيون، في وقت مبكر، أن يحصلوا على بعض المكتسبات القانونية والحقوقية، بفضل الانتشار والتواجد؛ حيث دشنوا أول مركز للبهائية في مصر، عام 1924، بجوار الكاتدرائية المسيحية الأرثوذكسية، في حي العباسية، وتبنوا شعار ثورة 1919، ضدّ الاستعمار الإنجليزي في مصر عام 1919، وهو "الدين لله والوطن للجميع"، الذي مكّنهم من تأسيس أول محفل لإقامة شعائرهم، غير أنّ الحكومة المصرية تردّدت في الاعتراف به لمدة عقد كامل.
وشهد العام التالي لبناء المحفل البهائي، وقائع أول نزاع قانوني يوثّقه القضاء المصري، بعدما رفع عدد من المواطنين، في بني سويف، بصعيد مصر، شكوى ضد ثلاثة بهائيين تزوجوا من مسلمات، ما ترتّب عليه إلغاء عقود الزواج، واعتبار البهائية ديناً مستقلاً.
سيرة حياة على الهامش
تعدّدت محافل البهائيين، في الفترة بين عامَي 1924 و1960، حتى تمّ إلغاؤها بقرار من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وقد بلغت نحو 13 محفلاً، تركزت بين القاهرة والإسكندرية، وعدد من المحافظات الأخرى، وهو ما مثل أزمة لديهم في عدم قدرتهم على التجمع، وممارسة شعائرهم، وطقوسهم الدينية الخاصة، واقتصر أداؤها على الاجتماع في منازلهم.

دم قدرتهم على التجمع، وممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية الخاصة
إذاً، شهد البهائيون، مع ستينيات القرن الماضي، بداية التضييق عليهم في مصر، وتلاشي بعض المساحات التي حصلوا عليها، منذ أصدرت الدولة الناصرية قرارها بإغلاق محافلهم، وعدم الاعتراف بهم، بعد شيوع وجود علاقة بينهم وبين الصهيونية، وهو ما تزامن مع احتدام الصراع العربي الإسرائيلي في تلك الفترة، وذلك رغم أنّ الدولة المصرية كانت تعدّ الدولة الأولى التي تعترف بهم "كدين مستقل"، وفق الحكم القضائي الصادر من محكمة مصرية، عام 1925، إنما اللافت أنّه لم تسجّل حوادث عنف واضطهاد ممنهج ضدّ البهائيين، أو ملاحقات أمنية، في عقد الستينيات.

قررت المحكمة الدستورية عام 1975 أنّ البهائية ليست من الأديان التي شرّعها الله، وتخرج عن الإسلام وديانة أهل الكتاب

بيد أنّ الأمر اختلف في عقد السبعينيات؛ إذ أصدرت المحكمة الدستورية العليا قرارها، عام 1975، الذي نصّ على أنّ "البهائية ليست من الأديان التي شرّعها الله، وتخرج عن الإسلام وديانة أهل الكتاب، وفق ما أفتى به الأزهر"، وعليه؛ أصدر مجمع البحوث الإسلامية قراراً بارتداد معتنقي الدين البهائي، الأمر الذي يخالف وضعهم القانوني والمدني، في العقود السابقة التي كانت تعفيهم من تصنيفات الردة والاتهام بالكفر والزندقة.
وإلى ذلك، عانى البهائيون من مشكلات عدة؛ تتعلق بعدم مقدرتهم على استخراج شهادات الميلاد والوفاة، وعقود الزواج، وتصاريح العمل، وجوازات السفر، وغيرها من الأمور الخاصة بالأوراق الثبوتية في الجهات المدنية والإدارية للدولة، والتمييز ضدّهم في بطاقة الهوية، عند خانة الديانة، بوضع إشارة على هيئة خطّ أفقي صغير، ما يعني أنهم بلا دين.

اقرأ أيضاً: "انبذ ما يحبه العالم من حولك".. شعار أغرب طائفة دينية
وبحسب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي منظمة حقوقية؛ فإنّ "عام 2009، شهد اعتداءات طائفية عنيفة، وغير مسبوقة، ضدّ مصريين بهائيين، يقيمون بقرية الشورانية، صعيد مصر، أسفرت عن إحراق خمسة منازل يملكها بهائيون، بعد أن قام المعتدون بقذفها بالحجارة، واقتحامها وسرقة بعض محتوياتها، ثم قام المعتدون بإلقاء كرات نارية وزجاجات حارقة على تلك المنازل وهم يرددون هتافات دينية "طائفية"، وترتب على تلك الاعتداءات أيضاً تهجير جميع أفراد الأسر الخمس، بينما لم تمكنهم السلطات الأمنية من العودة لمنازلهم حتى الآن".

اقرأ أيضاً: 10 معلومات عن الطائفة الكاكائية.. هل سمعت بها؟
عندما اندلعت أحداث "الربيع العربي" في القاهرة، في مطلع عام 2011، حاول البهائيون، وبعض نشطاء الحقوق المدنية الحصول على بعض المكتسبات، في ظلّ الانفراجة السياسية الجديدة، ومساحة الحرية التي انتزعتها الثورة، والانفتاح الملحوظ على العديد من الأفكار؛ حيث تقدّمت الطائفة بمذكرة لرئيس الوزراء، وقتذاك، الدكتور عصام شرف، بهدف إعادة فتح المحافل الخاصة بهم، كونها مراكز لتوثيق الأوراق، والعقود الخاصة بالبهائيين، وليست مكاناً مقتصراً على الصلاة؛ حيث لا تتوافر، حتى الآن، أرقام موثقة حول أعدادهم بمصر، الأمر الذي تمّ تجاهله، فظلت مشكلاتهم عالقة، وبقي وجودهم هامشياً.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية