الانتفاضة الطلابية تتوسع في تركيا... فهل يرضخ أردوغان لمطالبهم؟

الانتفاضة الطلابية تتوسع في تركيا... فهل يرضخ أردوغان لمطالبهم؟

مشاهدة

10/01/2021

انتفاضة طلابية متواصلة رفضاً لوصاية يحاول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فرضها على الجامعات، عبر تعيين موالين له، غضب يتحدى لهيبه قمع النظام، والحملات الأمنية التي تستهدف الطلاب والهيئات التدريسية.

وقد شهدت تركيا على مدى الأيام القليلة الماضية تطورات جديدة، تعتبر نقلة نوعية في الاحتجاجات التي تملأ البلاد ضد سياسات الرئيس التركي، الذي اتهم الطلاب المشاركين في الاحتجاجات بـ"الإرهابيين".

اقرأ أيضاً: بعد الاحتجاجات الطلابية.. هكذا رد رئيس جامعة بوجازيتشي الذي عينه أردوغان

ويواصل الطلاب في عدد من الجامعات التركية احتجاجاتهم الحاشدة ضد نظام أردوغان، بعد قراره بتعيين مليح بولو رئيساً لجامعة "بوجاز إيجي" التي تُعرف أيضاً باسم جامعة "البوسفور".

وذكر تقرير لموقع "فيون": "أنّ احتجاج مئات الشباب التركي على قرار رئيسهم بتعيين رئيس جديد للجامعة هو مشهد نادر في بلد له تاريخ من سحق المظاهرات المناهضة للحكومة في غضون ساعات".

 لكنّ هذه الاحتجاجات التي استمرت لأيام حاولت فيها الشرطة التركية اتخاذ إجراءات صارمة، لكنها زادت الوضع سوءاً، ورفض الطلاب، بدعم من أساتذتهم، التنازل عن مطالبهم، مؤكدين تمسكهم بحقهم حتى النهاية.

وقادت الشرطة حملة اعتقالات لعشرات الطلاب، إلّا أنها لم تستطع وقف زحف التظاهرات الطلابية التي شملت جامعات متعددة بإسطنبول، واعتقلت 36 من المحتجين، واقتادتهم إلى مراكز الشرطة لاستجوابهم والتحقيق معهم، بطريقة بلغت درجة تعريتهم، كما ذكر حقوقيون، الخميس الماضي.

 

الطلاب والهيئات التدريسية في عدد من الجامعات التركية يواصلون احتجاجاتهم الحاشدة ضد نظام أردوغان بعد تعيين مليح بولو

 

وفي هذه الأثناء، بات الاتّهام بالإرهاب والخيانة أسرع اتّهام يصف به أردوغان المناوئين له، وتكرّر هذا الأمر مع تعليقه على تظاهرات الطلاب المحتجين في جامعة "البوسفور" ضدّ قراره بتعيين عميد للجامعة. وانتقد أردوغان احتجاجات طلاب جامعة البوسفور في إسطنبول باعتبارها من عمل "إرهابيين".

وقال أردوغان للصحفيين في إسطنبول أول من أمس: "الطلاب ليسوا جزءاً من هذا، وهناك إرهابيون يشاركون في هذا الاحتجاج".

 

الشرطة التركية تعتقل 36 من المحتجين، وتقتادهم إلى مراكز الشرطة لاستجوابهم والتحقيق معهم بطريقة بلغت درجة تعريتهم

 

حدّة التظاهرات دفعت الرئيس التركي لتحريض حليفه السياسي، زعيم حزب الحركة القومية التركية المتطرفة دولت بهجلي، الذي طالب بـ"سحق المتظاهرين"، معتبراً أنهم جزء من مؤامرة تستهدف تركيا، عبر إثارة القلاقل لإحداث انتفاضة في البلاد.

تصريحات بهجلي المعبرة عن موقف أردوغان، ردّ عليها زعيم المعارضة التركية كمال كيليجدار أوغلو، الذي يُعتبر حزبه "الشعب الجمهوري" من أكثر الأحزاب شعبية بين أوساط الطلبة الجامعيين، وفي هذه الجامعة بالذات، معتبراً أنّ الحزبين الحليفين الحاكمين لن يتركا أي مؤسسة وطنية تركية باستقلالية.

زعيم حزب "ديفا" علي باباجان، الذي يُعتبر إلى جانب عمله السياسي أكاديمياً اقتصادياً بارزاً، شجب المواقف الحكومية، مطالباً بأنه "يجب أن تكون الجامعات مستقلة، يحتاج بلدنا إلى أكاديميين وإلى علماء أحرار وطلاب منتجين، لا يمكن تحقيق هذه الحرّية والإنتاجية من خلال تعيين أعضاء من الحزب الحاكم"، وفق ما نقلت صحيفة "أحوال تركيا".

 

أردوغان يصف الطلاب الذي تظاهروا في جامعة البوسفور ضدّ قراره تعيين عميد للجامعة بالإرهابيين

 

وأجمعت مختلف أحزاب وقوى المعارضة على رفض هذا التعيين والسياسة القمعية بحقّ طلبة الجامعة وأساتذتها الرافضين الخنوع لمصادرة حرّية واستقلالية جامعتهم، وقال المتحدث باسم حزب الشعب الجمهوري: "لم نطلق عن عبث وفراغ على هذا النظام وصف نظام وصاية الرجل الواحد".

أمّا رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، فقد أكد في رسالة للجامعة وقوفه مع نضال الطلاب والأكاديميين ضدّ التدخل السلطوي في شؤونها.

وأصدر حزب الشعوب الديمقراطي ذو الغالبية الكردية تصريحات مؤيدة لتظاهرات الطلبة المحقة، وبعث رئيس الحزب السابق صلاح الدين دميرتاش، المسجون تعسفياً منذ نحو 5 أعوام بقرار من نظام أردوغان، برسالة تضامن مع الطلاب والأكاديميين المنتفضين ضدّ الاستبداد وتسييس الفضاء الأكاديمي.

ومن جانبه، انتقد زعيم حزب المستقبل أحمد داود أوغلو تعيين أردوغان شخصاً من حزبه ومرشحاً سابقاً في البرلمان رئيساً لجامعة بالقول: "الجامعات ليست أمكنة بلا أرواح، هي إقليم للعقول التي تتغذى من الحرّية".

 

باباجان: يجب أن تكون الجامعات مستقلة، يحتاج بلدنا إلى أكاديميين وإلى علماء أحرار وطلاب منتجين

 

وحول قرار تعيين بولو، قالت ناهدة أرميش القيادية في حزب الشعوب الديمقراطي في حديث مع موقع "سكاي نيوز": "لقد تحوّلت تركيا إلى بلد مصادر ومعتقل وتحت الوصاية في عهد أردوغان، فكلّ المرافق والمؤسسات يتم وضع اليد عليها وتعيين وفرض أوصياء ووكلاء عنه عليها، وذلك لترهيب المعارضة والناس، وإيصال رسالة مفادها أنّ القرار بيدي والسلطة، وأنني سأعيد هندسة وتفصيل كل شيء في هذه البلاد على قياسي، وبما يخدم سلطتي، في مسعى لزرع الخوف واليأس والقنوط وتعميم الروح السلبية المستكينة في الأوساط السياسية والثقافية والأكاديمية وفي مختلف مضامير المجتمع".

وأضافت أرميش: "احتجاجات الطلبة الجامعيين هذه التي تحظى بدعم شعبي واسع إنما تعيد الثقة لدى الناس وتزرع فيهم أمل التغيير والفكاك من الاستبداد الأردوغاني، وقد تفتح الباب لتطورات وتغيرات إيجابية لجهة كسر نظام الوصاية في تركيا، القائم على فرض وكلاء أردوغان في كل مكان بغية سد مسامات المجتمع وخنقه".

وفي السياق، نظّم أعضاء هيئة التدريس بجامعة "البوسفور" في مدينة إسطنبول، أول من أمس، وقفة احتجاجية لتجديد رفضهم لتعيين مليح بولو رئيساً للجامعة من قبل أردوغان.

 

أرميش: احتجاجات الطلبة الجامعيين تعيد الثقة لدى الناس، وتزرع فيهم أمل التغيير والفكاك من الاستبداد الأردوغاني

 

 وبحسب ما ذكره الموقع الإلكتروني لصحيفة "أفرنسال" التركية المعارضة، تأتي الوقفة في ظلّ حالة الغضب التي تشهدها الجامعة، منذ السبت الماضي، على خلفية قيام أردوغان بتعيين بولو.

الأكاديميون تلوا في وقفتهم بياناً شددوا فيه على مبادئ جامعة "البوسفور"، وأنّ "تعيين رئيس الجامعة الجديد من قبل أردوغان أمر لا يتسق مع تلك المبادئ شكلاً وموضوعاً".

وأضاف البيان: "هذا التطور يمثل استمراراً لوضع قائم منذ العام 2016، ولممارسات غير ديمقراطية ألغى من خلالها النظام عملية انتخاب رؤساء الجامعات، ونحن لن نقبل بمثل هذه الممارسات التي تنتهك بشكل فجّ الاستقلالية الأكاديمية لجامعتنا، ولحرّيتها العلمية، وقيمها الديمقراطية".

اقرأ أيضاً: أرقام صادمة.. طلاب أتراك تركوا جامعاتهم لهذا السبب

ومنذ الإثنين الماضي، شهدت مدينة إسطنبول التركية مظاهرات احتجاجية عدة شارك فيها طلاب وبعض الرموز السياسية، فضلاً عن عدد من الأكاديميين للتعبير عن رفضهم تعيين مليح بولو، وقالوا: إنه عيّن بأسلوب "فرض الوصاية" على المكان من جانب أردوغان، لكونه موالياً له.

المحتجون اعتبروا التعيين عملية "غير ديمقراطية"، وحمل الطلاب لافتات كتب عليها "مليح بولو ليس رئيسنا"، و"لا نريد رئيساً معيناً من طرف الدولة".

هذا، ونشرت صحيفة "الغارديان" البريطانية تقريراً تفصيلياً عن التداخل السياسي الراهن بين الحياة الجامعية التركية والضغوط السياسية التي تتعرض لها من الحزب الحاكم: "على مدى الأعوام الـ5 الماضية، تم اعتقال أو سجن الآلاف من الأكاديميين والمحامين والصحفيين والموظفين المدنيين والعسكريين بسبب صلات مزعومة بالإرهاب.

ومنذ عام 2016، احتفظ أردوغان أيضاً بالحقّ في اختيار عمداء الجامعات مباشرة، الذين تم تعيينهم سابقاً من خلال الانتخابات، لفرض هيمنته على المؤسسات التعليمية التي تشكّل خطراً عليه وعلى نظامه.

 

بولو متهم بنسخ أجزاء كبيرة من أطروحتيه للماجستير والدكتوراه عن رسائل علمية أخرى، ما يطعن في نزاهته العلمية والأخلاقية

 

وبدأت الأزمة عندما وقّع أردوغان قراراً بتعيين رئيس الجامعة الجديد، فقد نشر مرسوماً رئاسياً، السبت، يقضي بتعيين بولو، الحاصل على درجة الدكتوراه في إدارة الأعمال رئيساً للجامعة، وهو من المقربين إليه.

ورغم الاحتجاجات الكبيرة رفضاً لتعينه رئيساً للجامعة، إلّا أنّه رفض الاستقالة من منصبه، منوّهاً بدور الشرطة في إخماد احتجاجات الطلبة، قائلاً: "لقد فعلت قوات الشرطة الصواب، مع الوقت سنعرف بعضنا بعضاً أكثر، وسيرون كيف سيسفر التعاون عن أعمال مثمرة". وأضاف: إنه لم يستدعِ قوات الشرطة إلى حرم الجامعة للتصدي للمحتجين الذين احتشدوا أمام بابها، وفق ما أوردت وكالة الأناضول.

وينتمي بولو إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم، وخاض انتخابات برلمانية مرشحاً عن الحزب، لكنه فشل.

من هو الرئيس الذي تسبب بالأزمة؟

ولد بولو في عام 1970، وتقلد مناصب حزبية وإدارية عديدة في حزب العدالة والتنمية، وترشح على قوائمه في الانتخابات البلدية والبرلمانية لعدة مرّات، ويعرف عنه ولاؤه المطلق لأردوغان.

سياسة قمعية بحقّ طلبة الجامعة وأساتذتها

ولا تقتصر المآخذ والاعتراضات على بولو لكونه مقرّباً من أردوغان وحسب، فحتى وفق المقاييس والمعايير الأكاديمية والأسبقية والتراتبية العلمية، فإنّ ثمّة اعتراضات عليه من قبل الوسط الأكاديمي، وخصوصاً من هيئة تدريس وإدارة جامعة البوسفور، على اعتبار أنّ ثمّة من هم أحقّ منه وأجدر بتولي هذا المنصب الأكاديمي المرموق، خاصة أنه تعيين حزبي، ومن خارج إطار الجامعة وإرادة كادرها التعليمي وطلبتها، ما يطعن في حرّية واستقلالية الجامعات، ويؤثر سلباً على نزاهتها وجدارتها العلمية والبحثية.

اقرأ أيضاً: منصور يافاش: هل وجدت تركيا رجلها البديل لأردوغان؟

وتزامن تعيين بولو مع قيام الموقع الرسمي لمؤسسة التعليم العالي التركية بحجب الوصول لرسالتي الدكتوراه والماجستير الخاصة بالرجل.

ووفق وسائل إعلام تركية، فإنه وبمجرّد محاولة الوصول إلى الأطروحتين يظهر تنويه يفيد بأنه لا يمكن استعراض هذه الرسالة عبر قاعدة البيانات.

وكانت تلك الوسائل قد أشارت إلى أنّ بولو نسخ أجزاء كبيرة من أطروحتيه للماجستير والدكتوراه عن رسائل علمية أخرى مماثلة، ما يطعن في نزاهته العلمية والأخلاقية، وهو الأمر الذي سيزيد من رقعة الاحتجاجات على تعيينه التعسفي والمنافي لمبادئ الاستقلالية العلمية والأكاديمية.

الصفحة الرئيسية