الإخوان تحت مقصلة القانون في فرنسا

الإخوان تحت مقصلة القانون في فرنسا

الإخوان تحت مقصلة القانون في فرنسا


02/03/2026

في الثاني والعشرين من كانون الثاني/يناير 2026 صوّتت الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) على توصية بإدراج الإخوان في قوائم الإرهاب الأوروبية. ويأتي هذا بعد أيام من قرار الإدارة الأمريكية تصنيف فروع من جماعة الإخوان المسلمين في قوائم الإرهاب العالمية، شملت فروع الجماعة في مصر والأردن على خلفية دعمها لحركة حماس المصنّفة منظمةً إرهابية، إلى جانب إدراج الجماعة الإسلامية الفرع اللبناني للإخوان منظمةً إرهابية أجنبية، مع فرض حزمة من التدابير العقابية، من بينها تجميد الأصول، وحظر التعامل مع الكيانات والأفراد المرتبطين بها داخل الولايات المتحدة، وهو القرار الذي تبنّته الأرجنتين، وأعلنت عن حظرها للإخوان المسلمين بعد يوم من الموقف الأمريكي.

وبحسب مركز (تريندز)، يُمثل هذا الإجراء مؤشراً على تحوّل نوعي محتمل في الموقف الفرنسي من الإخوان المسلمين في ظل الجدل الداخلي حول الإسلام السياسي وتهديداته. وعليه؛ تستهدف هذه الدراسة تحليل دلالات التوصية الفرنسية، وفَهم انعكاساتها على البنية التنظيمية للإخوان المسلمين في أوروبا واستشراف مساراتها المستقبلية.

استند مُقدّمو القرار في بيان أسبابهم إلى: تضاعف عدد الإخوان المسلمين الموجودين في فرنسا في سرية تامة، وفي غضون خمس سنوات فقط، من 55 ألفاً في عام 2019، إلى أكثر من 100 ألف في عام 2024. وأرجع الاقتراح سبب الخطورة في هذه الزيادة إلى: طبيعة مشروع الإخوان المسلمين الذي يستهدف إقامة أنظمة إسلامية بدلًا من الجمهوريات الديمقراطية أو العلمانية، والاعتماد على شبكة واسعة من الجمعيات التي تنشر إيديولوجيتها في المجالات الاجتماعية والثقافية والتعليمية والرياضية لكسب تأييد الطبقة العاملة المسلمة.

التقرير السرّي الذي كُلّفت به الأمانة العامة للدفاع والأمن القومي، بعنوان "جماعة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي في فرنسا"، أحدث صدمة كبيرةً، حيث يكشف بوضوحٍ عن التغلغل الخبيث والخطير لحركة الإخوان المسلمين في المؤسسات الفرنسية، ولا سيّما في مجالات التعليم والثقافة والرياضة والقانون والسياسة، بما يُسهم في إضعاف أسس الدولة الجمهورية.

سياق سياسي أوروبي أوسع

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي المقيم في باريس شيار خليل، في تصريحات خصّ بها (حفريات) أنّ "القضية لا تنفصل عن سياق سياسي أوروبي أوسع، إذ تأتي في ظل دعوات متزايدة داخل البرلمان الفرنسي وبين دوائر سياسية وحزبية لإدراج جماعة الإخوان في قوائم الإرهاب على مستوى الاتحاد الأوروبي. وقد صادق البرلمان الفرنسي على مقترح قرار يدعو إلى دراسة هذا التصنيف، استناداً إلى ما يعتبره تهديداً للمبادئ الجمهورية وقواعد الأمن القومي الأوروبي".

وتابع: "رغم أنّ إدراج أيّ كيان في قائمة الإرهاب الأوروبية يتطلب توافقاً على مستوى دول الاتحاد، فإنّ التحرك الفرنسي يعكس توجهاً صارماً يتنامى في بعض العواصم الأوروبية تجاه تنظيمات الإسلام السياسي، خصوصاً في ضوء التحديات الأمنية التي شهدتها القارة خلال العقد الأخير. وما يجري في فرنسا لا يبدو مجرد تحقيق عابر، بل يمثل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المؤسسات الأوروبية على ضبط شبكات التمويل المشتبه بها، وفي الوقت ذاته الحفاظ على التوازن بين متطلبات الأمن واحترام الحريات العامة".

ويختتم خليل حديثه مؤكداً أنّ هذه التطورات تؤكد أنّ ملف الإسلام السياسي في أوروبا دخل مرحلة جديدة، متنها الرئيسي هو القطيعة مع سنوات المرونة والبراغماتية، وملاحقة الشبكات المختلفة، فضلاً عن التدقيق المالي الصارم، والمساءلة القانونية.

ويضاف إلى ذلك دعم الإخوان المسلمين لجماعات مسلحة مثل حماس، ونشر إيديولوجية واضحة وموثقة للكراهية تجاه الغرب، ورفض المؤسسات الديمقراطية، ثم قيام العديد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بحلّ "تنظيم الإخوان" بالفعل، أو اتخاذ إجراءات مهمة ضد العديد من المنظمات التابعة له.

سلسلة من التداعيات

تأتي توصية الجمعية الوطنية الفرنسية كنتاج سلسلة من المؤثرات التي دفعت إليها، حيث إنّه في أيار/ مايو 2024 أطلقت الحكومة الفرنسية تحقيقاً رسمياً في الإسلام السياسي ووجود جماعة الإخوان المسلمين في فرنسا. وكُلف مسؤولون كبار، بمن فيهم وزيرا الداخلية والخارجية، بتقييم هياكل الجماعة وخطابها وعلاقاتها العابرة للحدود في جميع أنحاء أوروبا، الذي تم عرضه لاحقًا على مجلس الدفاع في 21 أيار/مايو 2025. من ثم اعتماد الحكومة الفرنسية سلسلة من الإجراءات الأمنية الصارمة لمواجهة الخطر المتصور الذي تشكلة جماعة الإخوان المسلمين، كإلغاء العقود مع المؤسسات التعليمية المشبوهة، وزيادة مراقبة الجمعيات الدينية والمدارس الخاصة، ووضع برامج تدريبية متخصصة للأئمة لقطع مصادر التمويل المرتبطة بالتطرف، وضمان توافق التعاليم الدينية مع المبادئ الحكومية.

فضلاً عن تشديد لوائح الهجرة؛ تحديداً رفضها تجديد تصاريح الإقامة لشخصيات بارزة من جماعة الإخوان المسلمين، مثل حامد جبلة، الذي أسس الفرع الفرنسي للجماعة عام 1983 وتم طرده في آذار/مارس 2024. وجاء ذلك عقِب موافقة الجمعية الوطنية على المقترح الذي قدّمته مجموعة الجمهوريين بأغلبية 157 صوتاً مقابل 101 صوت بعد خمس ساعات من المناقشة، حيث تضمن التأكيد على أنّ حركة الإخوان المسلمين تشكل تهديداً إيديولوجياً عالمياً للمبادئ الأساسية للاتحاد الأوروبي؛ لأنّها تدعو إلى انفصال سياسي ديني قائم على تحدّي سيادة القوانين المدنية.

وفي ما يبدو أنّ التحركات أو الملاحقات القضائية لتتبع نشاط الإخوان وتمويل الإرهاب في فرنسا ليس أمراً طارئاً، إنّما تجري بوتيرة منتظمة وبناء على استراتيجية لمكافحة النشاط الإسلاموي المؤدلج على أكثر من مستوى، وثمة سوابق عديدة للقضية الأخيرة تكشف عن تماثلات وقواسم مشتركة، حيث فتحت النيابة الوطنية الفرنسية لمكافحة الإرهاب تحقيقاً أولياً في الثامن من آب/أغسطس العام الماضي بشبهة "تمويل الإرهاب" يستهدف أنشطة الاتحاد اليهودي الفرنسي من أجل السلام، وذلك على خلفية معطيات تشير إلى جمع تبرعات مالية لصالح قطاع غزة مع وجود شبهات بصلات مع حركة حماس، وفق مجلة (لو بوان) الفرنسية. 

وبحسب ما أوردته تقارير صحفية، فإنّ الجمعية، التي تأسست عام 1994 وتتبنّى خطاباً مناهضاً لإسرائيل، نجحت وفق أرقامها المعلنة في جمع أكثر من 600 ألف يورو خُصصت لدعم مشاريع في غزة. غير أنّ التحقيقات تركز على طبيعة هذه التحويلات المالية والجهات المستفيدة منها، في ضوء مؤشرات على علاقات تقارب مع حماس.

تتبع روابط مشبوهة

تعود بدايات الملف إلى فعالية أقيمت في معرض "بيوسيبييل" في جنوب فرنسا، حين ألقى قياديان في الجمعية، بيار ستامبول وسارة كاتز، مداخلة بعنوان "الزراعة تحت القصف في غزة"، وقد جرى تداول تسجيلات للمداخلة تضمنت إشارات إلى روابط مع حماس، وهو ما دفع السلطات الفرنسية إلى فتح تحقيق أوّلي للتثبت من مدى قانونية الأنشطة المالية المرتبطة بالجمعية والتدقيق القضائي في تلك الروابط.

ولفت انتباه المحققين ورود اسم "أبو أمير" على الموقع الإلكتروني للجمعية بصفته منسقاً محلياً في غزة ومسؤولاً عن العلاقات وجمع التبرعات لدعم مزارعين في القطاع. وتشير معطيات التحقيق إلى احتمال تطابق الاسم مع شخصية مرتبطة بجمعية أخرى سبق أن طالتها شبهات مماثلة، وهو ما عزز دوافع التدقيق في شبكة العلاقات مع الكيان المصنف على قوائم الإرهاب.

وليست هذه المرة الأولى التي يرد فيها اسم الاتحاد في مسارات قضائية، إذ ذُكر عام 2024 في ملف مرتبط بشبهات "تمويل الإرهاب" و"تكوين جماعة إجرامية ذات طابع إرهابي" و"غسل أموال"، وفق المجلة الفرنسية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية