الإخوان وتوظيف المظلومية الفلسطينية... حديث الإفك السياسي

الإخوان وتوظيف المظلومية الفلسطينية... حديث الإفك السياسي

الإخوان وتوظيف المظلومية الفلسطينية... حديث الإفك السياسي


09/04/2026

بتحركات مشبوهة وأغراض انتهازية وأهداف مخبوءة، تسعى جماعة الإخوان المصنفة على قوائم الإرهاب في عدد من البلدان العربية، إلى توليد طاقة عنف قصوى من خلال الاستثمار في القضية الفلسطينية باعتبارها إحدى وسائط إنتاج المظلومية التاريخية. ورغم تآكل شعبية جماعة الإخوان في تونس ومصر والمغرب، تحديداً بعد صعودهم إلى الحكم إبّان ما عُرف بـ "الربيع العربي"، وانحسار نفوذهم الاجتماعي ونبذهم السياسي وفقدان حواضنهم، إلا أنّ الحرب في غزة تبدو فرصة لإعادة التموضع من جديد في المجال العام وممارسة الابتزاز السياسي، وتعبئة الجماهير لخلق اصطفاف مرحلي، ومن ثم توجيهه لحساب مصالحها الفئوية الضيقة، فضلاً عن إحداث توترات ضد الأنظمة المعادية لها، والتي لديها خصومة مع أجندتها في التمكين، وعلى المستوى الإيديولوجي. 

وفي حين يئنّ الفلسطينيون تحت وطأة الحصار الذي تسبّب فيه الصراع المستمر منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 على خلفية الهجوم المباغت لحركة حماس ضد إسرائيل، فإنّ جماعة الإخوان لا تتوانى عن شنّ أكاذيبها ودعايتها التلفيقية في فضاءات مواقع التواصل الاجتماعي، وتعبئة هذه المنصات بجيوشها الإلكترونية والترويج لشعارات صاخبة، لا تخدم إلا مشروعها المتمثل في إعادة تدوير حضورها السياسي بعد نبذها وتهميشها المجتمعي والسياسي. 

دعم شعبي واسع لفلسطين

وبحسب تقرير نشره موقع (العين الإخبارية)، فقد شهدت تونس مظاهرات شعبية واسعة مؤيدة للقضية الفلسطينية، شاركت فيها حركة النهضة بشكل ملحوظ، وهو ما اعتبره البعض محاولة واضحة من الحركة لاستعادة مكانتها بعد أن فقدت كثيراً من شعبيتها إثر الأزمات السياسية والقضائية التي ألمت بها. فقد شاركت قيادات حركة النهضة في صفوف المظاهرات، على الرغم من أنّ قانون مكافحة التطبيع الذي أقرّه البرلمان التونسي يمنع الدعوات التي يُنظر إليها على أنّها تمسّ العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل. فتاريخياً كانت حركة النهضة تستغل القضية الفلسطينية لتغذية خطابها السياسي والدعوي، مستثمرة حالة التعاطف الشعبي العربي مع القضية كمصدر قوة سياسية. ومنذ بداية تأسيسها، اعتُبر الفلسطينيون من الركائز التي تعتمد عليها الجماعة لإثبات شرعيتها السياسية، خاصة في مراحل الحراك الشعبي والثورات العربية.

 وفي السنوات الأخيرة حافظت حركة النهضة على دعمها الظاهر لفلسطين، إلا أنّ مشاركتها الأخيرة في المظاهرات تأتي في سياق سياسي أكثر تعقيداً، حيث تسعى إلى استعادة دورها في المشهد بعد سنوات من التهميش والملاحقة القضائية، وفق (العين)، التي تقول إنّه رغم ذلك، فإنّ حضور حركة النهضة في الحراك الفلسطيني واجه انتقادات من عدة أوساط مدنية تونسية، وقد اعتبرت الأخيرة أنّ الحركة تحاول استغلال القضية لإعادة تسويق نفسها أمام الرأي العام، في ظل ضعف مصداقيتها بسبب تورطها في قضايا فساد وتراجع أدائها السياسي. كما أثيرت تساؤلات حول مدى صدق توجه الحركة في دعم الفلسطينيين، خاصة في ظل عدم تقديمها مبادرات سياسية ملموسة داخل البرلمان أو خارجه لدعم القضية.

وتابع التقرير: "وفي الوقت نفسه، تواجه حركة النهضة أزمة داخلية حادة بعد صدور أحكام قضائية بحق رئيسها راشد الغنوشي وقيادات أخرى، حيث يقضي الغنوشي حكماً بالسجن (14) عاماً بتهم تتعلق بالتآمر على أمن الدولة وقيادة تنظيم إرهابي، وهو ما يضاعف من حالة الانقسام والضعف التنظيمي الذي تعيشه الحركة. وهذه الخلفية تعكس حجم التحديات التي تواجه حركة النهضة، التي تجد نفسها في مواجهة متشابكة بين معركة استعادة الشرعية الشعبية، وبين الحاجة إلى التوفيق بين مواقفها السياسية الداخلية وخطابها الخارجي الداعم للقضية الفلسطينية، وهو توازن صعب قد يحدد مستقبلها في الساحة السياسية التونسية".

المتاجرة بالقضية

الموقف من غزة في ما يبدو ليس موقفاً مبدئياً لدى الجماعة الأمّ للإسلام السياسي، إنّما أداة ضمن ترسانة الخطاب الشعبوي وتوظيف خطاب المظلومية. ولهذا يقول الخبير في الشؤون السياسية والأمنية، الكاتب التونسي حازم القصوري: إنّ جماعة الإخوان منذ لحظة التأسيس وهي تتحرى الاعتماد على "القضايا" التي عليها إجماع وطني للاستثمار في البازار السياسي بهدف كسب شرعية وجماهيرية، وتوسيع نفوذها ومدارها التنظيمي، مع الأخذ في الاعتبار أنّ هذا التنظيم الإسلاموي يتبنّى مفاهيم "الأممية" و"الخلافة"، ولا يُعنى بالقضايا الوطنية، وهي بالتالي مجرد أداة مؤقتة ومرحلية. 

الكاتب التونسي حازم القصوري

ويوضح القصوري لـ (حفريات) أنّ آليات الخطاب الإخواني، تكشف عن وسائلها في توظيف القضية الفلسطينية من منطلق تعبوي لإعادة هندسة "مشروعية بديلة"، و"تُفعَّل كلما فشلت الجماعة في إنتاج شرعية داخلية قائمة على الحكم الرشيد أو التنمية أو الدفاع عن الدولة الوطنية".

ويردف: "اليوم، بعد تراجع حضورهم السياسي وانحسارهم الشعبي في عدد من البلدان (مصر، تونس، المغرب...)، يعود الإخوان إلى واجهة المشهد عبر استثمار "الجرح الفلسطيني" في خطاباتهم، بوصفه المدخل الأكثر فعالية لإعادة توليد دورهم، وإحياء علاقاتهم مع حواضنهم الاجتماعية". كما أنّ القضية الفلسطينية، من زاوية الإخوان، لا تُفهم بوصفها صراعاً من أجل الأرض أو السيادة، بل تُختزل في كونها أداة دائمة لاستثارة العاطفة وتبرير الفعل السياسي، مهما كانت كلفته. وتتجلى هذه الاستراتيجية عبر (3) آليات رئيسية؛ أوّلها تحويل غزة إلى رمز للمظلومية الكونية، فبدل مقاربة غزة كمأساة إنسانية تستدعي حلاً سياسياً وإنهاءً للاحتلال، يعمل الخطاب الإخواني على تحويلها إلى أيقونة دائمة للاضطهاد، بهدف إسقاط صورة الضحية على الجماعة نفسها. وهكذا تصبح كل ضربة على غزة مناسبة لتغذية سردية "الإخوان المقموعين"، لا لفهم شروط التحرر الفلسطيني.

وثانياً إسقاط "العدو الخارجي" على السياقات الداخلية؛ حيث إنّه في مصر، وتونس، وحتى في الغرب، يُوظّف العدو الصهيوني خطابياً كغطاء للتصعيد المحلي، وفق القصوري، فيتحول القصف على غزة إلى دعوة للنزول إلى الشارع أو تأليب الرأي العام ضد الأنظمة، دون أيّ رابط عضوي حقيقي بين الحدث والسياق. وهذا ما يجعل القضية الفلسطينية عندهم مادة تعبوية أكثر منها مشروعاً نضالياً.

وثالثاً ابتزاز الخصوم عبر الشعارات الكبرى، حيث إنّه من يرفض خطاباتهم، يُتهم فوراً بالتطبيع، ومن ينتقد سلوكهم السياسي يُصوَّر على أنّه معادٍ للمقاومة. وبهذه الآلية تحتكر الجماعة الخطاب المقاوم، وتُقصي كل الفاعلين السياسيين الوطنيين من المشهد، خدمة لأجندتها. 

ورغم ما تروجه بعض الدوائر الإخوانية من نسب مباشر لحركة حماس إلى جماعة الإخوان، إلا أنّ الواقع أكثر تعقيداً. فمنذ سنة 2017 أعلنت حماس عبر وثيقتها السياسية الجديدة فكّ الارتباط التنظيمي الرسمي مع جماعة الإخوان المسلمين، في محاولة لإعادة تموضعها في الإقليم، خاصة بعد تصنيف الإخوان كتنظيم إرهابي في عدد من الدول العربية. لكنّ هذا الانفصال، وإن حمل طابعاً سياسياً واضحاً، لم يُلغِ التشابك الإيديولوجي أو الرمزي، ولم يمنع بعض الفروع الإخوانية في الغرب وتونس من مواصلة توظيف "رصيد المقاومة" الذي تمثله حماس كأداة دعائية، لتغذية خطاب المظلومية والتحريض العابر للحدود، بحسب الخبير في الشؤون السياسية والأمنية، الكاتب التونسي حازم القصوري.

ويختتم حديثه قائلاً: إنّه "مع فشل تجربتهم في الحكم، وانكشاف مشاريعهم أمام شعوب المنطقة، دخل الإخوان مرحلة "الانكماش الوجودي"، وأخذوا يبحثون عن استراتيجية ترميم شعبي وسياسي. فكانت فلسطين ـ لا بوصفها قضية، بل كـ "علامة رمزية" ـ هي الأداة المثلى لإعادة التموقع. حيث إنّهم يحاولون استعادة الحاضنة الشعبية عبر لغة "القدس أولى القبلتين" و"المقاومة الإسلامية"، في مسعى لتجاوز ذكريات عشرية الخراب (في تونس) أو عام الانقسام والاقتتال (في مصر). فهذه المحاولة ليست ناتجة عن تغيير في الرؤية أو تطور في الفكر، بل هي إعادة استدعاء للأدوات القديمة لتدوير الحضور السياسي، في سياق عجز عن إنتاج الجديد. والمفارقة الأخطر في هذا الخطاب أنّه لا يخدم القضية الفلسطينية، بل يُسيء إليها، إذ يتحول التضامن من فعل إنساني وسيادي إلى وسيلة لتخريب المجتمعات، وشرعنة الفوضى، وتعطيل المؤسسات".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية