الإخوان المسلمون في أندونيسيا: تمثلات الجغرافيا السياسية وتداعيات الاستراتيجية الجديدة

الإخوان المسلمون في أندونيسيا: تمثلات الجغرافيا السياسية وتداعيات الاستراتيجية الجديدة

مشاهدة

06/10/2021

بينما تعاني تنظيمات الإسلام السياسي، في عواصم الشرق الأوسط، من انحسار وفشل تجربتها في الحكم، كما هو الحال في القاهرة، والخرطوم، وطرابلس، وتونس، والرباط، تسعى تركيا نحو دعم تنظيم الإخوان المسلمين في أندونيسيا، وخلق بيئة مماثلة لما كان عليه الأمر في المنطقة، خلال العقد الماضي.

مثّلّ سقوط الاتحاد السوفياتي، والاعتراف باستقلال الجمهوريات السوفياتية السابقة، مقدمة طبيعية لسقوط بعض الأنظمة التي كانت تستند إلى دعم موسكو؛ وهو ما جرى في أندونيسيا عندما واجه نظام الرئيس سوهارتو في العام 1998، مظاهرات من طلاب الجامعات على مستوى البلاد.

مثّلّ سقوط الاتحاد السوفياتي، والاعتراف باستقلال الجمهوريات السوفياتية السابقة، مقدمة طبيعية لسقوط بعض الأنظمة التي كانت تستند إلى دعم موسكو؛ وهو ما جرى في أندونيسيا

وإلى ذلك، كانت تمثلات الإسلام السياسي، تترقب اللحظة المناسبة، حتى تمضي نحو التشكل والتموقع في الحيز السياسي الجديد، بحيث تضطلع بأدوارها الوظيفية داخلياً وإقليمياً ودولياً. وبالرغم من التحركات والمحاولات المتفاوتة، التي سعت من خلالها تنظيمات الإسلام السياسي في أندونيسيا، وبعض الجماعات الجهادية، للظهور في المشهد، خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، إلا أنّ سقوط نظام الرئيس سوهارتو على إثر الأزمة الاقتصادية التي تضررت منها جاكرتا كثيراً، كان ممراً آمناً لحزب العدالة والرفاهية، الذراع السياسي للإخوان، نحو التشكل عبر مجموعة من طلاب الجامعات، الذين خبروا حديثاً العمل الحزبي والسياسي.

تجليات الجغرافيا السياسيّة في الشرق الأقصى

جغرافيا شرق آسيا، بشكل عام، ومن بينها أندونيسيا، لها أهمية قصوى في إطار لعبة الأمم التي تتشكل وتصاغ منذ سنوات، بينما يشهد الوضع السياسي والميداني تعبئة وسيولة جديدة، عبر الشهور الماضية، خاصّة بعد قرار الولايات المتحدة، برفع يدها حالياً عن تنظيمات الإسلام السياسي في الإقليم، وكذا هدفها المباشر الآخر، في أن تبتعد أنقرة عن انخراطها المباشر في بعض ملفات المنطقة، لصالح مناطق جديدة.

هذه الجغرافيا الممتدة في آسيا، وتمثلاتها السياسيّة، تبدو مؤثرة وحيوية، حيث الأغلبية الإسلامية الكاسحة في بعض العواصم؛ ففي أندونسيا يبلغ عدد السكان قرابة 250 مليون نسمة، وتتميز بتعدد وتنوع العرقيات.

اقرأ أيضاً: كيف اخترق الإخوان أندونيسيا.. وماذا تريد تركيا؟

حزب العدالة والرفاهية، الذي صاغ اسمه عبر اقتطاع الاسم الأول من مماثله التركي (حزب العدالة والتنمية)؛ يتحرك في سياق وظيفي؛ لجهة البحث عن أداء أدوار محددة، تؤهله لصياغة علاقات سياسية، محلياً وإقليمياً، فأنقرة التي تعاني من أزمات اقتصادية جمة، وانحسار سياسي معقد، وتحديداً في بعض ملفات الشرق الأوسط، تتحرك بقوة نحو أندونيسيا، من أجل هدف اقتصادي، يتمثل في استغلال سوق كبير، وكذا المضي في دعم فصائل الإسلام السياسي، ثم توفير بيئة حاضنة للمجموعات الإسلاموية، التي تعرضت للنبذ، والتهميش الاجتماعي والشعبي والسياسي في بلدانها.

 

دينيس كوركودينوف: الإسلاميون عمدوا إلى استئناف التعاون بنشاط أكبر مع تركيا، بعد الأحداث الأخيرة في أفغانستان، والتي كانت بمثابة رمز حقيقي لـ"الثورة الإسلامية" بالنسبة لهم

 

من الصعوبة بمكان تصور الدور التركي في أندونيسيا، ورسائل الود المتبادلة مع حزب العدالة والرفاهية، بعيداً عن حمى الصراع والتنافس بين واشنطن وبكين وموسكو، سيما وأنّ واشنطن ارتأت أنّ أحد أوجه الصراع، ينبغي أن تكون من خلال توظيف الدين، لا سيما أنّ من بين سمات هذه المنطقة، التنوع الشديد دينياً وثقافياً وعرقياً.

صعود طالبان منح الإخوان قوة دفع

وفي حديثه لـ"حفريات"، يشير المحلل السياسي الروسي، دينيس كوركودينوف، إلى أنّ الجماعة الإسلامية، التي تشكلت نتيجة انقسام حركة "دار الإسلام"، أضحت بمثابة الرمز الرئيس لإعادة إحياء النفوذ التركي في أندونيسيا؛ إذ إنّها قدمت أنقرة من خلال سياستها الخارجية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، باعتبارها قوة دفع إضافية؛ لتطوير هذه الحركة الإسلامية، والتي تنتعش بسرعة؛ لتحقيق هدفها التقليدي، والمتمثل في إنشاء دولة إسلامية.

اقرأ أيضاً: بعد حزب التحرير.. أندونيسيا تحلّ جبهة المدافعين عن الإسلام

يتابع كوركودينوف تحليله، لتموضع الإسلام السياسي في أندونيسيا بقوله: إنّ "العديد من أتباع حركة دار الإسلام، والجماعة الإسلامية المنشقة، تلقوا تدريباتهم في تركيا، بالإضافة إلى كونهم خلال الثورة الأفغانية الأخيرة، تمكنوا من اكتساب خبرة كبيرة في النضالات السياسية، والإطاحة بقادة الدولة، بينما بعد وصول حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان، تكثف التعاون بينها وبين الإسلاميين الأندونيسيين، وشاهد مؤيدو الجماعات المتطرفة، مثالاً مقنعاً بأنّ صراعهم مع القادة السياسيين، يمكن أن ينتهي بالنجاح".

 على خلفية ذلك، تحاول الجماعة الإسلامية، بمشاركة تركيا، نشر نفوذها خارج حدود أندونيسيا، وفقاً لكوركودينوف؛ حيث إنّ قيادتها الحالية تدعو إلى إنشاء دولة إسلاميّة، تشمل أراضي ماليزيا، وسنغافورة، وبروناي، وأستراليا، وتمتد إلى تايلاند، والفلبين.

اقرأ أيضاً: وباء الإسلام السياسي يأبى مغادرة جسد أندونيسيا

ويلفت المحلل السياسي الروسي، إلى أنّ الإسلاميين الأندونيسيين، عمدوا إلى استئناف التعاون بنشاط أكبر مع تركيا، بعد الأحداث الأخيرة في أفغانستان، والتي كانت بمثابة رمز حقيقي لـ"الثورة الإسلامية" بالنسبة لهم، والدليل اللافت على ذلك، هو الاتصالات المكثفة لقادة الإخوان المسلمين في أندونيسيا، مع الأجهزة التركية الخاصّة.

عبر ذلك، وتحت تأثير أنقرة، نمت مساحة الأنشطة العامة للإخوان المسلمين في أندونيسيا، بشكل كبير، لا سيما مع وجود فرصة للتغطية على أفعالهم، من خلال التضامن مع أنقرة، والنضال من أجل قيمهم الخاصّة، بما يشهد على الموقف اللامبالي للقيادة الأندونيسية الحالية، تجاه تهديد الإسلام السياسي.

 

محمد فوزي: يراهن الإخوان على حزب العدالة والرفاهية الإسلامي، والذي يعتبر الحزب المعبر عن مشروع الإخوان المسلمين في أـندونيسيا

 

كما يشير الوجود التركي ذاته، إلى أنّ تلك القوى التي تدعم "الإسلام الراديكالي"، هي فقط التي تم دمجها في العمارة السياسية لأندونيسيا، وفقاً للمحلل السياسي الروسي، وفي المقابل، يتم تهميش مؤسسات السلطة العلمانية بشكل نشط ومقصود؛ وهذا يؤدي إلى مآل واضح متمثل في أنّ الأطراف والمؤسسات المرتبطة بالإخوان وتركيا، تعمد إلى تثبيت وصياغة القيم الخاصّة بها في البلاد.

ويختتم: "عززت أنقرة دورها التعليمي والدعوي، من خلال استهداف الشباب الأندونيسي، للحصول على منح للدراسة في المؤسسات التعليمية الحكومية، ومعهد باندونج التقني، ومعهد بوجور الزراعي، حيث كانت تلك البدايات التي تسبق ظهور الدعاة الأتراك، والمدعومين منهم. كما بدأ حزب العدالة والرفاهية، في تلقي مبالغ طائلة من تركيا، لتحقيق أهداف استراتيجية لتركيا في هذه المنطقة المهمة".

الملاذ الأندونيسي يراود الإخوان

ومن جانبه، يرى الباحث المصري محمد فوزي، أنّ جماعات التطرف والتطرف العنيف في المنطقة، وعلى رأسها جماعة الإخوان، بدأت تبحث بعد الهزائم العسكرية والسياسية الكبيرة، التي تعرضت لها في مناطق النفوذ التقليدية في الشرق الأوسط، عن مساحات حضور جديدة، تضمن، من جانب، توفير ملاذات آمنة لقادة هذه التيارات، ومن جانب آخر، توفر مساحة جديدة لإعادة إحياء المشروعات الإسلاموية.

اقرأ أيضاً: حلّ أكبر جماعة في أندونيسيا على صلة بداعش.. ما هي؟

ووفقاً لفوزي في حديثه لـ"حفريات"، توجد جملة من الاعتبارات التي يمكن في ضوئها فهم التوجه الإخواني نحو أندونيسيا (ومنطقة جنوب شرق آسيا بشكل عام)، ومن بينها "الهزائم التي مُنيت بها التيارات، التي تدور في فلك الإخوان في المنطقة، والتي كان آخرها السقوط المدوي لحزب العدالة والتنمية المغربي، في الانتخابات التشريعية، والانتفاضة التونسية ضد حركة النهضة، فضلاً عن التداعيات المحتملة للتحركات التركية، التي تستهدف بناء تفاهمات مع دول: مصر والإمارات والسعودية، على قادة الإخوان ونشاط التنظيم في تركيا"، الأمر الذي تتعاظم معه حاجة التنظيم إلى البحث عن ملاذ آمن بديل لتركيا، وتعتبر أندونيسيا من الخيارات المطروحة بقوة أمام تنظيم الإخوان، باعتبارها بيئة جديدة ومحتملة، وربما خصبة للنشاط.

ويردف: "يراهن الإخوان على حزب العدالة والرفاهية الإسلامي، والذي يعتبر الحزب المعبر عن مشروع الإخوان المسلمين في أندونيسيا، بل ويُثار حديث عن استقباله للعديد من قادة الإخوان الفارين، فضلاً عن مشاركته في تدوير شبكات مالية للتنظيم الدولي للإخوان، ويستغل الإخوان في هذا الإطار، المناخ السياسي الإندونيسي، الذي يغلب عليه الديمقراطية، من أجل التغلغل الناعم في كافة مفاصل الدولة الإندونيسية، وصولاً إلى فكرة التمكين".

اقرأ أيضاً: أندونيسيا والأندلس: إسلام السيف وإسلام الأخلاق

كما يراهن الإخوان على كون أندونيسيا (ومنطقة جنوب شرق آسيا) حاضنة لأعداد كبيرة من جماعات التطرف والعنف، فضلاً عن الكثافة السكانية، والثراء الديموغرافي لدول هذه المنطقة ومنها أندونيسيا، الأمر الذي يسهل عملية استقطاب عناصر جديدة، خصوصاً من الأقليات المسلمة التي تشعر بالاضطهاد، ويسيطر عليها الشعور بـ"المظلومية"، حسبما يوضح فوزي، وكذلك يضع الإخوان في اعتبارهم العلاقات الجيدة، التي تربط بعض الرعاة الإقليميين مثل: تركيا وقطر، بدول جنوب شرق آسيا، وبالتالي، قد تمثل إعادة إحياء المشروع الإسلاموي عبر البوابة الإندونيسية، معادلة رابحة بالنسبة للطرفين، الإسلام السياسي، والرعاة الإقليميين، الذين يرون في هذه المنطقة مساحة لا تقل أهمية عن الشرق الأوسط.



الصفحة الرئيسية