الإخوان المسلمون: نهاية التنظيم وضرورة مواجهة الإيديولوجيا

الإخوان المسلمون: نهاية التنظيم وضرورة مواجهة الإيديولوجيا

الإخوان المسلمون: نهاية التنظيم وضرورة مواجهة الإيديولوجيا


17/12/2025

في ظل وضع إقليمي متخم بأزمات وتعقيدات سياسية وأمنية عديدة، بينما ينذر بتداعيات وعواقب لا تحمل أيّ استقرار، فإنّ ذكرى سقوط جماعة الإخوان في مصر، بفعل الاحتجاجات الشعبية التي طوقت ميادين الجمهورية لتعلن ضرورة وحتمية "سقوط حكم المرشد"، تؤشر إلى المسارات التصحيحية التي قطعها المصريون لتفادي الدخول في دوامة صراعات أهلية، أو تفكيك الدولة لصالح الميليشيات، أو إنهاء المواطنة لحساب الطائفية السياسية. وهي مصائر لا يمكن الحديث عنها نظرياً، فقط، وإنّما هي واقع مادي ملموس ومرير، في ظاهرة وصول قيادي إرهابي على رأس السلطة في سوريا، مثل الجولاني/ أحمد الشرع، فضلاً عن العشرية السوداء لحكم الإخوان في تونس والمغرب.

ذكرى سقوط الإخوان في مصر تؤشر إلى المسار الذي سلكه المصريون لتفادي مصير الطائفية والمليشيات وتفكيك الدولة.

 

بل إنّ جماعة الإخوان المصنفة على قوائم الإرهاب في مصر وعدد من البلدان العربية، منذ خروجها من السلطة، لم تكفّ عن سياسة الإرهاب ومحاولة تقويض مؤسسات الدولة، والميل الحاد نحو نشاطها الجهادي المحموم، كما ظهر من خلال تنظيمي "حسم" و"لواء الثورة" الإرهابيين، واستهداف الضابط بالأمن الوطني العقيد محمد مبروك بالاغتيال، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2013، فضلاً عن اغتيال النائب العام هشام بركات. 

محاولات يائسة من أجل العودة

يحفل سجل الإخوان الدموي بجرائم عديدة. غير أنّ مواجهة الدولة، سياسياً وأمنياً، لجيوب التنظيم الإرهابي وأذرعه المختلفة، ثم قطع محاولات الإمداد والتواصل مع الحركيين، وملاحقة الحواضن المرشحة للانخراط في أعمال عنف، وشلّ قدراتهم على التعبئة والتخيط والتنفيذ، جعل الجماعة الأم للإسلام السياسي، من خلال عناصرها الهاربة في تركيا ولندن، تتحرى وسائل أخرى من خلال تضليل الرأي العام ونشر الشائعات وممارسة سياسة الابتزاز بحق الدولة، الأمر الذي ظهر مع حرب غزة وشن حماس هجماتها المباغتة على إسرائيل.

الجماعة المصنفة إرهابية لم تتوقف عن محاولاتها لتقويض مؤسسات الدولة عبر العنف والتنظيمات الجهادية كـ "حسم" و"لواء الثورة".

 

سياسات الإخوان لا تكاد تختلف منذ التأسيس في عشرينات القرن الماضي حتى اللحظة الراهنة؛ توظيف الدين وتعبئة الحواضن أو الحوامل الإيديولوجية بالعنف، واعتباره ضرورة للوصول إلى السلطة ومرحلة التمكين. ولهذا كان الصدام مع الأنظمة والحكومات المتعاقبة أمراً محتوماً، وقد صرّح به المرشد المؤسس حسن البنا في رسائله، واعتبره نقطة ارتكاز يبني عليها تصوراته لجماعته التي تمثل "العصبة المؤمنة" في مواجهة "الطاغوت"، وبالتالي راكم لدى الجماعة رغبة هوجاء للعنف على المجتمع "الجاهلي" و"الدولة" بوصفها كافرة. وأسست الأدبيات الإخوانية معاني التبشير الكفاحي نحو "الجهاد".

الإخوان استغلوا حرب غزة لابتزاز الدولة المصرية ونشر الشائعات وتضليل الرأي العام من الخارج، تحديداً من تركيا ولندن.

 

يقول حسن البنا في رسالته المعنونة: "بين الأمس واليوم": "أحبّ أن أصارحكم أنّ دعوتكم ما زالت مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية". وفي رسالة "التعاليم" ألمح إلى ما يُعرف بـ "المحنة" التي تتحول إلى مظلومية تلازم تاريخ الإخوان، وتشكّل مادة يتم تطويعها لتوليد العنف ضد المجتمع والدولة، ويشمل ذلك المواطنيين والمدنيين وممثلي الحكومة ومؤسساتها من شرطة وجيش وقضاء. هذا المسار الكفاحي والتبشيري للعنف المقدّس وفق منظور الإسلاموية، عبّر عنه البنا بقوله: "الإخوان المسلمون سيستخدمون القوة العملية، حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنّهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء، وسينذرون أوّلاً، وينتظرون بعد ذلك، ثم يقدمون في كرامة وعزة، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضا  وارتياح".

تاريخ الإخوان قائم على توظيف الدين والعنف وسيلة للوصول إلى الحكم، كما صرّح بذلك مرشدهم المؤسس حسن البنا في رسائله.

 

ويؤكد البنا على حتمية العنف قائلاً: "وستدخلون بذلك، ولا شكّ، في دور التجربة والامتحان، فتُسجنون وتُعتقلون، وتُنقلون وتُشردون، وتُصادر مصالحكم وتُعطل أعمالكم وتُفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ}. ولكنّ الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين... فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله؟".

ويردد في رسالته "بين الأمس واليوم": "وإن قيل لكم أنتم دعاة ثورة، فقولوا نحن دعاة حق وسلام، نعتقده ونعتز به، فإن ثرتم علينا ووقفتم في طريق دعوتنا، فقد أذن الله أن ندفع عن أنفسنا، وكنتم الثائرين الظالمين".

أدبيات الجماعة تقوم على فكرة الجهاد والكفاح ضد الدولة والمجتمع الجاهلي وتؤسس لمظلومية دائمة تستغلها لتبرير العنف.

 

وفق مركز (تريندز) للبحوث والاستشارات، تراجع مؤشر القوة العالمية للتنظيم إلى 48% عام 2023 بعد أن كان 64% عام 2021، وهو ما يعكس انهيار قدرة الإخوان على التأثير في المجالين الدعوي والسياسي. 

انهيار الإيديولوجيا

في حديثه لـ (حفريات)، يوضح الباحث المختص في شؤون الإسلام السياسي، سامح عيد، أنّ جماعة الإخوان المسلمين كانت "أكبر خطأ حصل في مصر بوصولهم إلى الرئاسة بعدما زعموا أنّ انخراطهم في الاستحقاق الرئاسي سيكون مشاركة لا مُغالبة، ولكن في ظل الصراعات الداخلية ما بين خيرت الشاطر وعبد المنعم أو الفتوح، قرروا الوصول إلى الرئاسة"، موضحاً أنّ الإخوان "كانوا دائماً عندما تحصل تجربة إسلامية مثلاً في المغرب أو في تونس، أو في أيّ بلد آخر، وتفشل، كان تعقيبهم التبريري هو أنّ الوضع في مصر سيكون مختلفاً، لرمزية التأسيس ووجود مقر الإرشاد للجماعة، إلى أن جاءت التجربة المصرية وفشلت فشلاً ذريعاً، وثار ضدهم المصريون، وانكشفت جماعة الإخوان المسلمين أمام الرأي العام بالتحريض على العنف وارتكاب وقائع عنف وخروج ميليشيات إرهابية، مثل "حسم" و"لواء الثورة"، وغيرها، كما ارتكبوا جرائم في حق مصر". 

رغم انهيار التنظيم، يحذّر الخبراء من بقاء الإيديولوجيا التي تستغل مفاهيم مثل الخلافة و"الإسلام هو الحل" لاستقطاب الأتباع.

 

بعد ذلك، تعرّض الإخوان لانقسام وتشظٍّ في ظلّ محاولاتهم الهرب والفرار والبحث عن ملاذات آمنة. وتعددت المآلات، بين التخفي مؤقتاً في مصر، أو الهروب إلى الخارج، كما حدث مع بعض القيادات والأفراد ممّن نجحوا في الوصول إلى تركيا، والقبض على غالبيتهم. 

الشباب الإخواني تمرد على قيادته بسبب فشلها ورفضها الاعتراف بالأخطاء، مما أدى إلى مزيد من التفكك والانقسامات.

 

ويوضح عيد أنّ "الانقسامات ظهرت في الخارج أكثر، لأنّه حصلت صراعات على المال وصراعات على النفوذ وخرجت فضائح من داخل الإخوان أنفسهم. وفي ظل فشلهم في مصر وعدم اعترافهم بالخطأ وعدم مراجعتهم لأفكارهم وعدم مراجعتهم للإيديولوجية نفسها انقسموا إلى (4) أقسام؛ انشقاق أفقي وانشقاق رأسي، وهو انشقاق على مستوى القيادة ما بين مجموعة لندن ومجموعة تركيا، مع الأخذ في الاعتبار التيار الذي اشتق لنفسه اسم التيار الثالث أو التيار العام، واضطلع بالعنف، وهو تيار محمد كمال، وتيار تركيا محمود حسين، كما أنّ الشباب في الجماعة انفصلوا عن القيادة لرغبتهم في اعترافها بالخطأ، ومن ثم تمكين الشباب. وبالتبعية، وفي ظل هذا الانشقاق، برزت الاتهامات على عصام تليمة الذي روّج لاتهامات بالفساد المالي.

البنا كان يؤكد أن استخدام القوة أمر حتمي للإخوان عندما يستكملون أدواتهم، معتبراً المواجهة مع الدولة اختباراً إيمانياً.

 

ويُحذّر عيد من بقاء الإيديولوجيا رغم تلاشي وانحسار التنظيم، لأنّ الإخوان يسعون لتصدير أو توظيف الدين بإغراءات عديدة، مثل "الإسلام هو الحل"، أو مفاهيم وقيم الخلافة، فضلاً عن جاذبية أفكار تتصل بالهجرة الحضارية والاحتماء بالماضي أو عودة الزمن إلى الوراء. ويقول: "من الضروري مواجهة الإيديولوجيا والحدّ من تأثيراتها وفضح زيفها وأغراضها وآليات اشتغالها. والأهمّ من مواجهة الإرهابيين مواجهة الإرهاب الفكري ومواجهة الإيديولوجية نفسها". 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية