إيران والمصالحة الخليجية: سياسة خارجية جديدة أم مناورة؟

إيران والمصالحة الخليجية: سياسة خارجية جديدة أم مناورة؟

مشاهدة

16/01/2022

مثّل الانفتاح السياسي والحراك الدبلوماسي الذي قامت به الإمارات، مؤخراً، مع عدة دول لديها معها خصومة إقليمية، من بينها سوريا وتركيا وإيران، خطوة لافتة، لا سيما أنّ ثمّة متغيرات عديدة تضغط باتجاه البحث عن أدوات جديدة للتعاطي مع الأزمات بالمنطقة، وتفرض تخفيض الصراعات في الخليج، غير أنّ التصعيد السياسي والميداني، تحديداً الميليشياوي، الذي تقوم به جماعة الحوثي في اليمن، يخيم على كلّ محاولات التوصل إلى أفق سياسي سلمي للنزاعات، الأمر الذي يضع دعوات طهران بخصوص الانفتاح على الخليج، ومن ثم، الانخراط في حوار "بدون قيود" محل تساؤل وبحث، خاصة بعد محادثات مماثلة حدثت بين الطرفين، بوساطة عراقية، وكذا عُمانية، دون أن تسفر عن نتائج، حتى الآن.

أذرع إيران في المنطقة

الميليشيات المدعومة من الحرس الثوري الإيراني في اليمن، ما تزال تواصل تهريب الأسلحة والمقاتلين عن طريق بحر العرب، واستهداف مواقع مدنية، من بينها المطارات والمنشآت النفطية في السعودية، وكذا عمليات القرصنة للسفن التي تتم بالقرب من الموانئ الإماراتية، فضلاً عن الاستفزازات البحرية في مياه الخليج بين إيران وإسرائيل، وارتداداتها على الملاحة الدولية.

أثناء لقاء وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، نظيره العماني، بدر بن حمد البوسعيدي، منتصف الأسبوع الماضي، شدّد عبد اللهيان على ضرورة حل الأزمة اليمنية بواسطة الطرق الدبلوماسية والحوار، وقال إنّ بلاده "مستعدة للتعاون مع دول الخليج دون قيود أو استثناء".

الميليشيات المدعومة من الحرس الثوري الإيراني في اليمن، ما تزال تواصل تهريب الأسلحة والمقاتلين عن طريق بحر العرب، واستهداف مواقع مدنية، من بينها المطارات والمنشآت النفطية في السعودية

وتابع عبد اللهيان: "إنّ التعاون السياسي الثنائي والتشاور حول بعض القضايا المشتركة كان من ضمن محادثاتنا في عُمان، أما في المجال الاقتصادي فقد جرى البحث حول استئناف حركة الزوارق التجارية للبلدين، نظراً للسيطرة على فيروس كورونا، حيث وعد الجانب العُماني بمتابعة الموضوع، كي نتمكن في المستقبل القريب من مشاهدة استئناف حركة زوارق البلدين لتبادل السلع بينهما". 

اقرأ أيضاً: هل غيّرت إيران استراتيجيتها في العراق؟

وأردف: "لقد تباحثنا أيضاً في مجال القضايا الإقليمية حول التطورات في اليمن وأفغانستان وفلسطين، كما كانت لنا محادثات مسهبة على الصعيد الدولي نظراً لمفاوضات فيينا من أجل إلغاء الحظر". كما لفت وزير الخارجية الإيراني إلى أنّ "العُمانيين أدّوا الدور في الماضي من أجل أن تثمر المفاوضات في إطار الاتفاق النووي، وكذلك في العلاقة مع بعض الأطراف الغربية".

وأكّد أنّ "العُمانيين ما يزالون يحملون نوايا صادقة لوصول هذه المفاوضات إلى نتيجة جيدة ومستدامة، ويبذلون جهودهم الدبلوماسية لدعم طاولة المفاوضات للوصول إلى اتفاق جيد".

اقرأ أيضاً: رجال الدين في المقدمة... ما أبعاد تململ أركان الدولة في إيران؟

كما أوضح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده؛ أنّ الجولة الخامسة من المحادثات الإيرانية السعودية على جدول الأعمال، موضحاً أنّه "على الرغم من الملفات الخلافية بين البلدين، فإنّ الحوار متواصل لتحديد هذه الملفات، وتبقى محادثات العراق مستمرة في الاتجاه نفسه".

المصالحة الخليجية الإيرانية

وعلى ضوء ذلك، يوضح الباحث المصري في العلوم السياسية، الدكتور مصطفى صلاح؛ أنّ الدبلوماسية الإماراتية استبقت الأحداث التي من شأنها أن تتشكل في المستقبل القريب؛ إذ إنّ الشرق الأوسط يشهد مجموعة من التطورات الجذرية، سواء على مستوى العلاقات الإقليمية أو التدخلات الخارجية، ومن ثم، فالسياسة الإماراتية تحاول الانفتاح في علاقاتها، من خلال تدشين مثل تلك المبادرات مع كل من تركيا وإيران، وذلك باعتبارهما أكثر الدول انخراطاً في الأزمات العربية، كما ستفرض الترتيبات الإقليمية الجديدة مجموعة من المصالحات، وإن كانت بصورة مرحلية.

وجاءت هذه الخطوات بعدما اتضحت خريطة التفاعلات الجديدة، والتي أرادت من خلالها الإمارات وضع نفسها على مسارها، وإن كان هذا الأمر لم تظهر تداعياته على مستوى المنطقة، بصورة عامة، ودول الخليج، بوجه خاص، وفق صلاح.

اقرأ أيضاً: تقرير يكشف طرق تهريب النفط الإيراني.. ما دور الحرس الثوري؟

ويردف لـ "حفريات": "الخطوة الإماراتية ليست الأولى من نوعها، بل جاءت كردّ فعل على التطورات الإقليمية والدولية الأخيرة. ومن الواضح أنّ الإمارات اتخذت هذه الخطوات بحسابات مصالحها القومية، التي تمثلت في التحرك بصورة يمكن من خلالها تهيئة الظروف لعودة أشمل للعلاقات داخل النظام الإقليمي العربي. ومن الناحية الأخرى؛ فإنّ السياسة الإقليمية للإمارات اتخذت أبعاداً أخرى في علاقاتها مع هذه الدول، تتمثل في التواصل المباشر، وليس عبر تصريحات أو تلميحات، وهو ما قد يعزز فرص التواصل مع هذه الدول".

الباحث في العلوم السياسية، محمد ربيع الديهي لـ "حفريات": يتعين على طهران مراجعة سلوكها الإقليمي، خاصة دعمها للعنف المسلح في المنطقة، إضافة إلى برنامجها النووي والصاروخي

هناك مجموعة من التأثيرات التي يمكن أن تفرزها هذه الدبلوماسية الجديدة، تتمثل في "إمكانية اتجاه دول أخرى نحو الوصول إلى توافق حول كثير من الملفات الخلافية، والبحث عن تفاهمات سياسية ودبلوماسية بالشكل الذي يحقق الاستقرار الإقليمي. وضمن السياق ذاته؛ فإنّ هناك استفادة كبيرة لكلّ من تركيا أو إيران من هذه الخطوات، وذلك في إطار إعادة ضبط علاقاتهما الإقليمية، وتجاوز الأزمات الداخلية التي تواجههما، بالإضافة إلى تعزيز صورتهما في المنطقة العربية، بشكل إيجابي، بعد أن ارتبطت سياساتهما بالتصعيد، واتساع نطاق الأزمات والمشكلات، وتنامي حالة عدم الاستقرار في المنطقة". يقول صلاح.

هل تتخلى طهران عن سلوكها الاستفزازي؟

وإلى ذلك، فإنّ إعلان طهران الاستعداد لدخول في مفاوضات مع الخليج "بدون قيود" هي خطوة مهمة ومؤثرة، لكنّها محفوفة بتعقيدات عديدة، بحسب الباحث في العلوم السياسية، الدكتور محمد ربيع الديهي، الذي أبلغ "حفريات" بأنّه قد سبقت تصريحات وزير الخارجية الإيرانية زيارة من مستشار الأمن القومي الإماراتي نهاية العام الماضي "وهي زيارة تحمل في طياتها العديد من التساؤلات حول احتمالات التصالح، هذه المرة، وجدّية الطرف الإيراني في الاستجابة للمسار السياسي والدبلوماسي"؛ إذ عكست زيارة مستشار الأمن الوطني الإماراتي، طحنون بن زايد آل نهيان، إلى إيران، تحولاً في العلاقات بين طهران وأبوظبي؛ حيث التقى بالرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، وكذا أمين مجلس الأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، بينما بحث مع الأطراف الإيرانية إمكانية تعزيز العلاقات الثنائية والتشاور بشأن آخر المستجدات في المنطقة. واللافت أنّ الزيارة جاءت بعد أسبوعين من لقاء نائب وزير الخارجية الإيراني، علي باقري كني بأنور قرقاش، ووزير الدولة الإماراتي، خليفة المرر، في دبي.

ووفق الديهي "من الواضح أنّ هذه الزيارة الإماراتية لإيران كانت تهدف إلى تهدئة الأجواء، أو وضع الخطوط العريضة في حال التفاوض بين البلدين، الأمر الذي قد يرسم مساراً جديداً للخليج في علاقاته مع طهران، خاصة بعد تعرقل مسار التفاوض، في نيسان (أبريل) العام الماضي، والذي تمّ بوساطة عراقية".

ويلفت الباحث في العلوم السياسية إلى جملة متغيرات تحدث راهناً على الساحة الإقليمية والدولية، من بينها الانسحاب الأمريكي من منطقة الشرق الأوسط، والاهتمام بوسط وشرق آسيا، وهو العامل الذي لطالما رأت طهران أنه السبب وراء الاضطرابات الأمنية بينها وبين الخليج.

اقرأ أيضاً: بانوراما إيرانية: ملالي طهران يدخلون العام الجديد بشعارات تدعو لإسقاطهم

ويردف: "التغير في النظام العالمي قد يدفع كلّ الأطراف نحو الاستفادة من تلك التحولات بزيادة مكاسبه، بالتالي، فعمليات المصالحة في المنطقة وتخفيض الصراعات، والانفتاح على الحوار، يستهدف إيجاد اصطفافات سياسية لبناء منظومة تقوم على التعاون المشترك في المجالات الممكنة، وتعليق جوانب أو ملفات الخلاف"؛ يقول الديهي.

وفيما يتصل بعوامل نجاح الحوار مع طهران، يقول الديهي إنّه يتعين على الأخيرة مراجعة "سلوكها الإقليمي العدواني والاستفزازي، خاصة دعمها للصراعات والعنف المسلح في المنطقة، كما هو الحال في اليمن وسوريا، بالإضافة إلى برنامجها النووي والصاروخي الذي يبعث بمخاوف أمنية جمّة في الخليج، وبين القوى الدولية؛ إذ إنّ كلّ هذه الأمور مجتمعة تعيق أيّ تقدّم في اتجاه الحلّ السياسي".

اقرأ أيضاً: هل وصل الحاكم العسكري الإيراني الجديد إلى صنعاء؟

كما يمكن الحديث عن إمكانية أن تلعب روسيا دوراً في هذه المفاوضات كضامن للسلوك الإيراني في الإقليم، بحسب المصدر ذاته، لا سيما أنّ موسكو كانت قد عرضت لعب دور وساطة في عملية المصالحة الخليجية الإيرانية قبل القبول بالوساطة العراقية، وذلك في ظلّ سعي روسي حثيث للتأكيد على قدراتها ونفوذها الإقليمي، ومحاولة استقطاب الدول التي تقع ضمن النفوذ التقليدي الولايات المتحدة.

الصفحة الرئيسية