الإمارات واليمن: ما الذي يخيف الإخوان المسلمين وإيران؟

الإمارات واليمن: ما الذي يخيف الإخوان المسلمين وإيران؟

مشاهدة

19/06/2018

كثر الحديث مؤخراً عن طبيعة الدور الذي تقوم به الإمارات العربية المتحدة في اليمن، وحقيقة الأهداف التي تسطرها أبو ظبي، من خلال مشاركتها في التحالف العربي بقيادة السعودية لاستعادة الشرعية في اليمن، وللأسف الشديد؛ فإنّ أصوات النشاز التي صدرت من الداخل اليمني، أو من خارجه، لا تعدو أن يكون مصدرها إما: تنظيم الإخوان المسلمين، ومن يدور في فلكهم، الذين يحاولون إسقاط عدائهم للإمارات على البيئة الإستراتيجية اليمنية، وإما مصدرها بعض المسؤولين اليمنيين، الذين، ولاعتبارات غير مفهومة، ما يزالون غير مستوعبين للتكتيكات التي تدار بها السياسة الحربية عبر مختلف مسارح العمليات، وهو ما يدفعنا لتوضيح هذه الجزئية، التي وإن كانت لا تغيب على صانع القرار الإماراتي، إلا أنّها ربما أُسقطت في يد بعض الفاعلين السياسيين الذين تنقصهم الحنكة العسكرية والخبرات الميدانية لتقدير الموقف.

التنظيم الإخواني لا يهمه لا شرعية ولا مقاومة وإنما يحدد اختياراته السياسية موازين القوى في الميدان

بخصوص التنظيم الإخواني في اليمن، يمكن القول إنّ طرحهم السياسي واضح وثابت منذ تأسيس الجماعة على أيدي حسن البنا؛ حيث لا يهمهـم، في حقيقة الأمر، لا شرعية ولا مقاومة ولا حوثي، وإنما يحدد اختياراتهم السياسية، موازين القوى على الميدان، معتمدين في ذلك على تكتيك "المنطقة الرمادية"، وينتظرون إلى أيّة جهة ستميل كفة الصراع فيميلون معها ميلة واحدة، أما عداؤهم لدولة الإمارات فنابع من اعتقادهم بأنّ الإمارات، وبعد تحرير اليمن من القبضة الإيرانية، يمكن أن تضغط في اتجاه إقصائهم من الحياة السياسية اليمنية بحكم الموقف المبدئي الذي أعلنت عنه رسمياً من تنظيم الإخوان "المسلمين"؛ وهو المعطى الذي لا يستقيم مع مبادئ دولة الإمارات، التي صرّحت، غير مرة، باحترامها للسيادة اليمنية، وعدم تدخلها في شؤونه الداخلية، وعدّت أنّه من غير المنطق والمعقول أن "نناهض التدخلات الإيرانية في المنطقة، ونتبنى، في الآن ذاته، الطرح السياسي نفسه المرفوض أخلاقياً وقانونياً".

الأهداف الإستراتيجية في اليمن تتلخص بتحرير العاصمة صنعاء وإخضاع مركز الثقل العسكري ممثلاً في محافظة صعدة

في الجانب الآخر، وبخصوص التصريحات الإعلامية لأحد المسؤولين اليمنيين، والتي وصفت القوات الإماراتية بما لا يليق، ووجّهتها إلى ضرورة الانسحاب من المناطق التي يتم تحريرها، والعمل على تسليمها لقوات الشرعية اليمنية، فالرد على هذا الطرح يتطلب بعض التفصيل.

إنّ الخبير في الشؤون الإستراتيجية والعسكرية، يعلم جيداً أنّ الإستراتيجية الحربية تقسم الأهداف العسكرية إلى أهداف إستراتيجية "حاسمة"، وأخرى "موضوعية"؛ حيث إنّ الأهداف الإستراتيجية "الحاسمة" تُمثلها المواقع التي تساعد على التقدم والحسم العسكري، على مستوى مسرح العمليات ككلّ، أو على مستوى إحدى جبهات القتال، أما الأهداف الإستراتيجية "الموضوعية" فهي المواقع التي يتم رسمها، ابتداء، كأهداف رئيسة عند وضع الإستراتيجية الحربية (هنري أنطوان دي جوميني "موجز فنّ الحرب"، ج1، ص194)، وهنا يمكن الجزم بأنّ الأهداف الإستراتيجية "الموضوعية" في اليمن تتلخص في تحرير العاصمة السياسية صنعاء، وإخضاع مركز الثقل العسكري ممثلاً في محافظة صعدة.

الهدف تحرير مجموع تراب اليمن من القبضة الإيرانية ومنعها من جعله قاعدة للانتقال لإخضاع دول الخليج

بمقتضى هذا الطرح، يجب على صاحب هذا القول أن يعلم أنّ تحرير بعض المديريات أو المحافظات، ليس هو الهدف الإستراتيجي في حدّ ذاته، ولو أنّها مكتسبات على الميدان ستساعد على تحقيق الهدف السياسي الأسمى للحرب، إنما الهدف هو تحرير مجموع التراب اليمني من القبضة الإيرانية، التي تحاول أن تجعل من اليمن قاعدة عمليات يتم استغلالها للانتقال لإخضاع باقي دول الخليج العربي، وهي الإستراتيجية الإيرانية "المعلنة" منذ عقود، التي يطلق عليها "الخطة الخمسينية لآيات الشيعة في إيران"، كما أنّ الإمارات العربية المتحدة تتعامل مع اليمن كمنظومة واحدة وموحّدة، بعيداً عن بعض الحسابات السياسية الضيقة، التي ترى أنّ الحرب في اليمن يجب أن تضع أوزارها بمجرد تحرير الجنوب اليمني.

من ينتقد الدور الإماراتي إما جاحد لأرواح الشهداء أو على الأقل جاهل بأبجديات الإستراتيجيات العسكرية

هذه الرؤية القاصرة لا يمكن أن تخدم الأهداف الإستراتيجية لدول التحالف العربي، وعلى رأسها الإمارات، التي ترى أنّ أمنها القومي رهين بالمحافظة على استقرار محيطها الجيوستراتيجي والحيوي، وهو ما لخّصه وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، الدكتور أنور قرقاش، حين أكّد أنّ "الإمارات تتوفر على اقتصاد فاعل وحكومة فاعلة، واقتصادنا الذي يعتمد على السياحة والتجارة والخدمات؛ بناتج محلي إجمالي يبلغ 400 مليار دولار ما يجعله ثاني أكبر اقتصاد في المنطقة، يحتاج إلى استقرار إقليمي كي يواصل ازدهاره، وهذا يفسر لماذا تحرص الإمارات على استقرار دول المنطقة، وأن يعمّها السلام والازدهار؛ لأنّ هذا يخدم اقتصاداتها، بالتالي يخدم اقتصاد الإمارات".

إنّ من ينتقد الدور الإماراتي في اليمن لا يمكن أن يكون إلا جاحداً لأرواح الشهداء التي سقطت في ميادين الشرف، أو، على الأقل، جاهلاً بأبجديات الإستراتيجيات العسكرية، التي تهدف من خلالها دول التحالف العربي، القضاء على كلّ ما من شأنه تهديد وحدة كيان اليمن وسيادته، وتحويله إلى كيان تابع عقدياً لمنظومة ولاية الفقيه وسياسياً لطهران.

الصفحة الرئيسية